الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
الزكاة.. رؤية شرعية مقاصدية Print E-mail
مقالات - مقالات شرعية
Written by عبد الرحمن سليمان بشير   
Wednesday, 16 September 2009 23:44

 لا يشك عاقل بأن الإسلام منظومة فقهية متكاملة ، ففي الإسلام العظيم منهج عقدي شامل يتحدث بإسهاب عن الكون مبدأه ومصيره ، و عن الإنسان بدايته ومنتهاه وعن الغيب وما يتعلق به،وعن الرسل ومهامهم ، وعن عالم الجن وعلاقتهم بعالم الإنسان ، مما يخلق تصورا كاملا عن عالم القعيدة والفكر العام .

ويتناول الإسلام كذلك في نصوصه العامة والخاصة،وفي أحكامه الكلية والجزئية القضايا الأساسية الكبرى المتعلقة بديانة الإنسان ومصلحته العاجلة والآجلة كالصلاة والصيام والحج والجهاد والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها .
وهو ما يجعل الإسلام ديانة روحانية خالصة ترفع قدر الإنسان وتجعله يسمو في المدارج العالية .
ويلاحظ المفكرون والعلماء قديما وحديثا وجود مشروع اقتصادي متكامل في الإسلام،مشروع يؤدي إلى نهضة الأمة من جانب،وإلى محاربة الفقر والعوز من جانب آخر فهو منهج متعدد الأبعاد ، لا ينتهي إلى عالم الأحاديات كما أنه منهج يقوم على النصوص الشرعية،ويراعي المصالح وينظر إلى المآلات،فهو منهج إسلامي اقتصادي فريد إلا أنه غير مرئي ومرعي في العصر الحديث لأسباب كثيرة منها :
1- غياب الرؤية الإسلامية المتسمة بالشمول،والتي يحاول أهلها قراءة الموضوع بشمولية،فالنص هو الحاكم ولكن لابد من استعمال العقل الفقهي المنضبط بالشرع وبالمقاييس الفقهية المعتبرة المستمدة هي الأخرى من النص كاستعمال التفسير والتعليل ، والاستفادة من منهجية المقارنة والموازنة،والالتفات إلى قواعد البحث والترجيح .
2- غياب نظرية المقاصد عند الكثير من مسلمي العصر ، والمقاصد هي الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد في هذه الدنيا أولا ، ولمصلحتهم الآجلة في الحياة الأخروية،والمقاصد قد تكون عامة ، وقد تكون خاصة،وقد تصبح جزئية . وللأسف ولأسباب كثيرة انتشرت في الوسط الفقهي قراءات تتسم بالظاهرية والحرفية .
3- انتشار الفكر العلماني في الأوساط الفكرية والثقافية للأمة ، مما جعل بعض العقلاء والمفكرين الكبار في العالم العربي والإسلامي يتبنون المشروعين الليبرالي والاشتراكي في إخراج الأمة من الأزمة الاقتصادية ، وبالرغم من هذا بقيت الأمة في مجموعها العام متخلفة عن الركب الحضاري ، ولم تستطع أبدا أن تلحق بالأمم الأخرى التي سبقتها في كل الميادين بما في ذلك الميدان الاقتصادي .
4- الجمود الفقهي الذي ساد الساحة الإسلامية في القرون المتأخرة والذي أنتج فقها لا يستجيب لحاجات الأمة المتجددة ، بل يحاول قراءة النصوص بعين واحدة عليلة دون التفات إلى اعتبار المقاصد والمصالح العليا المتطلب استقراء الشريعة والنظر في أدلتها الكلية والجزئية .
5- البعد عن العصر وقضاياه،وعن مصالح الناس المتجددة وهمومهم،وقديما اشترط الفقهاء في المجتهد أن يكون عالما بمصالح الناس في عصره.لأن العالم إذا ابتعد عن المشاكل الناجمة في حياة الناس وعاش في برج عاج أو صومعة فكرية وفقهية منعزلة ، وتغافل عن مصالح مجتمعه وما يدور في الساحة من معارك فكرية وفقهية ، وما يجري في الواقع الاجتماعي من فقر مدقع ، ومسكنة قاتلة ، فإنه – ولو كان صاحب علم غزير- لن يكون مجتهدا إسلاميا بالمعنى الفقهي والديني العام .

لهذه الأسباب وغيرها ضاعت الزكاة كقيمة فكرية وحضارية،وكرؤية اقتصادية عظيمة وكركيزة اجتماعية في محاربة الفقر والعوز من جانب ، وكبرنامج إسلامي خالص غير قابل للترقيع – في خلق النهضة الإسلامي الخالصة .

سؤال مهم : ما موقع الزكاة من الفكر الإسلامي العام ؟

يقول صاحب لسان العرب : أصل الزكاة في اللغة : الطهارة والنماء والبركة والمدح .
وفي مصطلح أهل الفقه ، يذكر الفقيه القرضاوي بأن الزكاة تطلق على الحصة المقدرة من المال التي فرضها الله للمستحقين . كما تطلق على نفس إخراج هذه الحصة ، هذه الزكاة عند أهل الفقه . ولكن السؤال ليس موجها بالدرجة الأولى إلى الفقه ، وإنما إلى الفكر الإسلامي العام .Image


ونحن نعرف وجود مساحة خلاف ما بين الفقه والفكر ، فالفقه في مفهومه التقليدي يبحث عن الأحكام الشرعية المستمدة من الأدلة التفصيلية ، بينما الفكر الإسلامي يبحث عن الكليات الإسلامية ، وعن خصائص الإسلام ، وعن الشبهات التي تثار ضد الإسلام ، كما يبحث عن الأحكام فقها وتنزيلا ، ولذا فالبحث عن الموضوع متعلق بموقع الزكاة في المنظومة الإسلامية الحضارية . هل الزكاة عبادة محضة ؟ أم قضية مالية دنيوية ؟
إن القارئ العادي يلاحظ حين يقرأ النصوص من الكتاب والسنة وجود آيات كثيرة قد تبلغ (30) في القرآن ، وأحاديث كثيرة جدا حول الزكاة ، مما يخلق في الجو الإسلامي العام بأن الزكاة فريضة دينية محضة لا تتصل بالعمل الدنيوي ، وهذا صحيح من جانب ، إذ نجد الفقهاء يتناولون الزكاة في كتب الفقه باعتبارها العبادة الثانية في الإسلام ، والركن الثالث من الأركان الخمسة ( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) ، ولكن ومع هذا ، نجد علماء الاقتصاد في الإسلام قديما , وفقهاء الإدارة في الحضارة الإسلامية تعرضوا لوجهها الآخر المتصل بالعلاقة بالنظام العام للدولة ، ولهذا يجد الباحث موضوع الزكاة في كتاب الخراج لأبي يوسف ، وهو كتاب مالي بالدرجة الأولى كما يجد كذلك بحثا حول الزكاة في كتاب الأحكام السلطانية للماوردي الشافعي ولأبي يعلى الحنبلي ، وهما كتابان في السياسة الشرعية والفقه الدستوري مما يعطينا صورة غير معلومة للناشئة في العصر الحديث ، مضمونها :

 أن الزكاة فريضة دينية وضرورة مالية ، ولها علاقة بنيوية مع النظام الإسلامي العام الذي يرفض تقسيم الحياة إلى قسمين : قسم لله وهو ما يتصل بالعبادة وعالم الأرواح ، وقسم للدنيا وهو ما كان غير ذلك ، فهذه المثنوية مرفوضة في الإسلام وهو ما يتضح في الزكاة ، فهي كما ترون عبادة وقربى ، وضريبة دنيوية مالية ، كما أنها تمثل ركنا أساسيا في بنية الدولة الإسلامية الخالصة
( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) .

- ماذا نعني بالرؤية المقاصدية ؟ وما علاقة الزكاة بهذه الرؤية ؟

نعني بالرؤية المقاصدية قراءة مآلات الأمور ونهاياتها ، ومعرفة الأهداف العامة والخاصة من النصوص الشرعية ، وتحقيق الغايات منها ، وهذا ما يذكره علماؤنا الكبار في أبحاثهم العلمية والفقهية ، ولذا كانت الشريعة دائما تسعى إلى تحقيق المصالح الحقيقية للناس في الدنيا والآخرة ، وعند علمائنا الأجلاء كلام نفيس في الموضوع .
يقول العز بن عبد السلام : المنفعة هي اللذات وأسبابها ، والمضرة هي الآلام وأسبابها . ويقول في موقع آخر : تنقسم المصالح إلى الحسن والأحسن ، والفاضل والأفضل ، كما تنقسم المفاسد إلى القبيح والأقبح والرذيلة والأرذل ولكل واحد منهما رتب : عاليات ودانيات ومتوسطات ومتساويات وغير متساويات .
هذه الرؤية المقاصدية العامة : تحقيق الغايات العليا والحقيقية من النصوص الشرعية المحكمة.
ويذكر الفقيه القرضاوي بأن أحكام الشريعة إنما شرعت لمصالح العباد في المعاش والمعاد ، سواء كانت المصالح ضرورية أم حاجية أم تحسينية .
ويفصل العلامة ابن القيم ذلك بقوله : إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها،ورحمة كلها،وحكمة كلها .

إذا فما هي علاقة الزكاة بهذه الرؤية المقاصدية ؟ هل الزكاة تحقق غايات دنيوية فضلا عن غاياتها الأخروية ؟ وما هي هذه الغايات الدنيوية ؟

لقد حددت الآية الكريمة من سورة التوبة مصارف الزكاة في قوله تعالى : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم)التوبة60 .

ففي تأمل بسيط لهذا النص القرآني المحكم نجد أن الغاية الأسمى من الزكاة هي القضاء على الفقر وأسبابه ، وإنهاء الحاجة من المجتمع الإسلامي ليكون مجتمعا راقيا من الناحية الإنسانية ومتكافلا من الناحية الاجتماعية ، ويذهب بعض الباحثين إلى أن الهدف الأساسي من الزكاة هو إغناء الفقير ، وليس محاربة الفقر فقط ، وهو مذهب فقهي متقدم جدا ينتمي إلى مدرسة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وقد ذكر ذلك الإمام النووي في مجموعه إذ قال : يعطيان أي الفقير والمسكين ، ما يخرجها من الحاجة إلى الغنى وهو ما تحصل به الكفاية على الدوام . والاقتصاديون الحرفيون يلاحظون هنا ألفاظا علمية محكمة ثلاث :
1- الفقر والمسكنة
2- إخراج الفقير من دائرة المسكنة والفقر إلى دائرة الغنى .
3- الضابط المنهجي ما بين الدائرتين : دائرة الفقر ، ودائرة الغنى هو حصول الكفاية على الدوام .
ولأجل أن يحقق عمر هذه السياسة الرشيدة أعلن مبدأه العام في العطاء فقال : إذا أعطيتم فأغنوا . وكان عمر رضي الله عنه يقول : لأكررن عليهم الصدقة وإن راح على أحدهم مائة من الإبل .
بل وجدنا من فقهاء الإسلام من يقول : إن من افتقر من المسلمين بعد الغنى فله أن يأخذ من أموال الزكاة بقدر ما يعود به إلى مثل حاله ، ولو عشرة آلاف درهم
إلا إذا خرج عن حد الاعتدال . (انظر الإحياء للإمام الغزالي ).

ويشير النص الفقهي الأخير إلى أهمية حفاظ أفراد المجتمع من انعدام التوازن الاجتماعي فلا يهتم الإسلام بالفقير فقط ، وإنما ينظر كذلك إلى الغني حتى لا يقع في دائرة الفقر والمسكنة ، وهو ما لا يلتفت إليه في الأبحاث الفقهية والعلمية .

ودرس الفقهاء بمنهجية فقهية تتسم بالعمق الفكري والمعرفة الواقعية لاحتياجات البشر في حياتهم العامة والخاصة وقالوا : بم تتحقق الغاية العظمى من الزكاة ؟ هل في إعطاء الفقير درهما ودينارا من أموال الزكاة نحقق الهدف الأساسي من هذه الشعيرة الدينية العظيمة ؟ أم يجب أن ننظر إلى الفقير بوصفه إنسانا مكرما مستخلفا في الأرض يؤدي مهمة ولكن الفقر أقعده وأهمه ؟ ما اللائق به كذلك بوصفه مواطنا مسلما له كامل الحقوق وعليه كافة الواجبات ولكن الحاجة جعلته في بعض الأحيان يحس بأنه مجروح الكرامة والعزة ؟
يقول الفقهاء : أدنى ما يتحقق به المستوى الإنساني هو أن يتهيأ له ولعائلته الطعام والشراب الملائمان للحياة الإنسانية الكريمة ، وكسوة للفصول وخاصة للشتاء والصيف ، ومسكن يليق بحاله . النووي في المجموع . ابن حزم في المحلى .

إذًا نحن أمام مشروع حضاري متكامل ينبني على العقيدة التي تعلم الناس أنهم سواء أمام الله وأمام القانون،وأن الإنسان كائن مكرم من الله تعالى، وأن المال في الأصل لله تبارك وتعالى،والإنسان مستخلف فيه يجب عليه أن يؤدي حق الله ،ومن الحق الزكاة التي فرضها الله على الأغنياء تؤخذ منهم لترد على الفقراء،وبهذه الرؤية استطاع المسلمون في التاريخ محو الفقر من العالم الإسلامي كسياسة متبعة من الدولة والأمة معا، ولكن بعد أن ترك المسلمون مشروعهم الحضاري ، ووقعوا في الشرك السياسي، ووهموا بأن العلمانية أفضل من الإسلام عادوا إلى الفقر مرة أخرى ، ولا يقيهم هذا الشر المستطير إلا إذا عادوا إلى الإسلام ، المنهج الإلهي الخالد .
( صبغة الله ومن أحسن ن الله صبغة )

المراجع

1- المجموع للنووي
2- المحلى لابن حزم
3- قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام
4- السياسة الشرعية لابن تيمية
5- الإحياء للغزالي
6- الأحكام السلطانية للماوردي
7- الأحكام السلطانية لأبي يعلى
8- فقه الزكاة / يوسف القرضاوي
9- نظرية المقاصد للريسوني
10- الإسلام بين الشرق والغرب / علي بيجوفيتش

إعداد / الشيخ / عبد الرحمن سليمان بشير.


*  باحث وداعية من جيبوتي

تعليقات حول الموضوع

Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى