الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
نبذة تاريخية من التنشئة الاجتماعية المعاصرة فى بلاد النرويج Print E-mail
مقالات - مقالات سياسية
Written by أحمد عثمان محمد   
Wednesday, 03 March 2010 16:06

 هل نحن فى حاجة إلى الطفل أم أن الطفل هو ألذى فى حاجة إلينا؟

عملية التنشئة الإجتماعية وأهدافها عند الاسرة فى المجتمع النرويجى شبيهة بطبيعة الحال لعمليات التنشئة ألإجتماعية فى المجتمعات المجاورة لها مثل المجتمع الفنلندي والسويدى وغيرهما إلا أنها تختلف بعض الشىءعن التنشئة ألاجتماعية فى شرق أوربا وجنوبها لآسباب جغرافية، تا ريخية واجتماعية لايسع المقال أن نتطرق لها فى هذه العجيلة. كما أن التنشئة ألاجتماعية أهدافها فى النرويج تختلف إختلافا واضحا وإن لم يكن جذريا عن التنشئة الإجتماعية فى المجتمعات المسلمة وغير المسلمة فيما يعرف حاليا بدول الجنوب الفقير.

ونستطيع أن نقول بشئ من التبسيط إن التاريخ لبداية بروز هذا التحول يرتبط بتحول المجتمع النرويجى تدريجيا من مجتمع ريفى إقطاعى فقير إلى مجتمع معلوماتى حديث وغنى .وبما أن عمر المجتمع النرويج المعاصر لا يزيد عن المائة عام إلا قليلا ( إستقلت عام 1905 ) فإن ألتاريخ المعاصر لهذا المجتمع يرتبط بتاريخ حزب ألعمل النرويجي ألذى سيطر على الحكم لفترات طويلة جدا دون منازع.

وفى ظل هذا الحزب نشأت وترعرت حركات عمالية وإتحادات وروابط مهنية ذات ميول إشتراكية. هذه الحركات والروابط والاتحادات المهنية تحالفت بالضرورة مع حزب العمال ألحاكم للدفاع عن حقوق ومصالح الطبقة الكادحة وكذلك مكتسبات الشرئح الضعيفة فى المجتمع.

أدى هذا التحالف بمرور الوقت إلى تحسن بيئة العمل أولا ثم إلى إرتفاع دخل العامل من عرق جبينه واطمئنانه على مصدر رزقه. كما قنن المشرع فى نفس الفترة وبالتدريج مجموعة من القوانين ألتى تصب فى صالح الجميع مثل إلزامية التعليم فى المرحلة ألإبتدائية والإعدادية وكذلك مجانية التعليم فى المراحل المتبقية. تفعيل هذه القوانين وتنفيذها على أرض الواقع نتج عنه ما يعرف اليوم فى النرويج ( بالانفجار المعرفى) وهذا يعنى بكلمات بسيطة ارتفاع المستوى المعرفى والثقافى للفرد وانحسار الجهل ورافده مثل الاتكالية والتفكير الدينى
 

ومع هذا انفجار المعرفى، ورسوخ قيم العدالة الإجتماعية، ومساواة الرجل والمرأة فى الحقوق والواجبات ومساواة الجميع أمام القانون وإرتفاع دخل الفرد تغيرت نظرة المجتمع إلى الطفل وبالتالى تغيرت القيم الاجتماعية التى تحاول الاسرة والمجتمع غرسها وتثبيتها فى نفسية الطفل من خلال عملية التنشئة ألاجتماعية.
 بمرور الزمن، وبإستقرار ألاوضاع على ما هى عليه الأن لفترة طويلة أصبحت حياة الفرد مؤمنة تماما من الفقر والمرض وبالتالى إطمئان الناس على مستقبلهم عند الكبر او العجز واصبحوا يتساءلون سؤالا فلسفيا فحواه ( هل نحن فى حاجة إلى الطفل أم أن الطفل فى حاجة إلينا؟). 
 

الإجابة على هذا السؤال عند الفرد اليوم هى : " أنا لست فى حاجة إلى الطفل وإنما الطفل هو الذى فى حاجة لى" وإذا سألته مستغـربا على إجابته : " ما الداعى إذاً لإنجابك للأطفال ؟" يكون رده عليك كالتالى :

" ألإنجاب غريزة بيولوجية يمكن التحكم فيها، ونحن ننجب لإشباع غريزة الامومة والابوة لدينا لا أكثر ولذلك لا ننجب أكثر من ما نستطيع مساعدته.

فإذا كنا لا نستطيع مساعدة أكثر من طفل واحد لا ننجب أكثر من طفل واحد. وإذا كنا لا نستطيع مساعدة أكثر من طفلين لا ننجب أكثر من ذلك. الطفل فى أوربا هذه ألايام يحتاج إلى مساعدة مستمرة من والديه لمدة قد تتجاوز العشرون عاما ولا يمكن للاسرة متوسطة الـدخل مساعدة أكثر من طفلين لهذه المدة الطويلة. ثم إننا قبل كل شيء لانحتاج إلى يد العون منهم ولا نخطط او نطمع بمشاركتهم على دخلهم من العمل أو غيره عند الكبر أو العجز لآن حياتنا مؤمنة تماما عند الكبر أو العجز والمرض كما هى مؤمنة عند الصحة والقدرة على العمل والكسب."
 

