الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
حديث الركب بين دبي ونيروبي والخرطوم - 2 PDF Print E-mail
Thursday, 11 November 2010 13:56

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى ، أما بعد ،

تحدثت في المقال الأول عن بعض اللقطات من نيروبي في هذه الجولة الأخيرة، وما أكثر الجولات والرحلات التى قمت بها إلى هذه المدينة، وعندي يوميات كثيرة عنها وعن ممبسة ، وجاريسا وططاب وليبويا، ومنديرا وناكورو، ومالندي ولامو وكيونجا، وقد نشرت بعض هذه الإنطباعات في مجلات إسلامية إبان أول زيارة لي إلى كينيا سنة 1991 عند إندلاع الحرب الأهلية الصومالية، وكتبت عدة ملازم عن أوضاع اللاجئين الصوماليين المأسوية، وروايات شهود الأعيان، وأبطال القصص الذين رووا لي حكاياتهم المؤلمة ، والذين كانوا يتناثرون تحت الأشجار، وفي المخيمات، وفي المطار، وعلى طول الحدود من مانديرا إلى كيونجا، نشرت بعضها ولم ينشر بعضها الآخر، وعسى أن يرى النور في يوم من الأيام .

خواطر حول ممبسة

وقبل أن أخرج في هذا الحديث عن محيط كينيا، فلابد أن أعرّج بعض الشيئ على ممبسة، مدينتنا الساحلية التى أتردد عليها باستمرار في السنوات العشر الماضية، وقد أفتتح فيها أخيرا مسجد الإمام الشافعي، الذي أقامته الجالية الصومالية في المدينة، وهو أول مسجد ومركز إسلامي تقيمه الجالية في ممبسة، وقد جاء هذا المشروع الكبير نتيجة لجهود استمرت عدة سنوات كانت في البداية حلما ثم حديثا بين الدعاة والأعيان في المدينة يحضّ بعضهم بعضا على إقامة مركز إسلامي في المدينة تنطلق منه الدعوة، وجرت محاولات عديدة للبحث عن قطعة أرض تصلح لذلك، وكانت هناك لجنة مكونة من التجار والدعاة تضطلع بهذه المهمة، ثم تطور الأمر إلى توسيع اللجنة وتنشيطها ودعمها بالدماء الجديدة، ونتيجة لذلك تم تسجيل جمعية تقوم بهذا المشروع وبالدعوة في المنطقة بإسم (جمعية الفرقان) ثم تسارعت الخطوات وجرى البحث الحثيث عن موقع يصلح للمسجد والمركز، وبالفعل تم الحصول على القطعة ، فبدأت حملة جمع التبرعات على الفور، ومن ثم البدء في تصميم المشروع للإستفادة القصوى من القطعة الصغيرة التى تقع في حي بونديني وقريبا من مركز المدينة ومن ساحل البحر،وتم إنجاز المشروع ولله الحمد في غضون عام واحد ، وتكفلت الجالية في ممبسة بمعظم التكلفة، وقد ألقيت خطبة الجمعة في المسجد ودورة قصيرة أربعة أيام في (أربعين حديثا) في التربية والمنهج، في هذه الرحلة القصيرة إلى ممبسة كما شاركت في الإجتماع النصف شهري لمجلس إدارة الجمعية ، الذي تزامن مع الزيارة، واستمعت إلى بعض التقارير والإنجازات ، وكذلك طموحات الجمعية نحو توسيع نشاطها الدعوي والخيري في المنطقة، وحمدت الله تعالى على أن ما كان حلما قبل بضع سنوات أصبح اليوم حقيقة ماثلة للعيان.

ومع إفتتاح المركز والمسجد الجديد إلا أن الدعوة والدروس والمحاضرات لا تزال أيضا جارية في المساجد الأخرى التى يقوم عليها إخواننا السواحليون،ويشارك الصوماليون في إدارات بعضها، وقد أكدت على إخواننا الإستمرار في الدعوة في هذه المساجد الأخرى التى تفتح أبوابها وترحب بالدعوة، وهناك من يتقن اللغة السواحلية من إخواننا الدعاة الصوماليين ويلقون الدروس في هذه المساجد كأخينا الشيخ سجوو، الذي غبطته في إتقانه لهذه اللغة الجميلة العذبة التي يتحدث بها نحو 100 مليون في شرق ووسط أفريقيا ويعتبر تعلمها مهما جدا إن لم يكن ضروريا في الظروف الراهنة للدعوة وسرعة إنتشارها في شرق أفريقيا.

ولا أكون مبالغا إذا قلت إن شرق أفريقيا يمكن أن يكون إسلاميا خالصا في ظرف أقل من عشرين عاما إذا ركّز العنصر الصومالي النشط دعوته على الأفارقة بعكس تقوقعه الحالي على الصوماليين، وهم قلة قليلة بالنسبة للكثافة البشرية الكبيرة في شرق ووسط أفريقيا، ولا تزال اللغة حاجزا كبيرا من الحواجز التى تحول دون الإنطلاقة الدعوية الكبرى وسط الأفارقة والسواحل.

وكما قد ترون في (الصور المرفقة) فان القطعة الصغيرة من الأرض استغلت بأفضل الطرق الممكنة حيث يتكون المسجد من أربعة طوابق، طابق سفلي (بدروم) فيه المكتب الإداري للمركز وجمعية الفرقان، وغرفة إجتماعات، ومكتبة الشيخ إبن باز للمطالعة، ومستودع، وملحق مكون من غرفة وصالة بمنافعها لإقامة الإمام. وفي الطابق الأرضي المصلى الرئيسي للرجال، وأماكن للوضوء، والمداخل الرئيسية للرجال والنساء، وفي الدور الأول مصلى النساء، ودورات المياه للرجال والنساء معزولة بعضها عن بعض، وفي الدور الثاني مصلى إضافي للرجال ومتعدد الأغراض يمكن أن يستعمل أيضا كفصول دراسية، وفي الدور الثالث أيضا سطح إضافي يمكن إستخدامه للصلاة وللأغراض الأخرى .

ويطل المسجد من جهة ثانية على البحر الذي يحيط جزيرة ممبسة من كل النواحي.

الصوماليون في كينيا... اللاجئون الأثرياء!

الصوماليون في كينيا يتمتعون بقوة إقتصادية هائلة، وأمكانات وطاقات مختلفة، تؤهلهم لأن يلعبوا دورا مؤثرا وعميقا في كينيا وشرق أفريقيا، وهم أفادوا كينيا واستفادوا منها، ومنّ الله عليهم بخيرات وفيرة، وفرص عظيمة، حتى إنك تجد هؤلاء اللاجئين الذين هربوا من الحرب الأهلية في بلادهم قبل سنوات قليلة وجاءوا حفاة عراة لا يملكون قرشا أسود، يتاجرون بمئات الملايين من الدولارات، وحسب تقديرات بعض التجار، فان الحركة التجارية والتبادل اليومي للأعمال والبضائع في حي إسلي لا يقل عن مائة مليون دولار.. وأعرف بعض إخواننا الذين كانوا لاجئين قبل سنوات قليلة لا يملكون شيئا، وهم أصحاب رؤوس أموال كبيرة اليوم، يتطاولون في البنيان ويقيمون الأبراج والمجمعات التجارية ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم). وعلى الرغم من هذه الإمكانات والطاقات المتوفرة للصوماليين إلا أن نفوذهم السياسي والإجتماعي والإقتصادي والدعوي والفكري في الساحة الكينية يقل كثيرا عن حجم إمكاناتهم وطاقاتهم، وما ذلك إلا بسبب إنعدام المرجعية الموحدة وبالتالي فقدان القيادة المؤهلة التى تستوعب هذه الطاقات والإمكانات وتصهرها في بوتقة واحدة، وضعف التنظيم الإداري الذي يستثمر هذه الطاقات الهائلة..

إنجازات "الهبّة الواحدة"! والطاقات المعطّلة!

وبسبب فقدان القيادة المؤهلة، وضعف التنظيم، فان معظم الأعمال والإنجازات التى تتم لهم، تتم بصورة غير منهجية أو مخططة، وإنما الإجتماع كلما دعت الحاجة وفرضت ضرورات الأحداث، أو ما يمكن أن يوصف بنظرية "الهبّة الواحدة". أي أنهم يهبّون لعمل ما هبة واحدة،عندما يدعون لذلك، خاصة حين يدعوهم العلماء والدعاة، كما تصنع القبيلة في البادية، وأثناء هذه الهبّة تتعجب من حماستهم، وتلاحمهم، ونشاطهم، يبنون مسجدا في جلسة، أو يجمعون عشرات الملايين في سويعات، ولكن بعد أن تمر فورة هذه الحاجة، يذهب كل في حال سبيله وينغمس في زحمة الحياة والأمواج لوحده، إلى أن تحين حاجة أخرى، أو يطرق الأبواب حدث جديد يجمعهم، لهبّة جديدة، أما أن يكون هناك عمل منظم ومخطط، وعمليات جارية ومستمرة لإستغلال الطاقات والإمكانات، ومؤسسات متكاملة ذات أحجام ووظائف مختلفة من سياسية وإقتصادية وإعلامية، شبابية ونسائية وطلابية، وفي ظل قيادات موحدة ذات رؤية تقوم بجمع وتنظيم وتوظيف هذه الطاقات وتوجيهها نحو تحقيق أهداف محددة، فهذا غير موجود، وهو ما يجعل، أداء هم أقل بكثير وكثير من طاقاتهم وإمكاناتهم، ويجعل طاقات كثيرة معطّلة أو موجهة وجهات غير صحيحة.

ولذلك كنت أحث إخواني الدعاة المقيمين في كينيا في اللقاءات الخاصة بأن عليهم مسؤولية كبيرة أمام الله في قيادة وتنظيم هذه الطاقات، وذلك بإعتبارهم مركز الدائرة، وموضع الثقة، الذي يمكن أن تجتمع عليه كل أو معظم هذه الطاقات والإمكانات، بكل فئاتهم وطوائفهم وعشائرهم. ونحن مسؤولون عن هذه النعم إن لم نستغلها أفضل إستغلال لديننا ودعوتنا وأمتنا وتطورها وتقدمها وجمع شملها وتنظيم أمورها مستفيدين من الوسائل والأسباب الإدارية والتكنولوجية العصرية، والكوادر البشرية المؤهلة.. (ولتسئلن يومئذ عن النعيم ).

وكنت أقول ولا زلت أقول إنني على كثرة جولاتي وتقلباتي بين الجاليات الصومالية في العالم لم أر بلدا يتمتع به الصوماليون بإمكانات، وطاقات، وأموال، وفرص متنوعة من سياسية، ودعوية، وحرية في العمل في كل المجالات، ورؤوس أموال وتجار من كل المستويات ،وكثافة بشرية، وأجهزة حكومة يسهل الوصول إليها والتعامل معها، بمثل ما يتمتع به الصوماليون في كينيا، غير أن كثيرا من هذه الطاقات والإمكانات معطّل أو مهدّر أو لا يستفاد منه كما ينبغي بسبب ضعف منا سواء من ناحية القيادة أوالتنظيم.

لغو المقاهي!

ولا ننسى أن نشير إلى أن نيروبي بسبب قربها من مواقع الأحداث الصومالية، وكونها بوابة من البوابات الرئيسية للصومال ، تطبخ وتحضّر فيها معظم الخطط التى تنفذ في الداخل،  وتتمركز فيها جميع الهيئات الدولية والإقليمية التى تهتم أو تشتغل بالشأن الصومالي، كما يوجد فيها ممثلون أو مؤيدون لكل الأطراف الصومالية أو الأجنبية، ولذلك تكثر في نيروبي أحاديث اللغو والتحليلات والإشاعات ، ولو دخلت إلى أي مطعم أو مقهى أو مررت بأي شارع أو زقاق ضيق ، أو على نواصي الطرق وواجهات المحلات ، ستسمع عرضا مناقشات ساخنة، أو خصومات شديدة، أو لجج في الكلام ، على حسب المؤيدين والمعارضين للأطراف الصومالية المتصارعة على ركام البلد، وأكوام الجماجم، ومدن الأشباح، وأحياء الرعب، والدم المسفوك، والشعب المقهور..هذا يؤيد زيدا ويتحمس له، وذاك يؤيد عمروا ويستميت دونه، وكلاهما عما قريب مهدد من عسكري كيني يسحب منه الأوراق ويغلق منه المحل، أو بلصوص يأتون في وضح النهار أو جنح الليل ويأخذون كل ما في هذه المحلات، كما حدث في محلات تحت الفندق الذي كنت أقيم فيه، حين نزلت لصلاة الفجر أخبرني الحارس الصومالي (طبعا غير مسلح) بأن اللصوص المدججين بالسلاح هاجمونا بعد منتصف الليل، ووأرغمونا على الإنبطاح، وكسّروا المحل الكبير هنا، وأخذوا كل ما فيه من بضائع، ونقود، وتركوه يبابا، وظلوا ينقلون الأشياء على سيارتهم أكثر من ساعة لا يخشون أحدا، حتى أتموا مهمتهم وغادروا المكان، والحمدلله أنهم لم يقتلوا الحرّاس المساكين..

وهؤلاء الذين حدثتك عنهم الذين يستغرق وقتهم وجهدهم وربما مالهم تأييد زيد أو عمرو من المتصارعين في الصومال، لم ينجحوا أن يجدوا حراسة منظمة ومسلحة لتجارتهم المتناثرة في هذا الحي، ومن علامات الخذلان أن ينشغل المرء فيما لا مصلحة ولا منفعة له فيه، تاركا ما فيه مصلحة دينه ودنياه، ولذلك أنصح دائما إخواننا الصوماليين في الغربة أن يهتموا أولا بما يصلح دينهم ودنياهم في غربتهم ، وأن يجتمعوا على مصالحهم المشتركة، وإصلاح شؤونهم الدينية والدنيوية، أينما كانوا، وينظموا أنفسهم، ويتعاملوا مع أوضاع وأحوال البلد الذي يعيشون فيه بما يحفظ لهم دينهم ودنياهم، ثم إن بقي عندهم وقت، يوفرونه للأحداث البعيدة عنهم، ومن لم يستطع أن يصلح بيته الذي يعيش فيه لن يتمكن من إصلاح بيوت الآخرين، ومن لم يستطع أن ينفع نفسه بما يصلحها، أجدر بأن لا يستطيع نفع الآخرين.

                             وللحديث بقية.....

محمد ادريس أحمد

 

Last Updated on Saturday, 13 November 2010 18:26