الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
الصومال وظاهرة الاستقواء بالكلام Print E-mail
مقالات - مقالات سياسية
Written by حسن هاشم عبدالله   
Wednesday, 10 February 2010 10:28

غالبا ما تسود ظاهرة الاستقواء بالكلام فى الأمم والشعوب عند سيادة زمن عجز العقل الطبيغي والمكتسب، وغياب التفكيرالمنهجي والمنتظم، وطغيان حكم النظم الأوتوقراطية والشمولية ، وفي فترة حكم الجبهات والتنظيمات المسلحة ذات الطبيعة الانتهازية من جهة والمتخذة للسلاح والمصالح الآنية وحدهما حَكما فاصلا فى العلاقة مع غيرها من جهة أخرى، كما تسود تلك الظاهرة من الجانب ألآخر في الدول والأمم عند سيادة الانحسار الحضاري والانكسار المعنوي، بالإضافة إلى شيوع مظاهراللافاعلية وضآلة الإنتاج العلمي والمعرفي، وعربدة معايير الاصطفاء والاختيار، وسيادة ثقافة النفاق السياسي والخداع والمكر أوما يسمى بالديماغوغية، سواء كان ذلك يتم على مستوى الأفراد والتجمعات أوعلى مستوى الدول، ومن ثم تلجأ تلك المنظومات ذات الطابع الاجتماعي الاستقواء با لكلام كخيار أخير لابديل أو لامندوحة عنه في تمسكه وتبنيه، أو بمعنى أدق تشبثه والتزامه، وبالتالي القيام بتكريره وإعادة عرضه بصورة لاتخلو من البلاهة وتسفيه المستمِع والمشاهد وتقليل شأنه وحجمه الطبيعي .

وتتم سيادة تلك الظاهرة غير البنائية والسلبية على الأمم والشعوب التي ورثت الحكم الانفرادي والأجنبي، وعاشت تحت معاناته فترة زمنية كافية لتشكيل أومسح عقلية عمر جيل من الفئة المتعلمة والقيادة السياسية والتنشأة الاجتماعية، وترتبط بالكلام والكلمة أكثر من ارتباطها بالنصوص ذات المصادرالسماوية، أوالمواد القانونية المحددة في العلاقة بين الأفراد والجماعات، والموضحة في مختلف دساتير الأمم والدول، بالإضافة إلى الأمم الفقيرة والجاهلة في غالبيتها ، ويكثر فيها الفساد السياسي، وتقل فيها مراعاة أسس العدالة الاجتماعية ومبادئها، أو ما يسمي بالعالم الثالث الأقل نموا- حسب التعبير الأمريكي المهذب- لتكون بذلك، ظاهرة الاستقواء بالكلام كجزء من ظاهرة شاملة ومتسعة الأبعاد تتضمن الفساد في الكلمة والضمير والتدين، وربما في الثقافة والسلوك أيضا، وبالتالي تدخل الأمم والشعوب في دوامة من اللامبالاة عن ما يقال، و يدلى، ويكتب، وينشر عنها، في وسط بيئة هي ذاتها لاتبالي بما يقال عنها وما تقول قياداتها في المجالات المختلفة لتولد بذلك حالة من التكذيب المتبادل وغياب وجود حفظ بناء المصداقية الضرورية واللازمة فيما ينبغي أن تكون العلاقة الدائمة بين الشاهد والمتفرج وبين المشهود واللاعب السياسي و بين المسمِع والمستمِع وبين القيادة والقاعدة مع الملاحظة بأن زيادة انتشار الظاهرة وقلتها متأثرة إن لم تكن مرتبطة إلى حد بعيد بمدى ومستويات درجات الفقر والجهل والفساد والسلوك في الأمم والدول.