الدرس المستفاد من الحوار المذكور أعلاه هو: أن إنجاب الطفل عند الاسرة النرويجية هى غاية فى حد ذاتها وليس وسيلة لتحقيق غايات أخرى.
 وعلى عكس ما هو الحال عليه فى المجتمع النرويجى تميل الاسر فى مجتمعات الجنوب الفقير إلى إنجاب أكبر قدر ممكن من الاطفال لدافع أنانى بحت ألا وهو الاستعانة بهم لتأمين حياة أفضل للوالدين وألقرباء عند الكبر او العجز والمرض.
 

وبكلمات أخرى: إنجاب الطفل عند مجتمعات الجنوب الفقير ليس غاية فى حد ذاته وإنما وسيلة لتحقيق غاية أو غايات أخرى.
ولإختلاف الغاية من إنجاب الطفل فى المجتمع النرويجى عنه فى مجتمعات الجنوب تختلف أيضا إختلافا جوهريا أهداف عملية التنشئة الإجتماعية وكذلك ألاساليب والوسائل المتبعة لتحقيق ذلك فى كل من المجتمع النرويجى ومجتمعات الجنوب.
 

فطاعة الوالدين والعمل على إرضائهما والقيام برفاهيتهما آناء الليل وأطراف النهار هى القيمة رقم واحد والسابقة لكل القيم الأخرى والتى يجب ان تغرس وتثبت فى نفس الطفل منذ نعومت أظافره فى مجتمعات الجنوب. كما يعيبر الضرب والنهر والتخويف والتهديد وسائل مشروعة وفعالة لترويض الطفل على طاعة الوالدين وكبار السن فى المجمتع وإجباره على فعل ما يريد الوالدان أن يفعل وأن ينتهى ما يريد الوالدان أن ينتهى عنه.
 

طاعة الوالدين كقيمة إجتماعية تعتبر حميدة فى المجتمع النرويجى أيضا إلا أنها تلعب دورُ ثانوىا جداً فى عملية التنشئة الإجتماعية عند الاسرة النرويجية. بل يمكن القول بكل بساطة إن الاسرة النرويجية تنفر يماما من تنشئة طفل مطيع وخنوع، يقول نعم سيدى عندما يود من قرارة نفسه أن يقول لا.
 

ما تود الاسرة النرويجية تنشئته هو طفل مستقل، يتخذ القرارات التى تصب فى صالحه شخصيا ويعتمد على ذاته فى تنفيذها. أى الاستقلالية قبل كل شىء ثم الاعتماد على النفس بالدرجة ألاولى.

 وإذا كان الضرب والنهر والتخويف والتهديد( العنف الجسدى والعنف النفسى ) وسائل مشروعة لترويض الطفل وتنشئته في مجتمعات الجنوب فإن المشرع النرويجى يحرم استخدام العنف الجسدى والنفسى ضد ألاطفال فى من قبل أولياء الامور فى البيت وكذلك المؤسسات المعنية بالتربية كرياض الاطفال والمدارس والاندية الرياضية للأطفال وغيرهم.

 ولدى المجتمع النرويجى مؤسسة رقابية تسمى بجهاز حماية الطفل. تقع على عاتق هذا الجهاز مسئولية حماية الطفل من العنف الجسدى والنفسى من قبل اقرباء وغيرهم وكذلك إرشاد الوالدين وتثقيفهم فيما يتعلق بالعقد والأمراض النفسية الناتجة عن إستخدام العنف ضد الطفل. كما أن من واجب هذه الموسسة إحتضان أى طفل أذا ما برهنت فعليا على أن أسرة هذا الطفل غير قادرة على رعاية وحمايته والحفاظ على حقوقه حسب المعايير المتبعة فى المجتمع. وينظر إلى العاملين فى السلك التربوى على أنهم مساعدون أكفاء لهذا الجهاز كما تقع على عاتقهم الإبلاغ عن أى طفل قد يشتبهون فى أنه يتعرض للعنف فى المنزل أو فى الموسسات التربوية.

 وتعود أحقية الطفل حسب المشرع النرويجى إلى والديه بنسبة مائة% ولهم حق تنشئته وغرس قيمهم ومعتقداتهم فى نفسه منذ نعومة أظافره إلا أن هذا المشرع نفسه ينظر إلى الطفل على أنه عضو كامل العضوية فى المجتمع ومن حق المجتمع على ألاسرة أن تربى هذا العضو الجديد ( الطفل) بحيث يكون عند بلوغه السن القانونى شخصاً مفيدا لنفسه وبالتالى المجتمع.
 

كما يجدر التنويه هنا إلى أن الحكومة النرويجية تتمثل كلياً لتنفيذ كل ما جاء فى الإعلان العالمى لحقوق الطفل وتعتبر نصوص هذا الإعلان جزءٌ من القوانين الفاعلة فى بلادها.
 

ومن المفيد أن نذكر أن المهاجرين الجدد من مجتمعات الجنوب يصطدمون أحيانا بجهاز حماية الطفل عند ضرب أولادهم أو عقابهم جسديا. كما أن هناك الكثير ممن يعتقد أن الطفل هو سيد الاسرة وأن على الوالدين طاعته وتنفيذ أوامرهه. إلا أن الحقيقة هى على عكس ذلك تماما. فالطفل النرويجى يتمتع فى الواقع بحيز ضيق جداً من الحرية فى البيت، ويقوم والداه بإتخاذ كل قراراته بالنيابة عنه، إلا أنه يسعى تدريجياً لنيل المزيد من الحرية فى اتخاذ قراراته بنفسه كلما كبر وتقدم به العمر.

لمزيد من التواصل إتصل بـ This e-mail address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it
 
  فنسنس / النرويج
 03/03/2010

تعليقات حول الموضوع

Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى