الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
حديث الركب – بين دبي ونيروبي والخرطوم! PDF Print E-mail
Monday, 08 November 2010 10:01

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى أما بعد ،

فقد مررت خلال الأسابيع الثلاثة الماضية في زيارات خاطفة بين ممبسة ونيروبي والخرطوم ودبي ، وألقيت في كينيا والخرطوم عددا من المحاضرات والدروس، والتقيت خلالها أعدادا كبيرة من شعبنا المشتت في تلك البلدان، ما بين تاجر يضرب في الأرض، يبتغي من فضل الله، وطالب علم ينبط العلم، على مدارج الجامعات ومعاهد العلم وحلقاته، وعلماء ودعاة يحرثون الخير في الأرض من جامعات وجوامع ومعاهد ومدارس ومراكز أيتام وجمعيات خيرية، إلى سياسيين أو من يصفون أنفسهم سياسيين في الحالة الصومالية العجيبة، ويحرثون في الهواء، ويعيشون طوال العام في الفنادق – حكي لي عن أحدهم أنه قال ما نمت بيتا منذ عشرين عاما فهو يتنقل بين الفنادق (الفخمة حين يكون التيار عاليا والمتواضعة في حي إسلي حين يهبط التيار وينقلب به القارب ). وأنقل للقارئ الكريم بعض اللقطات من هذه الجولة، من دفتر الإنطباعات ، قد لا تكون مهمة كثيرا، ولكن أرجو أن لا تخلو على الأقل من خاطرة فكرية، أو لمحة تاريخية، أو مسحة أدبية ، أو عبرة، أو نكتة، أسأل الله الهدى والسداد.

جامعة الأندلس في نيروبي!

دعانا الداعية الصومالي المعروف الشيخ الدكتور محمد شيخ عثمان إلى زيارة (جامعة الأندلس) التى أسسها مع رفاقه في منطقة قريبة من نيروبي (نحو 70 كيلومترا من وسط نيروبي) صباح يوم الأحد وقد أجاب الدعوة لفيف من الدعاة وطلبة العلم والوجهاء والتجار الصوماليين في نيروبي، وتجولنا في مقر الجامعة الوليدة، وأعجب الجميع بهمة الشيخ والجهد المبذول في إقامة مقر الجامعة الذي يتكون في مرحلته الأولى هذه من المسجد الجامع، والمكاتب الإدارية والإستقبال، والفصول الدراسية، ومهاجع الطلاب الذين يعيشون داخل مقر الجامعة، والمطبخ وصالة الطعام، ومن وراء ذلك أراض واسعة مخصصة لتوسعات الجامعة في المراحل التالية تصل إلى 30 فدان، وجزء منها مزرعة خاصة للجامعة تنتج بعض الحبوب والخضار التى يستهلكها الطلاب، وكان الشيخ يشرح للزوار أثناء التجول داخل الحرم الجامعي الـ Campus أقسام الجامعة والمناهج الدراسية وعدد الطلاب المقيمين حاليا في الجامعة وهو نحو 60 طالب نصفهم من الصوماليين والنصف الآخر من بلدان أفريقية مختلفة مثل كينيا وأوغندا وتشاد والكونغو وتنزانيا وغيرها من الدول (ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلم يحذرون).

والحقيقة إن الجولة على الجامعة  ومبانيها وخططها المستقبلية الرامية إلى أن تكون جامعة كبيرة تضم جميع التخصصات، كانت مثار دهشة وإعجاب جميع الحاضرين في الإفطار الصباحي، وقد بسطت الموائد تحت خيمة في الهواء الطلق، وتناول الجميع طعام الإفطار، ثم جرى الحفل الخطابي حيث رحب الشيخ بالضيوف وقدم تقريرا موجزا عن الجامعة وحالتها الراهنة، وطموحاتها المستقبلية، وأخبر أن حاجتهم العاجلة بناء مبنى الفصول الجديدة، ويكلف حوالى 5ر2 مليون شلن كيني أي ما يعادل 31000 دولار أمريكي، ثم حول علي الكلام وتحدثت عن أهمية مثل هذا المشروع حيث إن التعليم هو الطريق الصحيح لتغيير الأمم، ودعوت الحاضرين إلى المشاركة في تلبية طلب الجامعة ببناء هذه الفصول كل فيما يستطيع، والحمد لله أنه كان من ضمن الحاضرين بعض التجار الموسرين من أهل الخير، وقد تم جمع ثلاثة ملايين شلن كيني خلال أقل من 10 دقائق، ما بين متبرع بنصف مليون شلن أي نحو 6000 دولار إلى متبرع بعشرة آلاف شلن أي 150 دولار. وانتهى الحفل بتوصيات وآراء قدمها عدد من الحاضرين ثم الدعاء والختام، وكان حقيقة حفلا بسيطا ولكن حصل فيه خير كثير..وهكذا تجرى الأحداث والأيام هناك من يبني وهناك من يهدم، (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ). وللإتصال بالجامعة يمكن التواصل معها بالبريد الالكتروني  Andalus University: This e-mail address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it     

هنا حي إسلي في نيروبي!