ويقصد بالاستقواء حبك مجموعة من الكلمات والعبارات اللغوية غيرالمنطلقة من النوايا الصادقة، ومن الضميرغير المؤنب ومن الوعي غير المكتمل والناضج بصياغة منمقة وجذابة، والتي يمكن أن تتم عن طريق التفوه أوالكتابة ،ومن ثم ترزيتها وإعدادها بطريقة تجعل المواطن غير الواعي المهموم والهائم على وجهه يهتم بإصغائها وترديد عباراتها ، ويعتبر أنها متوافقة مع مشاعره وعواطفه الوجدانية ، وتمس على تطلعاته الدينية والقومية فضلا عن آماله الواسعة في الحياة ، ويريد القائل من خلالها إحداث جعجعة من الأصوات والحراكات السياسية والصورية عديمة الصدى، وذلك بهدف امتصاص معاناة المستمع فقط وملء مسامعه وتهييج مشاعره وإثارة عواطفه وذر الرماد في عيونه وشد الانتباه نحوه، واستخفاف عقله، وتهدئة خواطره والصرف عن قضاياه وأولوياته في الحياة من غير إعطاء أي اهتمام لترجمة مضمون الكلام إلى حقائق أوخطوات أوأفعال أو برامج أوخطط ممكنة التحقيق، أو بمعنى أدق وأوجز ترزية عبارات لغوية لايقصد صاحبها إلا بمجرد التلفظ بها رغبة لتسجيل الموقف ربما على الأكثر من غير خوف على المحاسبة والمساءلة القانونية ،وقلق على الرقابة والعقاب الالهي وربما العاقبة، لتكون الممارسة السياسية أقرب من الدعاية الإعلامية والإعلانية إلى العمل السياسي المهني والمنهجي .

وتتخذ صورة الاستقواء مظاهر عديدة ، قد يكون أهمها الحديث الارتجالي والدائم عن امتلاك قدرات أكبر من المنظور، وفرص نجاح أوسع من التوقع ، وتحقيق مكاسب أسرع من الممكن المقدور ، وإحراز نصر خاطف بطريقة أيسر من المتبع المألوف، واللجوء إلى المجد الماضي التليد والإسهاب في حديثه، أوالوقوف على الأطلال والارتهان بالأمور الصعبة والامتنان السياسي للآخر،والتركيز على الآمال الباهتة والأهداف الجزئية والتكميلية غير الضرورية، وهي كلها أهداف وقضايا تبدو للمواطن والمتابع غير المدرك بصيرورة الأحداث وطبيعة توالدها وارتباطها الأفقي والعمودي بأنها مؤملة وجيدة وممكنة المنال ، ولكنها في حقيقة الأمر ونهاية المطاف تدل على وشيك نفاذ رصيد النظم والتنظيمات الموجودة في الساحة، إلى جانب خلط للأوراق غير المرتبة ، وعشوائية لاتخاذ القرار، وعدم الوضوح في الرؤية، والفشل في تحديد استراتيجية ذات ركائز واقعية ومتميزة بالوضوح في المعالم والوسائل، وقلة الأوراق الموجودة على الطاولة والخيارات المتاحة التي تملكها تلك الجهات ووقوفها على الإفلاس السياسي المخزي ، وبالتالي يكون مايراه أويستمعه المتلقي والمتابع مجرد خواطر استهدف صاحبه إسقاط حرج السكوت وتكلفة الركون عن نفسه في قضايا احتاجت منه التعليق والتعقيب خوفا من عدم القدرة على دفع فاتورة السكوت أوالدفاع في موقف الركون ، أوبعبارة أخرى النجاح في ترزية الكلام وحبك العبارات وتركيبها فقط والإخفاق فيما سوى ذلك من إنجاز المهمات والمهام وتحديد الأولويات.
ودفعني كتابة هذه المقالة بعد معايشتي خبرين اضطراني بالوقوف علىهما، حيث أن الأول يكاد هو الخبر اليومي للإعلام المحلي ونسمعه كل يوم تقريبا من مستويات ومصادر مختلفة المواقع والمسئوليات من النظام الحاكم في الأقل من نصف العاصمة وبالاعتماد الأجنبي. ويتمثل الخبر في أن النظام عازم على فرض النظام والقانون قبل نهاية الشهر المنصرم ، وماض في إحكام القبض والسيطرة على العاصمة ، ومن ثم إلى المحافظات المجاورة والبعيدة، وقادرعلى هزيمة الجبهات المناوئة له والمحصورة به، وأنه في اتصال وتواصل مع بعض العناصر من الجبهات الحاصرة بمساحته الضيقة بهدف الوفاق وإنهاء النزاع والعنف وليس بهدف فك الطوق عن نفسه، وأن النظام جدي في تطبيق الشريعة وتنفيذ الالتزامات الدستورية المنصوصة في الدستور ، واستعادة زمام المبادرة، وإعادة بناء الدولة الصومالية المنهارة الأركان، ورد الكرامة والاعتبار الضائع للعلم وللأمة الصومالية محليا ودوليا، وأنه مندهش بالجبهات التي تقف في سبيل توسيع مجالات نفوذه، وذلك بصفته معلنا على تطبيق الشريعة وفاتحا أبوابه جميعها إلى القادمين لتقاسم السلطة معه ،بالإضافة إلى أنه جاء لاطلاق جملة من الخطو ات العملية التي سوف تؤدي إلى تغيير المسار السياسي، وليس لتكريس السابق عنه إلى غير ذلك من الكلمات المعسولة والمتجاوبة إلى حد ما مع تمنيات المواطن العاجلة والآجلة، والذي هو في وضع ذو قابلية للتسفيه والاستخفاف .

والخبر الثاني وقع في الشهر الماضي في المنطقة الواقعة شمال غرب العاصمة والمعروفة بــ كم 13، وهي بالطبع من المناطق المكتظة بالسكان نتيجة النزوح الجماعي الكثيف من العاصمة فيها، ومن قبل حركة الشباب المجاهدين، حيث أن أحد الأجانب الموجود من بين الكثيرين من غيره أوالمهاجرين حسب تعبيرهم صادفت رؤياه إحدى البنات في أحد الشوارع في المنطقة حتى نالت البنت إعجاب الأمير، ومن ثم كلف بعضا من معاونيه الصوماليين بالبحث عن منزلها بصفته أمبرا، و من ثم الذهاب إلى والدها للمطالبة منه تزويج الأمير المتقدم بواسطتهم على البنت، ولكن طبقا للثقافة الاجتماعية المألوفة في مثل هذه الحالات غالبا ما لاينفرد الأب بمسؤلية تزويج بناته على أي قادم بغض النظر عن جنسيته وسلوكه، ولا بد بالدعوة إلى العم وربما الخال في بعض المناطق الأخرى للإحاطة بالجديد، كما يطلب الوالد من المتقدم أيضا إحضار أعمامه وأخواله في موعد متفق بينهما يتم قبل موعد عقد النكاح تأكدا لخلفية القادم وانتمائه القبلي، وتوثيقا لعرى العلاقة الاجتماعية بين العوائل المتصاهرة، والاتفاق المشترك ببعض من التفاهمات فضلا عن الترتيبات اللازمة لإنجاج المناسبة في حالة الاتفاق في اللقاء، الأمر الذي دفع الأب إلى مطالبة المندوبين عن المهاجر الأجنبي بإعطاء مهلة كافية لإبلاغ المستجد إلى والدي العائلة بغض النظر عن ما إذا كان يقصد بذلك من تحايل عن الاعتذار أم نزولا في التقيد على الإجراء المتبع اعتياديا.

ولكن المندوبين ارتأوا ذلك نكوصا عن الملة وتعلىماتها، وهجورا عن السنة النبوية المتصلة بتزويج وتنكيح المتقدمين من المسلمين، وبالتالي ينبغي على الوالد نسيان تلك العادة غير الإسلامية حسب المصدر، والموافقة الفورية على تزويج البنت للمتقدم المهاجر استدلالا يالحديث النبوي الذي يأمر تزويج المتقدمين بعد الارتضاء بدينهم وخلقهم حذرا من فتنة وفساد تعم عند عدم الاتباع، والاستهداء بذلك ، وأحاطوا به على أنهم سوف يعودونه لاحقا لإنهاء المهمة بالطريقة التي يريدها الأمير وليس إلا، مما جعل الوالد يقع في حيرة و ذهول لايعرف مخرجه ناهيك عن معرفته المسبقة بالعجز عن الاعتذار والممانعة وحتى التقاعس ، ولم يعرف الأب أي حيلة معينة سوى تهريب البنت إلى العاصمة ، والإجابة للمندوبين بعد رجوعهم إياه أنها ذهبت من غير معرفته وإذنه، وهذا ماحصل عند عودة الوكلاء عن الأمير الأجنبي المهاجر في الموعد المرتقب، الأمر الذي دفع الوكلاء اعتبار ذلك منكرا شرعيا يوجب العقاب وسابقة خطيرة ينبغي التشدد في تعاملها، مما أصبح فرضا مصادرة حريته، وأخذه إلى السجن عقابا على تصرفه المخالف للشريعة حسب المزاج الديني المبتدع .

ونجم عن ذلك إسراع البنت إلى العودة في المنزل بعد سماع الخبر، ومن ثم الحضور إلى السجن والإحاطة أنها جاءت لحسم المسألة، وأنها على استعدداد لقبول العرض من قبل الأمير والتعاون معه فداء لوالدها، حتى أطلق بذلك سراح الوالد، وترك بنته للأميرالأجنبي المهاجر، ولكن العلاقة لم تستمر طبيعيا بين الأميروالبنت، بل، أصبحت متأزمة وغيرسلمية نتيجة الطريقة التي تكونت والمراحل التي اندرجت، ولم يكن غرضها في الموافقة على التعايش مع الأمير سوى الفداء بوالدها فقط، وتحولت العلاقة بينهما تشبه علاقة القط مع الفأر والعكس إلى أن آل الوضع إلى موقف لايمكن استمراره واعتبارالبنت أنها تمنع لنفسها ما فرضته الشريعة للأمير من الحقوق وتؤمن ما ليس للشريعة أصل وأثر، حيث أنها تكره للأمير بصفته أجنبيا وبالتالي حكم علىها بالقتل سبب سوء عقيدتها وغبش إيمانها وربما تصرفها اللاسلمي ، وأدى بذلك لاحقا وفاة الأب بسبب ارتفاع الضغط وكثرة الألم والأسي. بالإضافة إلى هذ الخبر الثاني خبرآخر حدث في منطقة قريبة للمنطقة الأخيرة وفي وقت قريب لحدوث الأخير، حيث قتل أحد العاملين بصفة المساعد للسائق للمواصلات العامة بسبب عدم الالتزام إلى حيث يجب انه كان من المقرر أن يركن .
وبطبيعة الحال فإن تلك الأحداث تمثل قطرة واحدة من مياه البحر، وتكون بالتاكيد- طبقا للدلالة الحدثين الرئيسيين - نقائض واضحة لاسم المشروع وأركانه ومقوماته الأصلية سواء النظر من جانب النظام المتقمص بالدولة الصومالية، أومن جانب حركة شباب المجاهدين والحزب الإسلامي وغيرهما من التنظيمات الأخرى المسلحة المنتسبة للإسلام والمدعية أنها رخصت نفسها بدعوة الإسلام ودفاعه والتحرير عن ترابه، والتزام مبادئه ، فإن الأمر بهذه الصورة قد يكون أقرب من الحقيقة والواقعية السياسية الواحدة التي لاتتعدد بطبيعتها ولاتنفك بجزئياتها ، فضلا عن السريعة الاسلامية المتطابقة مع الفطرة السليمة وتتجاوز حد الشك والارتياب عند الرؤية المجردة إلى التمثيلية المسرحية.

ومن الصعب وصف ما جرى وما يجري في المشهد السياسي المحلي من حراكات ووقائع سوى حالة اجتماعية- سياسية معقدة الفهم للغير، خصوصا الأجنبي غير المتسلح بالكثير من القراءة المتعددة التخصصات والمصادر، واستقراء التجارب السابقة ، والتي أفرز بعضها معطيات الواقع السياسي المعاصر، حيث أن قاعدة الاتفاق الأولى السياسية والمصالحة لمؤتمري CARTA في 2000م في جيبوتي وELDORET، ومن ثمMBGHATI في كينيا مابين 2001-2004م القائم في 4.5 أوما يسمي قاعدة أربع ونصف ، بالإضافة إلى تقص المهارات والمؤهلات العلمية والفنية والقدرات الجاهزة والامكانيات الذاتية، وقلة الأفق والخبرة في الممارسة السياسية، ومقلوبية قاعدة الاختيار، وذلك ليس فقط على اصطفاء الموظفين وتعيينهم وانتخابهم، بل المحددة أيضا لاختيار الرئيس ورئيس الوزراء والنائب في البرلمان، وانتشار البطالة، وتآكل فرص العمل، بالإضافة إلى خصائص النظام الدولي ذوالقطب الواحد واختفاء سياسة الاستقطاب والتجاذب السياسي في الأفق ، وعدم إعطاء منظمة الوحدة الإفريقية وجامعة الدول العربية ملف الأزمة الصومالية إلى مساحة الاهتمام التي كان ينبغي تخصيصه. والبعض الآخر نجم عن تراكم مجموعة من العوامل الذاتية والموضوعية بدء بعضها مع بداية البحث عن الدولة الصومالية من قبل الأحزاب والحركة الوطنية عموما، ومن ثم بنائها ، وتراجحت النظم السياسية المدنية والعسكرية و من ثم الهشة بين مكرسة إلى الحد الذي يمكن وصفه بالإذكاء، وأخرى فقدت الرشد والحكمة في التعامل في الإنهاء والحسم إلى أخرى لم تول شطرها نحو التعامل معها ، وأصبحت تجسد ذروة الأزمة من الانقسام إلى الطوائف المتقاتلة، والاعتماد على العدو الأجنبي ، وانشغلت فقط بتلميع الذات وتحسين الكلمة المقالة، حيث يتمثل ذالك اللغز عدم وجود الموقف والشعور المشترك الواحد حول الطبيعة والخصائص والصبغة والمرجعية التي يجب أن تتخذها الدولة الصومالية المزمع إقامتها على التراب الوطني .

وقد يمكن احتمالية إرجاع ذلك الانقسام السياسي في المسائل الحيوية والمشتركة عدم الوجود في الانسجام الاجتماعي وتاريخ الحكم المركزي الواحد على مستوى الوطن ، والعداء الاجتماعي المتأصل والناتج من تاريخ حكم السلطنات ورغبة توسعها ضد الآخر في فترات زمنية محددة ولأسباب مختلفة، إلى جانب ما تقتضيه الندرة في المصالح والمشتركات العامة مثل المرعى وآبار المياه من احتكاكات تتطورمع التزاحم الذي يفرضه الواقع إلى عراكات دموية محزنة، بالإ ضافة إلى ذلك كله أثر رواسب ثقافة حكم النظام العسكري الاشتراكي السابق على الجيل المعاصر والمولود في ظله والمتأثر بمخلفاته الفكرية وانعكاساته السلبية ، وهو النظام الذي كان يشترك مع مثيله من النظم الاشتراكية والشيوعية بالإقليم والعالم بالسطو وبالخداع السياسي وسرقة عواطف الشعوب، وإنكار الدين وتهميش دوره في بناء الدولة والتنمية البشرية، وإعدام بعض من رموزه علنا بعد الاحتجاج والدفاع عنه، وذلك ليس فقط كنظام حكم وحياة، بل كحقيقة منزلة من السماء لإسعاد البشرية، وذلك بصفته معتمدا على الدعم السوفييتي و غيرمستغنيا عنه، هذا بالإضافة إلى التعبئة والتوعية التي لايغيب عنها في الغالب الخدع في الكلمة والحشو في الأسماع كوسائل لازمة لتوجيه الطاقات وزيادة الإنتاج، ناهيك عن المحاباة والمحسوبية والفساد السياسي وعدم العدالة الاجتماعية السائدة وتكميم الأفواه ومصادرة الحريات في فترة حكم النظام العسكري خصوصا في العقد الأخير من حكمه البالغ بالعقدين والسنة الواحدة إلا شهرين.
وتولد تلك القضايا كلها فرقعات من التفكك والصدام الاجتماعي، وردود أفعال عنيفة أقرب من حراكات وحركات سياسية مرتبطة إلى حد ما بالرؤية المتفقة وبالزمن المحدد ، وتسعى إلى التغيير والإصلاح والتنمية والاستقرارالشامل عن طريق وسائل وآليات مستندة بالحقائق العلمية الناصعة والحق المجرد من الأنانية والأنوية إلى الأرقاء والأسرى المحررة بقيد زمني محدد فرضا ، وعانت من الحرمان المتعمد بالإشباع عن الرغبات النفسية، ومما رسة بعض من الحقوق الأساسية أثناء فترة الأسر، ومن ثم ترك لها حرية التصرف في الكلمة والوقت في المناخ المتناقص بالقيام بما يعوض السابق من الحرمان، ويشبع الآني واللاحق من ملء البطون والجيوب والأرحام، والخروج من بين عدسات الكاميرا ووسائل الإعلام الأخرى السمعية والمقروءة . وتفرز تلك السوابق والمعطيات أيضا من الجانب الآخر حالة أخرى من التشرذم الاجتماعي يهتم الإنسان، ويبحث باشتياق - بدون التفكير عن الشرعية والمردود - أن يتخذ لنفسه دون غيره منهجا معينا واسما ينفرد هو دون غيره من الآخرين، ويؤمن له لقمة عيشه، وتشبع رغباته الجنسية وميولاته النهبوية والعنفية في الكثير من الناس ، وتزود له من المساعدات والمساندة والدعم بما يمد أسباب البقاء، ويمكن له الصمود والتحمل أمام العواصف الهائجة وأعباء الحياة المتزايدة، فضلا عن السباحة في الساحة الإعلامية بغرض التشهير والشهرة، ويمكن أن تتخذ أسماء تلك القوالب بالقراصنة في بعض الأحيان والتقمص على الشخصية الدولية بعد التكفير السياسي والانقلاب على القاعدة السياسية المتفقة، والخدمة لرسالة الإسلام والافتراء علىه إلى غير ذلك من القوالب الأخرى الجاهزة دوما للاستخدام الرخيص .
وأن المواجهات المتقاطعة التي تحدث بين الحين والآخر في الأماكن والفترات المختلفة في البلاد يمكن اندراج تفسيرها في الاتفاق غير المعلن بين أبطال المسرح أحداث دوي من الأصوات المرعبة وصناعة مادة خبرية في الإعلام المحلي والدولي تؤدي إلى إدامة الدعم وتملأ سمع المتابع ومرأى المشاهد المستخَف، وتمد له العمر والشرعية في الوجود والبقاء. ورغم ما في هذا التناول على ما يبدو من إجحاف على هوؤلاء الأبطال في المسارح من قبل النظام والجبهات المسلحة ، إلا أن مجرد إجلاء النظرعلى المشهد بموضوعية واتزان، وبمنظار غير مذاب في الانشطارات الفكرية الوحلة ، والاتجاهات السياسية الوهنة، وبمدى الفجوة بين الامكانيات والخطاب، والتطلعات المتصلة حول بناء الدولة وتطبيق الشريعة والقدرات الجاهزة، وبين النصوص الشرعية والأحكام الفقهية المؤصلة، والممارسات العملية قد تتمكن أنت في النهاية بالوقوف مستقلا على الحقيقة، وأن ما تدعوإليه النصوص الشرعية الموضحة في الأصلين من ضبط للكلمة، وضوابط كابحة تشمل القول عند اللزوم، والتأكد المسبق بالموافقة على الشريعة وصحتها ، وضرورة الاقتران والتطابق بينها وبين الفعل ، والحذر من عواقب الخطورة بمجرد الهذيان، بالإضافة إلى المنع القاطع بمجرد اللعن على المؤمن ومساواة ذلك في الحكم على قتله طبقا على ما صح من الرسول علىه الصلاة والسلام ويرويه البخاري، الى جانب التحريم الجازم على قتل النفس المسلمة من غير الحق، وإقامة الحجة من خلال تعاقد اجتماعي يتم بالتراضي ، والوعيد الجازم على المجترئ بذلك من عقاب صارم توصله بعض الآيات إلى الخلود في النار، ومنع الحرب في الأشهر الحرم لطوعت نفس هؤلاء الأبطال في المسرح بالركون، وتدارك دنياهم قبل آخرتهم.


وأن الإقرارالطوعي بين االحين والآخر على قتل المدنيين والأبرياء في القصف العشوائي والعمليات التفجيرية والانتحارية خصوصا الذين قتلوا في عمليتي فندق شامو في الثالث من شهرديسيمبر وبلدوين في 18 يونيو في العام الماضي، حيث توفي الأول مايقارب العشرين من الأبرياء الطلبة والأطباء والصحفيين، وتوفي الأخير أكثر من خمسة و ستين من المدنيين، هذا عند الاقتراض الجدلي بالمنتمين للطرفين المتصايدين مجاهدين طبقا للمصادر الإعلامية للأطراف المتراشقة، وغيرها من الحالات قد يقطع الشك باليقين بأن ما يجري على المشهد مجرد تمثيلية مسرحية وهزل سياسي لاعلاقة له لا من قريب ولا من بعيد بالدين المنزل لإسعاد البشرية، وإخراجها من الشقاء والظلمات ، كما لاعلاقة له أيضا بالبحث عن الدولة الصومالية التي تحتاج أول ما تحتاج إلى الالتزام في المرور على قانون الصعود في السلم السياسي، والشرعية في الوصول ، والمعرفة بالمسئولية الموكلة، والادراك اللازم في طبيعة الموقف ونوعية التحديات المحيطة، والخبرة في التعامل مع الأزمات والطوارئ المتجددة، إلى جانب العقبات والتهديدات المعيقة في التقدم والإنجاز، والتي يمكن أن يكون الساعي إلى إزالتها وإزاحتها سببا أوجزء منها ، وتقديم بضاعة مزجاة قابلة للتسويغ والتسويق ، وهي من الأمور التي تعتبر صمام الأمان للنظام السياسي المستقر في أي بلد في العالم ، ولا تحتاج السياسة مجرد المهارة في الترزية والإكتفاء بخدع الكلمة، وحشد المجرمين والفشلة في إدارة الذات والعاجزبن عن معرفة أقدارهم وعديمي الخبرة والتربية السياسية والوطنية في المجالس والمناصب السياسية العلىا.

