|
حديث الركب بين دبي ونيروبي والخرطوم 3 |
|
|
|
|
Saturday, 13 November 2010 20:45 |
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى أما بعد ، بعد أن إنتهيت من تسجيل بعض الإنطباعات السريعة عن الدعوة وهمومها في كينيا، ها أنذا انتقل سريعا إلى محطة أخرى من محطات هذه الرحلة الدعوية السريعة إلى بعض أجزاء أفريقيا، وهذه المحطة هي السودان، وعلى الأخص العاصمة الخرطوم. أيام في الخرطوم .. طالما تقت إلى زيارة السودان، على مدى السنوات الماضية، لأن ما يربطنا به أكثر مما يربطنا بغيره، ولأنه يستضيف مع تواضع إمكاناته الآف الطلبة الصوماليين الذين يتلقون تعليمهم في مختلف المعاهد والجامعات السودانية، ولكن لم يقدر لي إلا هذا اليوم، والفضل بعد الله تبارك وتعالى ، يعود للإخوة من رابطة الطلاب الصوماليين العالمية في السودان، جزاهم الله خيرا الذين وجهوا إلي الدعوة لزيارتهم وإلقاء بعض المحاضرات على إخواننا وأبناءنا الطلبة الصوماليين في السودان..والطلبة قريبون إلى قلبي أحبهم وأحتفي بهم، لذلك استجبت على الفور، ويممت شطر الخرطوم عن طريق نيروبي، التي أخذت منها تأشيرة الدخول بسعي من الأخ حسين المسؤول الإداري لمسجد أبي بكر في إسلي، خريج جامعة أفريقيا العالمية الوثيق الصلة بالسودان. مطار الخرطوم... مطار المدينة هو عنوان البلد، تستطيع أن تقرأ منه لأول وهلة، طبيعة الناس إلى حد ما، وتطور البلد، ونظامه الإداري، وفعالية موظفيه، وطرائق عمله، سرعة وبطئا، تقدما وتخلفا، خفة وثقلا، ومطار الخرطوم مطار متواضع لا تسمع فيه أزيز الطائرات التى تهبط وتقلع كل عدة ثواني، ولا ترى فيه الطائرات المتناثرة والرابضة على جنبات المطار وقد إمتدت إليها ممرات الصعود والنزول، من وإلى الصالات، ولا تلاحظ الحركة الدائبة للسيارات والعربات وناقلات العفش، وصهاريج الوقود، والرافعات، التى تجرى وتتقاطع كأنها خلية نحل في أرض المطار، كما ترى في مطارات عالمية كبيرة مثل دبي واسطمبول وكوالالمبور وجوهانسبورغ مثلا، وإنما هنا الحركة هادئة نوعا ما، والطائرات الموجودة محدودة يمكن لك أن تعدها، ولعل هذا من آثار الحصار الإقتصادي المفروض على هذا البلد منذ الثمانينيات، حين أبى أن يحضر بيت الطاعة الغربي، أو إستعصي على سياسة الترويض، أو الترغيب والترهيب المختلفة، أو أنها نتيجة لحجم التنقل البسيط، وتواضع إمكانات الخطوط الجوية السودانية، التى رغم أنها من أقدم الخطوط الجوية في القارة، لكنها حتى الآن لم تصل إلى أن توفر لركابها الحجز الآلى عن طريق موقعها في الانترنت، وقد حاولت ذلك عندما كنت في نيروبي وأبحث عن التذكرة الى الخرطوم بحثت إن كان هناك موقع للخطوط السودانية، فوجدت موقعا تقليديا إلى حد بعيد، لا يتضمن سوى بعض المعلومات الأساسية وجداول الرحلات ووجهات الخطوط، ولا يتوفر فيه الحجز المباشر، الذي يمكن الراكب من أن يحجز ويدفع ويرتب رحلته دون أن يحتاج إلى مساعدة أحد، أو إنفاق وقت في الدوران على المكاتب والإزدحام. وبالمناسبة فان شركات الخطوط الجوية في العالم كله تتجه إلى تبسيط الإجراءات واعتماد الحجز المباشر عن طريق الإنترنت أكثر وأكثر وتتنافس في تحديث وتطوير هذه الخدمة يوما بعد يوم وفقا لتطورات عالم التقنية حتى تجتذب أكبر قدر ممكن من الركاب، ولذلك ترخص الأسعار في الإنترنت أكثر من الأسعار العادية لدى الوكلاء. وقد تعودت لكثرة سفرياتي على إجراء ترتيبات سفري بنفسي بمايتناسب مع جدولي وظروفي، لكن إخواننا السوادنيين لم تصل إلى خطوطهم هذه التكنولوجيا البسيطة بعد، ولعل هذا من عيوب وبيروقراطية الشركات العامة المملوكة للحكومات، وقد كانت شركة الخطوط الكينية كذلك قبل سنوات، إلا أنها تطورت كثيرا الآن، ولديها موقع ألكتروني حديث، بعد خصخصة جزء من الشركة، وإدارة شركة الخطوط الهولندية لها . المهم نزلنا من الطائرة الكينية، الجو حار وجاف نوعا ما، ولكنه ليس شديد الحرارة، وقد أخبرني الأخوة أنهم يعتبرون جوالخرطوم الآن مائلا إلى البرودة أو لطيفا لا لافحا على الأقل، وسرعان ما دلفنا إلى صالة المطار المتواضعة، التي تكفى وتزيد عن الخرطوم في الوقت الراهن كما يبدو، بل هي (صالة عظيمة خمسة نجوم) بالمقارنة إلى بلاد غيرها تعيش في حالة بائسة من الخدمات مثل الصومال الممتحن، واصطففنا أمام ضباط الجوازات، وقد لاحظت صفا خاليا تقريبا، فتحولت إليه، فقال أحد العساكر هذا الصف للسودانيين، فقال له أحد الغربيين وهو يتكلم باللغة العربية قبل أن أجيب : ليس هناك ما يشير إلى أنه خاص بالسودانيين، غير مكتوب عليه وكأنه يتهكم عليه، وفي الأخير سمحوا لنا بالصف الجديد. عدد المسافرين ليس كثيرا، والمكان غير مزدحم، إلا أنك تشعر أن موظفي الجوازات يعملون ويتحركون ببطء شديد، ولعل هذه طبيعة ظاهرة في الشعب السوداني، ليس فقط موظف الجوازات الذي أمامنا، بل موظف المكتب، أو الطائرة، أوعامل المطعم، وسائق السيارة، تلاحظ نوعا من الثقل في الحركة والعمل، بعكس ما تجد في أماكن أخرى، من حركة ونشاط وسرعة في الإنجاز وكأن الناس يسابقون الزمن، حتى إنني لا حظت في سويسرا ذات مرة أن موظف الجوازات ينظر إلى صورة الشخص ويبتسم ويقول تفضل، فيمشي فورا، وبعض الدول لديك الخيار بالمرور على بوابة الكترونية تعرض صفحة جوازك لأشعة الليزر فتفتح البوابة وتمشي، وعمال المطاعم يقفزون من ركن إلى آخر، ويتكلمون بسرعة كبيرة في بعض البلدان، العالم يسابق الزمن ويحاول إختصار الجهد، والبعض يسير بخطوات وئيدة وكسولة. طلب منا تعبئة بعض الإستمارات، وكذلك عند الخروج تعبئ الإستمارات، وتمر على بعض المكاتب، تشعر ببيروقراطية قاتلة تستنفذ الوقت والجهد دون طائل، وحبذا لو تخلص إخواننا من هذا الروتين الممل، وأخذوا بالأساليب الإدارية الحديثة، فالعالم يتنافس اليوم على الدقيقة والثانية، ويبتكر كل يوم وسائل جديدة لتيسير الأعمال، وقد أرسى الإسلام هذا المبدأ منذ البداية حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم (يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا).وعندما خرجت من الصالة كان الإخوة من رابطة الطلاب الصوماليين العالمية في إنتظاري عند الباب، وقد تصافحنا ثم مضينا بسيارتهم إلى مقر الإقامة. الجالية الصومالية في السودان معظم أفراد الجالية الصومالية في السودان من الطلبة الذين يتلقون العلم على المعاهد والجامعات الكثيرة في السودان، ولعل من أبرز إنجازات حكومة الإنقاذ الحالية أنها شجعت فتح الجامعات والمعاهد أكثر وأكثر في السودان المهتم في الجانب التعليمي أصلا، ولذلك إفتتحت عشرات الجامعات والمعاهد العلمية في العقدين الماضيين، مما جعل السودان قبلة يؤمها طلاب اتعليم العالي من جميع البلدان الأفريقية والأسيوية، ولذلك تجد الأفارقة والأسيويين من الصين واندونيسيا وغيرهم يطلبون العلم في السودان. وكما إن ماليزيا كانت تخطط ضمن مشروعها الحضاري الذي وضعته حكومة محاضير محمد سنة 1990 لمدة ثلاثين عاما أي إلى سنة 2020 أن تكون ماليزيا خلال هذه الخطة مركزا تعليميا كبيرا في منطقة آسيا ودول النمور الأسيوية، فكذلك يبدو أن حكومة الإنقاذ في السودان حذت حذوها، تطلعا لأن تكون مركز تعليميا في أفريقيا، ويبدوا أنها نجحت إلى حد ما في هذه الخطة، لأن الفرد السوداني يتوفر له التعليم العالي، وهذه ظاهرة جيدة لأنها تساعد على تقدم ورقي أي أمة. فمعظم الجالية الصومالية إذا من الطلبة، والعوائل المقيمة قليلة العدد، كما أن حركة التهريب التى كانت نشطة في السنوات الماضية قد خفت في السنتين الأخيرتين، وتوجد هناك بعض شركات الحوالة الصومالية، كما يوجد بعض الصوماليين العاملين في الهيئات الدولية، أو الأساتذة في الجامعات . جوبا..جنوب السودان كذلك يوجد في جنوب السودان وعاصمته جوبا بعض التجار الصوماليين ويتزايدون في الفترة الأخيرة، مثل شركات الحوالة، وهي تحول أكثر ما تحول للمغتربين من جنوب السودان الذين ينتشرون في الدول الغربية، وقد لاحظت ذلك أثناء زيارتي إلى كينيا وأوغندا، حيث كنت أسمع أن فلان وفلان في جوبا، ونحن قادمون من جوبا أو ذاهبون إليها، ويعمل الصوماليون في النقل العام، وشركات الوقود، والمواد الغذائية، وغير ذلك من التجارة المختلفة. مع طلاّبنا في السودان .. وسعدت خلال الاربعة أيام التى مكثت فيها في الخرطوم بمرافقة طلاّبنا في أكثر الأوقات، وقد ألقيت عددا من الدروس والمحاضرات واللقاءات الخاصة كان أبرزها المحاضرة التي نظمت في قاعة المحاضرات الكبرى في جامعة أفريقيا العالمية، بعنوان (المشكلة الصومالية من منظور إسلامي) واستمرت لمدة ثلاث ساعات ونصف ما بين إلقاء المحاضرة والأسئلة والمداخلات، وقد إمتلأت القاعة بطلابنا وعدد من الأساتذة الصوماليين وبعض أفراد الجالية الآخرين، وقد نقل مندوبوا (الصومال اليوم) أبرز عناصر المحاضرة، وكنت أقرأ حقيقة الأمل في عيون هؤلاء الطلاب الذين كان يذكرني بعضهم بزيارات سابقة قبل سنوات زرتهم فيها في مدارسهم المتوسطة والثانوية في مقديشو وهرجيسا وبوصاصو، وكنت سعيدا جدا بأنهم ما زالوا يواصلون مسيرة طلب العلم في المراحل الجامعية وما بعدها في جامعات العالم. إن الرأسمال الحقيقي للأمم هو بناء الإنسان، وإذا ما توفر العنصر البشري المتسلح بالعلم والإيمان والأخلاق فانه يجلب جميع أسباب النجاح، تسعد بهم الأمة في الدنيا والآخرة. وقد سررت أيضا مرة أخرى أن أجد بعض خريجي معاهدنا الشرعية في مرحلتها الأولى في بداية التسعينات كمعهد لاسعانود ومعهد لوق، وقد تدرجوا في السلم الأكاديمي حتى وصلوا إلى مراحله العليا، وكان الأستاذ عبدالرشيد الذي لقيته في القاعة ويعمل حاليا محاضرا في جامعة أفريقيا العالمية نموذجا لذلك. وقد كنت الاحظ إهتماما كبيرا من الطلاب في شأن بلدهم الجريح، وقلت لهم: أنتم وأمثالكم الذين ينتظركم البلد للخروج من مأساته الراهنة، فلا تكونوا مجرد مؤيدين لزيد أو لعمرو من الناس أو الأحزاب أو الطوائف التى تصنع مأساة الصومال والصوماليين كل يوم، فما يجري في بلدكم لا يقره شرع ولا عقل ولا ضمير، ويحتاج إلى صوماليين جدد يحملون قلوبا حيّة، وعقولا سليمة، ورؤية صحيحة، وأفقا واسعا يستوعب الصومال بلدا وشعبا. وإلى لقاء آخر باذن الله حول السودان..سياسة وشعبا...
|
|
Last Updated on Saturday, 13 November 2010 21:18 |