حي إسلي هو الحي الذي تقطنه الجالية الصومالية ووضعت فيه آخر ما تفتقت عنه إبداعات الصوماليين في التجارة والشطارة، فهناك الفنادق والمراكز التجارية والمحلات ذات الأحجام المتنوعة والمطاعم والأكشاك الصغيرة، والباعة المتجولين، أصحاب العربات الذين ينشرون بضائعهم في النهار ويجمعون الباقي منها في الليل، ثم يبدأون في نشرها في الصباح التالي..هنا تجد جميع أنواع التجارة الصغيرة والكبيرة، شركات الحوالة، والبنوك، والصرافين المتجولين، وتجار الجملة في الأقمشة والأطعمة والأمتعة المختلفة، تجد دلالي العقار، ودلالي الطائرات والسفريات، دلالي التهريب والترحيل وآخر الأنباء عن الخطوط الجديدة، والمسارات المكتشفة للسفر إلى أوروبا وأمريكا، قد يكون المسار الجديد عن طريق البحر أو البر أو الجو، عن طريق جنوب أفريقيا، أو ليبيا، أو البرازيل وكوبا، هنا يكتظ الشارع ويزدحم بصورة غير طبيعة بالمارة في كل الإتجاهات، ويختلط المارة بحافلات النقل الصغيرة المعروفة باسم (المتاتو) والسيارات والتكاسي وعربات الباعة والوعاظ الذين يضعون مكبرات الصوت الكبيرة على ناصية الشارع فترتج لها المباني، وقد صدعت من إحداها ولم أستطع أن أرتاح أو أنام من قوة مكبر الصوت الذي يخترق الجدران، ومنبه السيارات والحافلات لايتوقف ، أما الغبار والمياه الآسنة،المتجمعة على جنبات الطريق من بقايا الأمطار، وأكوام الطين، المتجاور مع أكوام النفايات، تحت البنايات التى شيّدت بملايين الدولارات، كل ذلك متجاور في مكان واحد،وهنا في هذا الحي الذي نقلت لك جانبا من حاله ، يتداول في الصفقات والتجارة  ومن جهة أخرى يسرك صوت الآذان الذي يجلجل في الآفاق وينبعث من مسجد أبي بكر في الشارع السادس، ومسجد الشارع الثامن، وغيرهما من المساجد، وينشرح صدرك لكثرة الجماعة في هذه المساجد، في كل الصلوات حتى في صلاة الفجر التى يقل فيها المصلون في مناطق كثيرة من العالم، وهذه بشارة طيبة.

مسجد أبي بكر.. أظنه أسس على التقوى..

وقد لفت إنتباهي في هذا المسجد المبارك كلما زرته كثرة الجماعة، حتى إنك لن تجد مكانا في الصف الأول إلا إذا بكّرت قبل ساعات من موعد الصلاة، واسترعى إنتباهي أيضا كثرة حلقات العلم في المسجد، حلقة هنا في النحو، وحلقة هناك في التجويد، وثالثة في زاوية أخرى في الفرائض، ورابعة في جانب آخر في الفقه، وهكذا تجد خمس أو ست حلقات في وقت واحد بعد صلاة الفجر، أو الظهر، أو المغرب، وهذا أمر نادر في عالم المسلمين اليوم، وهو أيضا بشارة خير، وأمر ثالث متميز لا تجده إلا نادرا في مساجد العالم الإسلامي، عدا الحرمين، وهو جلوس المصلين للذكر وتلاوة الكتاب الكريم، وهناك سنة حميدة لا تجدها في المساجد الأخرى أيضا، وهي أن شخصا محتسبا يقوم من هذه الناحية ويحمل على يديه عشرات المصاحف، ثم يمر بها بين الصفوف التى لا تزال مرصوصة كما أدت الصلاة، فيأخذ كل واحد مصحفا ليقرأ حزبه من القرآن، وهكذا تجد المسجد عامرا بعد الصلاة بتلاوة القرآن، تنبعث منه الأصوات الندية، وكأنه خلية نحل، وهذا كله بشارة خير وعلامة حسنة على أن هذا المسجد بني على إخلاص، وتقوى، وعلى منهج صحيح بإذن الله، نسأل الله أن يجزي خيرا كل من ساهم  في تأسيسه وتعميره وتشييده وتوسيعه وإدارته.

ما قصة هذا المسجد العجيب!

وهنا أود أن أذكر للتاريخ قصة تأسيس هذا المسجد، لعلها تبين للقارئ جانبا من سرّ هذه البركة، وهذا العمران، الذي يمتاز به هذا المسجد، كما رواها لي عدد من الدعاة الذين عاصروا مرحلة تأسيسه في بداية الثمانينيات. وأروى ذلك عن أكثر من شخص. وقد رويت ذلك في بعض المحاضرات ولكنها ربما تسجل كتابة لأول مرة، لقلة بل لندرة ما يكتب أو يسجل من تاريخ الدعوة ورجالها في الصومال . يقولون: كان شباب الدعوة السلفية في كينيا وفي حي إسلي بالذات في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات لا يملكون مسجدا ولا مقرا لنشر الدعوة، وكانوا يعانون من المضايقات وربما من الإعتداءات بالسلاح الأبيض إذا تجرأوا في التحدث في المساجد التى كان يسيطر عليها آنذاك الصوفية، وفي هذا الوقت الحرج جاء رجل صومالي وجيه وتاجر معروف في كل من كينيا وأوغندا إسمه الحاج أحمد شيخ ، فقد معظم ممتلكاته في الحرب الأهلية التى اندلعت في أوغندا، وجاء إلى نيروبي ومعه (150000) مائة وخمسون ألف شلن كيني،كانت مبلغا كبيرا في ذلك الوقت ،  فقال لنفسه – رحمه الله – وماذا أفعل بهذا المبلغ الزهيد وقد فقدت معظم الأموال؟ هل أشتري به بيتا؟ أو أدخل به في مشروع؟ لا..لا..قد فعلت ذلك كثيرا لو كان يبقى..سأضع هذا المبلغ في مسجد..جاء إلى حي إسلي..وجد قطعة أرض في الشارع السادس..ساوم في قيمتها ، وقفت عند مائة وخمسين ألفا، فوضع كل ما معه على الفور، اشترى الأرض، وتسلم صكها وسلمها للدعاة وقال لهم هذه هي أرض المسجد، تبرعت بها، فابحثوا عن من يتبرع بالبناء..ولكن الأرض لم تكن كافية لإقامة مسجد، فساوم الحاج أحمد – رحمه الله – صاحب القطعة المجاورة، فرفع صاحبها الثمن واتفق معه الحاج أحمد على الشراء، وجمع المبالغ الباقية من التجار المسلمين الهنود والعرب، وأنجز المهمة بنجاح وتملك القطعة الثانية.. ثم سلمها للدعاة...

قال الشيخ حسن عبدالرحمن الداعية والتاجر المعروف في جاريسا، في الحفل الذي عقد في المسجد سنة 2003 وكانت أول مناسبة علجمع تبرعات عامة تعقد في المسجد لشراء الشقق السكنية المجاورة للمسجد لتكون وقفا لهذا المسجد المبارك ، وكنا نجلس في المنصة كما أذكر كاتب هذه السطور والشيخ محمد أمل إمام المسجد والشيخ محمد قاسم نائب رئيس مجلس الإدارة، والشيخ حسن عبدالرحمن رئيس جمعية شمال شرق كينيا : سافرنا في وفد من خمسة أعضاء– بقي منهم حيا اليوم أنا وآخر – أما الآخرون فقد مضوا إلى ربهم وكان لهم دور بارز في إقامة هذا المشروع وأرجو أنهم يجدون اليوم جزاء عملهم الصالح هذا عند الله تبارك وتعالى- وصلنا إلى الكويت وعرضنا المشروع على جمعية إحياء التراث الإسلامي، وتبنى المشروع رجل من المحسنين الكويتيين، وسلم المبلغ للجمعية، إلا أن أوراق وتراخيص البناء تأخرت بعض الوقت، فتعجل الرجل وقال للجمعية، أنا أريد بناء مسجد بسرعة، فان كنتم لم تبنوا حتى الآن فحولوا المبلغ إلى إندونيسيا لبناء مسجد هناك، وتم له ما أراد، ثم حصلنا على الترخيص فراجعنا جميعة الإحياء مرة أخرى، فتبنت المشروع هذه المرة إمراة محسنة كويتية، وحول المبلغ إلى الشيخ محمد قاسم في كينيا وبدأ البناء، وتم بعد فترة وجيزة والحمدلله، وجاء وفد من جمعية الأحياء بعد فترة، وزاروا هذا المسجد، وكان معهم يا إخواني الرجل المحسن الأول الذي تبرع أول مرة ثم حول تبرعه إلى اندونيسا، ولما جاء هذا الرجل إلى المسجد، ورأى وما رأى من الخيرات التى تجرى في هذا المسجد من دروس، ومحاضرات، وقراءة القرآن، وحلقات العلم، ورأى كثرة الجماعة، لم يتمالك نفسه من البكاء بكاء شديدا، وشعر أنه استعجل وفاته شيئ كثير..كانت هذه قصة بناء هذا المسجد المبارك في بناءه الأول، وكل من ساهم في هذا المشروع سابقا ولاحقا، في قليل أو كثير، ماديا ومعنويا، فله أجره عند ربه، نسأل الله أن يجعلنا لنا نصيبا في ذلك ..

