الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
الإسلاميون في الصومال جزء من الأزمة Print E-mail
مقالات - مقالات سياسية
Written by محمد عمر أحمد   
Wednesday, 05 December 2007 00:30

      إذاكان قدر الصومال أن يعاني من مشكلة الصراع القبلي متجسَّدا في الصراع السياسي والاقتصادي ، وعانى كذلك من مشكلة أمراء الحرب اللذين اتخذوا القضية الصومالية رهينة في أيديهم زمنا طويلا ، وتضرَّر-أيضا- من مشكلة دول الجوار التي تتوجَّس خطرا من استقرار الصومال فهل سيؤدي صعود الإسلاميين إلى واجهة الأحداث الى حلِّ المشكلات التي يواجهها أم أن الصومال سيكون عليه مواجهة سلسلة جديدة من المشكلات والأزمات والتدخلات ..وربما المؤامرات ؟؟

يخطئ من يتصوَّر أنَّ أحداً يمتلك علاجا سحريا أو مفاتيح عجيبة لأزمة في غاية التعقيد ذات أبعاد اجتماعية وسياسية واقتصادية تتشابك خيوطها ، وتتقاطع خارجيا والتعامل معها بحاجة إلى استيعاب شامل لمتطلبات الموقف، وتحديات المرحلة .

كان ظهور الإسلاميين في الساحة الصومالية كقوة سياسية مؤثرة خلال النصف الثاني من عام 2006 بعد فرض سيطرتهم على العاصمة وتطهيرها من أمراء الحرب المفسدين ؛ مما شكَّل بارقة أمل لدى قطاع كبير من الشعب الصومالي ، الذي تصوَّر (أنَّ رجال المحاكم ما هم إلا صفوة مختارة بعثها الله لتكون يدا حانية تمسح عنهم عناء السنين، وتضمد الجراح الغائرة التي حفرتها ويلات الحروب، وأنهم حراس هوية البلاد ، وأصحاب مبادئ سامية وبمنأى عن أمراض اجتماعية قاتلة كالقبلية ،لكن قوى الكفر تتربص بهم ولا تترك لهم المجال لتحقيق إنجازاتهم وإصلاحاتهم البنائية) نعم ، تلك كانت صورة رومانسية في مخيلة بعض أبناء الشعب الصومالي ، وشكرا لشعبنا الطيب في إحسان الظن بالإسلام وقياداته فإنَّ هذا ما ينبغي أن يكون عليه الإسلاميون ولكنه لا يعكس الواقع الحقيقي ، لأن ثمة حقائق غابت عن المبتهجين وهي أنَّه بغضِّ النظر عن حسن نية الإسلاميين فهل هم في مستوى يؤتمنون عليه بالانفراد على تسيير شئون البلاد ؟ وهل أعدوا العدة لتحمل مثل هذه المسئولية الجسيمة ؟.

 ***                   ***                    ****

وحتى لا نقع في سوء الفهم يجب أن أعلن بداية أنه يجب التفريق بين الإسلام كمنهج رباني شامل لجوانب الحياة يلزم المسلمين كافة وبين التجارب البشرية ، والممارسات القطرية ، وتعدد الظروف والبيئات في البلدان الإسلامية ، والخطأ يكون فاحشا حين نخلط بين الأمرين.فهذه الممارسات تتعرض للنقد بقدر ما فيه من نقص بشري يكتنفها أو يصاحبها وإن أخطر ما يواجهه الإسلاميون هو القصور في فهم الإسلام نفسه ، وتطبيقه على المجتمع، والقصور في فهم الواقع والسنن الحاكمة .. وقديما قال الإمام أحمد –رضي الله عنه - : " أكثر ما يخطئ الناس في التأويل والقياس " .

 أي من جهة تفسير النصوص وتنزيلها على الواقع .وقد يتعجب كثيرون لهذا النقد، ويحسبونه ضربا من المبالغة ،ولكن هل نسينا أن أخطاء الإسلاميين تراكمت ؛ فجماعة " الاتحاد الإسلامي " ( الاعتصام حاليا )والتي تمثل أحد المكونات الأساسية للإسلاميين الداعين إلى الحرب ارتكبت أخطاء قاتلة في مناطق الشرق من الصومال ، حين دفعت نفسها في صراع لا مبرر له ضد الشعب .. وزعماء جماعة " الاتحاد الإسلامي " خير من يعترف حقيقة أن الحرب كانت خطأ جسيما نبع من سوء الفهم لنصوص الإسلام،  ومن التأويلات الخاطئة لبعض معطيات الواقع ، ومن سوء الفهم للأوضاع السياسية وموازين القوى في الداخل والخارج .

***             ***                         ***

أكثر ما يخطئ الإسلاميون حين يضفون العصمة على مشروعهم السياسي ويعتبرون كل من انتقدهم أو انتقد سياساتهم التي  تكون أحيانا كثيرة فجة (غير ناضجة) "منافقا" أو"كافرا" أو"عميلا" وقل ما شئت من " الألقاب الخطيرة " والتي يتم فيها تصنيف النَّاس في خانتين خانة الأولياء المشايعين وخانة العملاء المأجورين أوالمنافقين ...إن الابتعاد عن لغة ( التجريم) و( التخوين ) ، والتعامل مع آراء الآخرين على أنها وجهات نظر قد تكون خطأ صِرفا ،وقد يكون فيها قدر من الصواب ،والاستعداد الدائم للاقتناع والتفاهم خلق حضاري رفيع ، وهو بوابة أساسية إلى حل الخلافات .

****                    ***                           ****

أثناء المؤتمرات في الخرطوم كان الإسلاميون غير صادقين ..ولم يظهروا الحرص الكافي لإنجاح المفاوضات  بالرغم مما كان يمكن أن تسفر عنه من نتائج هامَّة على صعيد تحقيق السلام ، وتفويت الفرصة على إثيوبيا المتربصة وقد اعترف بذلك رئيس شورى المحاكم السابق الذي قال في حوار له مع إذاعة صوت أمريكا أنهم كانوا يعتقدون استحالة التوصل إلى اتفاق مع الحكومة ، وأن الغرض كان لإبعاد التهمة عن أنفسهم ، وإرضاء الرأي العام والدولة الراعية(السودان) ،مما يدل على عدم الاستعداد للتنازل عن بعض السياسات لأن أقصى ما يتصور من الطرف الآخر ( الحكومة)أنه سيشترط شروطا يكون بعضها مقبولا إلا أن المشكلة تمثلت في الأغلبية من الإسلاميين التي كانت ترى أن تقديم التنازلات أو حتى الجلوس مع عناصر يعتبرونهم " كفرة " أو " مجرمين " أو " عملاء " أمر خطير .. وقد قال بعض المشاركين في جولات المفاوضات أنه تلقى تهديدا من بعض قادة الإسلاميين الذين كانوا يعارضون المفاوضات مع الحكومة أصلا.

****                       ***                      ****

ضعف الوعي السياسي قاد الإسلاميين إلى التساهل في تقدير ضخامة مهمة قيادة الأمة،وعدم الاستشعار للمخاطر المحفوفة في التصدي لمسألة الدولة والنظام السياسي دون امتلاك الأدوات اللازمة في بلد تتحكم فيها القبلية والجهل،وتنعدم فيه التنمية والتعليم وتكثر عليه المؤامرات الخارجية ، وقد نجم عن هذا التساهل الاستخفاف بدور السياسيين الذين لهم حضور فعلي في الساحة، ويتمتعون بتأييد قبائلهم محاولين إلغاء دورهم بحجة أنهم " عملاء " أو " أشرار" وحاكموهم على أخطائهم السابقة في إفشال المؤتمرات والمشاركة في الحروب الأهلية       

 ****                ***                        ****

الفخ الآخر الذي وقع فيه الإسلاميون هو استخفافهم بالقوى الإقليمية كإثيوبيا التي كانت مترقبة ومراقبة على الأراضي الصومالية ، ومتأهبة للتدخل في أي وقت ،وترى أن نشوء قوة إسلامية يجعلها أمام مخاوف جدية ..فما بالك إذا بدر من تلك القوة ( الإسلاميين )بوادر التحرش لإثيوبيا بدعم معارضيها وجعل الصومال منطلقا لهم، وهذا ما حدث في عهد المحاكم الإسلامية ..

إثيوبيا كانت وما زالت أكثر الدول اهتماما لما يجري في الصومال وكانت تعمل 16 عاما مضت لترتيب البيت الصومالي من الداخل وفق مصالحها مستغلة التناقضات القبليَّة والمصلحية، ولم تكف يدها الاخطبوطية عن الصومال ، وقد سبق لها أن دفعت دباباتها داخل الصومال في منطقة " جدو " عام 1996م  واستخدمت القوة الساحقة ضد مقاتلين من جماعة " الاتحاد الإسلامي " ، ولم يمنعها الخوف من الانتقاد الذي قد تتعرض له دوليا .. وكان ينبغي أن يعي الإسلاميون تلك  الدروس من التاريخ القريب ويعلموا أن الخطوات غير المتزنة والتصريحات العنترية ،والحماسة الجوفاء تعطي للعدو ذريعة مباشرة للهجوم على البلاد. 

****                   ****                 *****

والآن أكبر خطأ ما زال يصر عليه الإسلاميون هو الإصرار في هدم الحكومة الانتقالية بمؤسساتها القائمة مع عدم امتلاك بديل فعليّ على أرض الواقع اللهمَّ إلا الحلم الجميل في مخيلتهم ، وكأنهم بهذا لا يفكرون في عواقب الفوضى والاقتتال الداخلي الذي يخشى أن ينشب عند وجود أول فراغ .وتبدو المشكلة الأعمق ، والأكثر خطورة تعدد فصائلهم واختلافاتهم ونشوء كيانات مسلَّحة بينهم تستقي أفكارها من خارج الحدود ، وترتبط بعلاقات مع تنظيمات دولية لا يعنيها التوافق الداخلي ولا تعير اهتماما لتحقيق المصالحة الداخلية والتنمية وإقامة حكم يعيد إلى البلاد الاستقرار بقدر ما يعنيها مشروعها القائم على المغامرة التي تسمى ظلما ( جهادا ) وتزداد المشكلة كلما كان هؤلاء قوَّة لا تقدر على حسم الأمور لصالحها بل تقدر فقط على وضع العراقيل أمام أي مشروع لا ترتضيه ، وهذا بالفعل سيكون مشكلة ستضاف إلى قائمة المشكلات الكثيرة التي تنتظر الحل في الصومال .إن الأمور ليست بالبساطة التي يتصورها الإسلاميون ، أو يريدون أن يصوروها لللآخرين .. فالمشاكل الاقتصادية أعمق جذورا، والارتباطات الخارجية أكثر تعقيدا ، وهي أكبر من أن ينفرد به جزء صغير من المجتمع .

          *****                 *****                   *****

لقد ذهبت الحرب بالكثير الكثير ...ومن حقنا أن نتساءل كثيرا كيف يفكر الإسلاميون في الصومال ؟ وكيف يتخدون قراراتهم المصيرية لمستقبل الأمة والبلاد .. والذي يبدو أنه ليست هناك رؤية ترتفع إلى مستوى الأفق المستقبلي للبلاد وهو أمر يتطلب التفكير الواقعي والصبر البعيد عن المغالاة ..


فالإسلاميون مصممون على معارضة الحكومة الانتقالية التي تتحالف مع إثيوبيا ..وليس فيها ذلك مشكلة ولكنَّ المشكلة تتمثَّل في أنَّ معارضتهم ليست وسيلة للضغط وإجبار الطرف الآخر لقبول المفاوضات وإبداء المرونة والتنازل للصالح العام ثم يتفرغون لمهمة التغيير المتأني الذي ينتقل بالمجتمع عبر نقلات تبدأ بالإعداد الفكري والعلمي ثم الاقتصادي وخاصَّة بعد أن عاين الإسلاميون طرفا من المسئولية الضخمة التي في انتظارهم.

إنها أزمة العقل والتفكير !

محمد عمر أحمد ..كاتب صومالي 

تعليقات حول الموضوع

Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى