الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
الثقة المتبادلة عماد الدولة فى المجتمع النرويجى Print E-mail
مقالات - مقالات سياسية
Written by احمد عثمان محمد   
Sunday, 28 February 2010 17:07

يتعلم الاجيؤن وألمهاجرون الجدد فى مدارس تعليم الكبار فى النرويج ، والتى تخصص عادة لمساعدتهم على تعلم اللغة النرويجية وتلقى معلومات أولية عن الحياة فى المجتمع النرويجى أن النظام في هذا المجتمع يقوم على أساس بسيط للغاية يسمى ( الثقة المتبادلة).

والثقة المتبادلة هنا تعنى بكلمات بسيطة أن ( الفرد) أى المواطن النرويجي يثق تماما في الحكومة القائمة فى بلاده، بصرف النظر عن الميول السياسة للحزب أو الاحزاب التى شكلت هذه الحكومة.

كما ينظر لحكومته على أنها تعمل لصالحه قبل كل شى، وعلى أنها صادقة أيضا في كل أقوالها واعمالها.

وفى المقابل تنظر ( ألحكومة) إلى ألفرد على أنه مواطن صالح وعلى أنه صادق فى أقوله وافعاله ويقوم بجميع الواجبات الملقات على عاتقه على نحو أمثل. هذه الثقة المتبادلة تفجر طاقات إيجابية و بنائة تعود بالنفع على الفرد، والمجتمع، والحكومة بحد سواء.

فالفرد (المواطن) فى المجتمع النرويجى يحس بالأمن، ويشعر بأن الحكومة ما هى إلا جهاز طيع يمكن تشغيله لصالحه للحصول علي مستحقاته ، إشباع رغباته التى ينص عليها القانون على الفور وبأقصر الطرق.

هذه الثقة المتبادلة تقوى الطرفين وتجعلهم يشعران وكأنهما لاعبين فى فريق واحد، وعليهم أن يلعبوا بروح الفريق لكي ينتصروا معا على الفرق المنافسة ويتذوقوا معا طعم الآنتصار والمجد.

هذه الثقة المتبادلة بين الفرد وحكومته واللعب معا بروح الفريق أنقذت ألامة النرويجية من ويلات أزمات إقتصادية وإجتماعية خطيرة عانى منها العالم فى الماضى، كما ساعدتها فى الإنفلات من الأزمة المالية والاقتصادية المعاصرة والتى تعانى منها أمريكا ( أكبر إقتصاد في العالم ) ومن ورائها دول غرب أوروبا وبقية العالم.

بل أن هذه الثقة المتبادلة بين الفرد النرويجى وحكومته جعلت النرويج تتربع بعرش أحسن دولة تطيب فيها الحياة للإنسان على وجه ألارض لمدة خمس سنوات متتالية على حسب تصنيفات ألامم المتحدة لجودة الحياة في دول العالم.

ألامر يختلف تماما عندما نسافر جنوبا ونصل إلى ما يسمى بالعالم وأسلامى، والعالم العربى وإفريقا أو ما يسمى عامة بدول الجنوب الفقير والذى يشمل فيما بشمل شعوب قارة أمريكا ألجنوبية.

هنا تكون القصة معكوسة تماما، والأمور مقلوبة رأس على عقب. فثقة المواطن الفرد بالحكومة ينظر إليها على أنها نوع من الهوس، وثقة الحكومة بالمواطن ( الذى من المفترض أنها تمثله وتسعى لرفاهيته ) ضرب من الجنون.

فالحكومة فى لاشعور (ألعقل الباطن) المواطن فى هذه المجتمعات هى ذلك الشيطان الرجيم الموسوس فى صدور الناس والمتسلط على رقابهم والذى يجب الإستعاذة منه، والنفورعنه، ومناؤته على قدر الطاقة.

الحكومة، فى نظر المواطن فى هذه البلاد هى ذلك المارد الجبان، الفاقد للشرعية، والمغتصب للسلطة، الذى يتجسس عليهم فى خدورهم، ويسعى إلى إفقارهم، وتجهيلهم، وتهميشهم، بل وتهجيرعلمائهم ومثقفيهم، والمستنيرين منهم حتى تدوم له السلطة إلى أبد ألابدين. وبكلمات اخرى الحكومة هى ذلك العدو الذى يجب محاربة والإنتصارعنه والقضاء عليه.

أما الحكومة فتنظر الى المواطن ( الذى من المفترض أنها تمثله وتسهر على رفاهيته) على انه كائن همجى قدم على غفلة من التاريخ من أحد الكواكب المجاورة وإستوطن كرها أراضى دولتها. كائن همجي ليس على صلة بالحكومة من قريب أو بعيد. خائن يخطط للإنقاض عليها وديوث يستقوى بالعدو للفتك بها.

هنا يكون الشك المتبادل بين المواطن وحكومته هو سيد الموقف وبديلا للثقة المتبادلة. وكما تنتج الثقة المتبادلة بين المواطن النرويجى وحكومة طاقات إيجابية تعود على الفرد والمجتمع والحكومة بالخير والنماء، ينتج الشك المتبادل بين المواطن الفرد وحكومته فى عالمنا ( العالم الثالث) طاقات سلبية تدميرية قوامها الشعور بالظلم، والمهانة، والياس، تأتى رويدا على كل أخضر ويابس.

الحكومة هنا تتحول إلى جلاد سادى وجبان، فاقد للشريعة، ويتلذذ برؤية السوط يأكل فى ظهر المواطن. جلاد جبان يزرع الخوف والرعب فى نفس المواطن، يجعل الكره بديل للمحبة، والشك بديل للثقة، والجهل بديل للعلم، والفقر والمرض بديلان للغنى والرفاهية. جلاد جبان يفرق ليسود ويتحكم ويقرر من يبقى على قيد الحياة ومن يذهب إلى الجحيم.

أما المواطن الفرد فيكون هنا سلبيا، متقوقعا فى نفسه، بل ومتخندقا، يحارب من أجل الحفاظ على رمق العيش، من أجل البقاء على قيد الحياة. لا ينتظر من حكومته إلا الشر وينظرإلى اليوم على انه ليل طويل وإلى الغد على أنه يوم مشئوم.

أين المخرج أو بمعني أصح أين المفر؟

لقد كتب المفكر السوري عبد الرحمن الكواكبي منذ مائة عام كتابه الخفيف الوزن العظيم الفائدة "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" للتنبيه على أن لا أمل في الصمود لمن يعيشون في القيود، وأوضح الكواكبي في مقدمة الكتاب مراده من تأليفه فقال: "إنما أردت بذلك تنبيه الغافلين لمورد الداء الدفين، حتى يعرف الشرقيون أنهم هم المتسببون لما هم فيه، فلا يعتبون على الأغيار ولا على الأقدار" (طبائع الاستبداد ص 25). فهل نحتاج إلى أكثر من مائة عام لاستيعاب درس على هذا القدر من البداهة والوضوح؟

المراجع: تم إقتباس الخمس أسطر الخيرة من مقال لمحمد بن ألمختار الشنقيطى على موقع الجزيرة نت وبعنوان حرب العراق.. دروس للزمن الأتى. بتاريخ 2004/10/03

احمد عثمان محمد
قنسنس/ النرويج

تعليقات حول الموضوع

Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى