|
هل الضرر يزال أم يزاد ؟ ! (4) |
|
|
|
|
Saturday, 09 April 2011 19:34 |
بقلم الشيخ بشير أحمد صلاد * بسم الله الرحمن الرحيملعل مما جعل تصرفات البعض مأساوية، غفلتهم عن قاعدة : الضرر يزال ، أو أخذهم بها بدون فقه وإدراك للقواعد الأخرى التي تتفرع منها أو تعتبر قيدا لها،ويجمل بنا في هذه الحلقة أن نقف قليلا عند بعض تلك القواعد؛ حتى تكتمل لنا الصورة ، وتتضح لنا ( الأجواء) المحيطة بقاعدتنا الذهبية : الضرر يزال . لقد اعتنت الشريعة المطهرة بتصرفات الإنسان وأحاطتها بسياج من الأحكام والآداب حتى لا يضر نفسه ولا يضر غيره ،وهذا ليس في تصرف الإنسان في حق غيره ، وإنما أيضا في تصرفه في حقه؛ من هنا جاءت القاعدة التي تقول : تصرف الإنسان في خالص حقه إنما يصح إذا لم يتضرر به غيره(موسوعة القواعد الفقهية للبورنو 4/309) ،وهذه القاعدة أساس لنظرية مشهورة لدى الفقهاء المعاصرين ، يطلق عليها : التعسف في استعمال الحق ، وذلك لأن الإنسان قد يتروى في تصرفه ويحسب حسابه إذا كان في حق الغير،أما إذا كان التصرف في حقه الخالص فيظن أنه مطلق العنان وأنه يتمتع بكامل الحرية في هذا المجال ، غافلا عن آثار تصرفه على حقوق الآخرين . ويضرب العلماء أمثلة لهذه القاعدة ، منها قولهم : إذا بنى الإنسان بيتا وفتح فيه نوافذ بدون إذن جاره ،وكانت تلك النوافذ تطل على نساء الجيران ،وجب عليه سدها ولو كانت له مصلحة في فتحها . ومنها : إذا حفر حفرة في أرضه من أجل البناء ، لكنها تؤدي إلى انهدام بيت الجار ،وجب عليه اتخاذ الاحتياطات اللازمة للوقاية من ذلك . ومنها : إذا سلط شخص ميزاب بيته على الطريق العام بحيث يضر بالمارين، وجب عليه إزالته ،وكذلك إذا تعدى على الطريق العام ببناء أو حفر بالوعة فإنه يزال . ومنها قولهم : من أحدث في ملكه مدبغة جلود يتأذى منها الجيران ، بحيث لا يستطيعون السكنى في منازلهم بسبب الروائح الكريهة ،فإنه يكلف بدفع الضرر بالطرق الممكنة ، وأخيرا ، يقولون : من بنى في بيته تنورا للخبز أو مطحنة تؤذي جيرانه ،وجب عليه إزالة ذلك لرفع الضرر عن الجيران .(أنظر : القواعد الفقهية للسدلان،506 والمدخل الفقهي للزرقاء2/979) . والمتأمل في هذه الأمثلة يعجب من سمو الشريعة الإسلامية وعنايتها بحقوق الآخرين والاهتمام بكف الأذى عنهم في أعراضهم وأرواحهم وممتلكاتهم ،أيا كانت صورة ذلك الأذى ،وتوفير بيئة خالية من المنغصات ولو في صورة روائح كريهة أو أصوات مزعجة . ثم قارن بين هذا وبين ما نفعله وننسبه إلى الشريعة من تدمير للممتلكات العامة والخاصة ، ونشر كل أنواع الأذى المادي والمعنوي في حياة المسلمين، باسم الجهاد والدفاع عن الحرمات . حقا ، ما أبعد الشقة بين ما يعلن وبين مايفعل ، وما أحوجنا إلى أن ننزه الشريعة عن الأفعال الشنيعة ؛ حتى لا يشملنا الوصف النبوي لفرقة الخوارج بأنهم : يحسنون القيل ويسيئون الفعل ، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء ، وفي رواية : وليسوا من الله في شيء . (أنظر : صحيح سنن أبي داود رقم4765 ،وظلال الجنة للألباني ،940-941) . ورحم الله علماءنا ، يتحدثون : عن نصب ميزاب وحفر بالوعة وريحة مدبغة ودخان تنور وجعجعة مطحنة، فماذا عساهم يقولون ، وأي كلام يسطرون ، لو أنهم رأوا : نصب المدافع وحفر الخنادق وريحة الجثث ودخان التفجيرات وأزيز الرصاص وتناثر الأشلاء ، وكل هذا في المسلمين بأيدي المسلمين تسببا أو مباشرة ودون أي حرج أوتعليق سوى القول : يبعثون على نياتهم ، ولم يفكر هذا القائل : على ماذا يبعث هو ، وإلى أين يصير ، ولم يستحضر الموقف الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال ( صحيح سنن أبي داود،3451، وصحيح سنن ابن ماجه ،2200) . ومن القواعد التي تعتبر قيدا أو ضابطا لقاعدة ( الضرر يزال) : أن الضرر لا يزال بمثله(أنظر :القواعد الكلية للدكتور،محمد عثمان،185، والأشباه والنظائر للسيوطي،86،ولابن نجيم،87) ومعنى هذه القاعدة،أن إزالة الضرر ،وإن كانت واجبة ، فلا يكون ذلك بضرر مثله فضلا عن أن يكون بأشد منه ،و إنما ينبغي أن يزال بغير إضرار بالغير إن أمكن وإلا فبأخف منه . (الأشباه والنظائر لابن السبكي1/41). وهذا القيد ضروري حتى تنضبط حركة الإزالة والتغيير،وتتجه نحو الأفضل لا إلى الأسوأ . ولا شك أن حساسية الموضوع تشتد إذا كان الأمر يتعلق بالغير ؛ لأن النفس البشرية قد أحضرت الشح وجبلت على حب الذات، فتسيطر عليها مشاعر الأنانية ولا سيما في الأوقات العصيبة والظروف الصعبة ، فتبحث عن نجاتها في هلاك غيرها، وعن حياتها في موت الآخرين . ولكن الأمثلة والتطبيقات التي ذكرها العلماء لإعمال هذه القاعدة، تقف بالمرصاد لهذا الشعور الأناني، وتصرح ، مثلا : بأنه لا يجوز لمن أكره بالقتل على قتل غيره، أن يقتل الغير بغير وجه حق ، وأنه لا يجوز كذلك أن يأكل المضطر طعام مضطر آخر ، كما أنه لايجوز لأصحاب حرفة في سوق منع صاحب حرفة جديد ، بحجة أن اشتغاله بتلك الحرفة يؤدي إلى كساد عملهم( الأشباه والنظائر للسيوطي ،86، وشرح مجلة الأحكام للقاضي ،1/87 ، بواسطة القواعد الكلية لمحمد عثمان ،185-186) . ولعل هذه الأمثلة التي ذكرها العلماء تضيء لنا الطريق لنعالج بعض الأمراض التي تعاني منها الساحة الإسلامية ، وذاق المسلمون بسببها الأمرين . فقد دب إلى الصحوة الإسلامية المعاصرة مبدأ الاستعلاء على عامة المسلمين ،وعملت فكرة العزلة الشعورية عملها حتى انتجت تفكيرا نخبويا أنانيا ، لا يتصور المصلحة والمفسدة إلا من خلال منظور حركي أو فكري ضيق ، يسقط عامة المسلمين من حسابه ، سلبا و إيجابا ، وقد كانت آثار هذا الفكر محتملة عندما كانت محصورة في المجال( المدني ) ، ولكن الأمر أصبح مدمرا عندما تمت (عسكرة ) هذا الفكر، وأضحى استعلاء الإيمان أستعلاء على أهل الإيمان وتكفيرهم واستحلال دمائهم، ووجدت أمراض القلوب فرصتها الذهبية لكي تترس بأهمية الداعي والدعوة أولا ،ثم بضرورية المجاهدين للأمة أخيرا؛ ومن هنا لا بأس في أن تذهب الآلاف ضحية لتصرف غير موفق من أمراء الجهاد هنا وهناك ، أو ترتهن شعوب بأكملها ، فداء قسريا( لنفس زكية)،تنتظر الأمة(فرجها) أو تتساءل عن وجودها، ولا بأس في أن( تتوحش) البلاد الإسلامية لكي يتمكن( المستضعفون) من إقامة إمارات متنقلة لأئمة مستورين، يكفيهم القليل ، ويأوون إلى جبل ظليل ، بينما ملايين المسلمين تحت الآلة العسكرية التي لا ترحم ، قتلاهم وجرحاهم ومعاناتهم لا تعد من الضرر الذي يدخل في حسابات النصر والهزيمة؛ لأنه وببساطة : ما دامت الإمبريالية العالمية لم تتمكن من إسقاط القيادة الثورية التقدمية ، فالأمر هين ، وكل الذي فوق التراب تراب . وقد يعجب القارئ من موقف هؤلاء ،ولكن يزول عجبه إذا علم أنهم لا يستلهمون من السياسة النبوية القائمة على إزالة الضرر أو تخفيفه ، والأخذ بعين الاعتبار قدرات الأمة وظروفها، والتي فيها قوله للسعدين : إنما هو شيء أصنعه لكم لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واجدة ،والتي فيها قوله لحذيفة ليلة الأحزاب : لاتذعرهم عليّ ، والتي فيها قوله لمعاذ : أ فتان أنت يا معاذ ؟ والتي فيها قوله لوفد هوازن: إن معي من ترون ، ولا يستلهمون من الخلافة الراشدة التي فيها نهي عمر أمراءه عن الغزو في البحر ، خوفا على المسلمين من مخاطره ،وشفقة عليهم من مهالكه( أنظر : عمدة القاري ،21/175)، وإنما يستلهمون من سياسات القادة الأقوياء ولو كانوا من غير المسلمين ، مدفوعين بروح التحدي والمنافسة ومواجهة المكر بمكر مثله ، فأبعدوا النجعة ودخلوا في تراث غير اسلامي ، وخرجوا بكل ما يعجبهم ويحقق لهم مآربهم، يبحثون له عن تبريرات شرعية وتأويلات فقهية ، فكانت النتيجة تسويغ ممارسات( الألوية الحمراء) لمجموعات (الرايات السوداء) . وقد استمعت إلى بعضهم وقرأت لآخرين ، فوجدت فيهم نفسا غير شرعي ، يضرب المثل بجهود ماو تسي تونغ ،وشجاعة كيم إيل سونغ ،وسياسة المكر والروغان ، في كل من بيونغ يانغ وطهران ، ولا تنس دروس الصبر والاصرار التي تعلمها تيمورلنك من النملة، وقصة الكلب والبرغوث ،وأخيرا، النصيحة القيمة من (اسياس افورقي): أن اصبروا وصابروا لثلاثين سنة، كما هي التجربة الارتيرية، حتى يستسلم الكلب للبرغوث . وموقف هؤلاء من ذلك التراث شبيه بموقف بعض الفرق التي نشأت من الاطلاع على الفكر اليوناني والتزود منه بالأدلة العقلية-زعموا- للرد على الملاحدة ،فانتهى الأمر ببعضهم إلى : أن دخلوا وما خرجوا ،فجعلوا العقل المزعوم فوق النقل ، وتسلطوا على الأدلة تأويلا وتحريفا وانكارا وسخرية من ناقليها وإسقاطا لحفظتها ، حتى يتمكنوا من تزيين الباطل لعوام المسلمين، مستغلين سذاجتهم وأحيانا حماسهم . من هنا ضاعت على هؤلاء ( المجاهدين) فرصة التفقه في قواعد السياسة الشرعية، ووقعوا من حيث يشعرون أو لا يشعرون في قواعد السياسة الميكيافيلية، فقدموا مصلحة التنظيم على مصلحة الأمة فحملوها مسؤولية تصرفاتهم : موتا ودمارا وتسلطا للأ عداء وانتهاكا للأعراض ،ولو فقهوا لابتعدوا كما فعل أبو بصير رضي الله عنه، يكفون شرهم و(يدبرون حالهم) ويمارسون نشاطهم، حتى يأتيهم الله بالفرج، أو ينالوا الشهادة التي خرجوا لأجلها، مشيعين بثناء الأمة ودعواتها، لوفقهوا لفعلوا كما فعل عثمان رضي الله عنه، حيث فدى الأمة بنفسه، واختار أن يقتل هو، ورفض أن يقتل أحد أو تحدث فتنة في سبيل الدفاع عنه ،حتى لا يزداد الضرر على المسلمين ، فخرج من الدنيا نقيا من تبعات الدماء ودعوات المظلومين . إنه لا يليق بأحد أن يجود بأرواح الأمة ويضن بنفسه بحجة أهميته للمشروع الاسلامي ، وكأن مصير الأمة مرتبط بمصيره، لا تقوم لها من بعده قائمة ،ولا ترتفع لها راية ،فيفرض نفسه عليها، ناسيا أن هذه الامة كالمطر ،لاينقطع خيرها ، وأنه في كل قرن منها، سابقون( أنظر : السلسلة الصحيحة رقم2001) . وإذا كان البعض يتساءل : إذا رد الأمر إلى أهل الحل والعقد من الأمة ، فماذا يكون دوري ؟ فقد جاء في( العواصم من القواصم) أن عمرا ابن العاص رضي الله عنه سأل أبا موسى الأشعري رضي الله عنه، في قصة التحكيم : ماذا ترى في هذا الأمر ؟ قال : أرى أنه في النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض . قال عمرو : فأين تجعلني أنا ومعاوية ؟ قال أبو موسى" : إن يستعن بكما ففيكما معونة ، وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما " وللحديث صلة إن شاء اللهاقرأ أيضا: اقرأ أيضا: * رئيس هيئة علماء الصومال
|
|
Last Updated on Thursday, 14 April 2011 19:13 |