وقد كان المطلوب لمشروع الشقق السكنية الوقفية 18 مليون شلن كيني، وقد جمعنا في أول ليلة نحو عشرة مليون شلن، ولم نستطع إكمال التبرعات في تلك الليلة لكثرة المتبرعين حتى إن صلاة العشاء أجلت إلى الساعة العاشرة مساء تقريبا، ثم عدنا في الليلة الثانية، وكان الإقبال منقطع النظير، وعدنا ليلة ثالثة وكان مجموع التبرعات أكثر من عشرين مليون شلن، أي أكثر من المبلغ المطلوب لشراء الوقف الخيري للمسجد..

النماذج الصومالية الرائعة ...

وأذكر مما أذكر من تلك الليالي الثلاثة الملحمية، نماذج رائعة لا يمكن تصورها من أصالة هذا الشعب الصومالي، وهذه النماذج وغيرها ممن ألقاهم في مثل هذه المناسبات من الرجال والنساء على مدى السنوات، تجعلني مقتنعا تمام الإقتناع بمعدن هذا الشعب الأصيل، وصفاته المميزة الرائعة التى يندر وجودها في الشعوب.

أذكر شبابا كانوا يجلسون قبالة المنصة وقريبا منها يبكون وينتحبون لأنهم لا يجدون ما ينفقون، فأتذكر آية البكاءين ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون).

وأذكر شابا كان يحمل حمّالا في السوق يحمل بحبله على عاتقه، جاء في الليلة الأولى وقال عملت اليوم 3 الآف شلن وأنا أتبرع بها كلها للمسجد، وفي الليلة الثانية جاء وقال عملت اليوم 4 آلاف شلن وأتبرع بها للمسجد ، أي تفان هذا ..

وأذكر رجلا جاء الى مكتب المسجد وفي يده مائة ألف شلن، في الساعة العاشرة، ويقول لم أكن أدري عن التبرعات، ولكن اتصل بي أحد أصدقائي هاتفيا وقال لي : أين أنت يا رجل؟ قد فاتتك فرصة لا تعوض، وكنت قد آويت إلى فراشي للتو، فقمت على الفور وأنا بملابس النوم، وأخذت سيارة تاكسي وجئت مباشرة إلى المسجد بهذا التبرع!!

وأذكر شابا كان كل ما يملكه من المال 32 ألف شلن كيني، يقول شعرت بصراع داخلي بيني وبين نفسي، أقول لها لقد سمعت الآيات : (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وأنا أحب أكثر مالي لذلك أريد أن أتبرع بثلاثين ألف وأستبقي الألفين..وتقول لي نفسي : يا ظالم تريد أن تحرمنا وتقطعنا، من أين نأكل إذا تبرعت بالمال! واستمر الصراع على أشده حتى عزمت على أمري وتبرعت بالثلاثين ألفا للمسجد، يقول هذا الشاب لم يدر علي عام إلا وأنا أملك أكثر من ثلاثة ملايين شلن، ورزقني الله خيرا كثيرا...إيه..لعلي أطلت في الإستطراد وقد كنت وعدتكم أن أتحدث عن حديث الركب في هذه الرحلة، وقد ذكرت أكثر من مائة قصة من هذه القصص والنماذج في كتاب لي تحت الطبع بعنوان (عجائب الصدقات ) ..والى لقاء في الخرطوم عاصمة السودان ...

محمد إدريس أحمد

Last Updated on Tuesday, 09 November 2010 13:14