وربما يعلم الكل أن المهارة في الخداع لم تبدء من السنة التي يتربع علىها أبطال المسرح في المشهد السياسي بالأطراف المتحاربة، وإنما بدأت مع بداية الإغواء والصعود في المسرح، حيث كنا نسمع من الستة الأشهرفي النصف الأخيرمن عام 2006م ، ومن فترة إنبراء العاصفة والعاطفة الدينية، ويعرف بالمحاكم الإسلامية بأنهم يذهبون إلى المحافظات استجابة لأهلها وليس للتوسع، ولايوجد من بينهم أجانب مسجلون في قائمة الدول المحاربة للإرهاب والهاربون من المطاردات والملاحقات الأمنية لبلادهم بسبب ما أولآخر، وأنهم يعممون نموذج الحكم الإسلامي إلى الإقليم والعالم بأسره وسيصلون الصلاة في أديس أبابا، ولايتعاملون مع النظائم القائم بصفته نظاما علمانيا صنعته وركبته قوى أجنبية معادية، ولايتصالحون معه لأنه ليس سيد قراره، وأنهم سيأخذون المجتمع إلى بر الأمان والاستقرار، وأنهم خرجوا من العاصمة حفاظا على أرواح المواطنين، وليس الفرار والخلسة ، ثم اختزال المشكلة بعدها بوجود القوات الإثيوبية والنظام الحاكم وصولا إلى أنهم يصدد التحري في البحث الجنائي عن حيثيات تفجير شامو مؤخرا، وسوف يقدمون لاحقا النتائج المتوصَلة، إلى غير ذلك من الكلام والكلمات التي تبدو بالنسبة للمستمع البسيط بأنها تتفاعل مع ما يساور نفسه من هواجس ، وتتجاوب مع طموحاته الحيوية ، وذلك مع العلم ما تحقق بذلك وما لم يتحقق و إلى ما آلت إليه الأمور من الانحدار في الغور ، وتمنى العودة إلى أيام وجود القوات الإثيوبية السوداء.
وأخيرا أتسآل وأسأل إلى متى أيها المشاهد والمستمع تظل ألعوبة تأتي عليه الغلمان الذين أودعتهم غياب الجديرين وذوي الشأن بعربدة المسرح بالوكالة غيرالمرخصة منهم ، ولايعجزون عن تقديم مشاهد من الفضولات السياسية فوق المسارح المتداعية الأركان، وأفرزتهم نتائج التجاوز من الخطوط الحمراء وتساهل المحرمات في العقائد الدينية والثقافية، وتتحرر من أن تكون ضحية لتوظيف مصالح آنية وشخصية، وأمراض نفسية، وبلادة عقلية، وغباوة سياسية إلى مصالح مرسلة وعامة، وإلى ما كان من المفترض من أن لايكون أكثرمما يثير ضحكك، ويخف منك كثرة الهمومات المثقلة بظهرك التي لايوجد من بين الأطراف من يقف تخفيفها، ويسد رمقها؟

وإلى متى أيها الوطن العزيز عند القليل من الكثير، والمتسع للجميع إلا القليل تبقى لقيطا تتنازعه الأراذلة من نبتتك على مناصرتك بالإدعاء، وحشروك فقط في زاوية الد فن على ضحايا الانتهازية السياسية، والجهل العلمي، والجفاف الفكري، والتصحر الحضاري من دون إعطاء اعتبار جدير آخر، ونسوا أوتناسوا على أنهم يأكلون من إنتاجك، ويأخذون الشهيق الضروري للإنسان من الأشجارالغريزة فوقك ، وتقبل من أن تحفظك ما لاتقبله لنفسك، وتكون لك غدا مدعيا علىك أومحاميا لك عند ما تكون لها نزيلا، مما يدفع الجميع إلى حفظ ترابك، وعناية ما فوقك من البشر والمخلوقات جمعاء، والقصد في المشي علىك بالاعتدال.
وعدم إعطاء إجابة كافية عن من يجيب ويسمع أويعرف عن هذه التساؤلات، فمن المحتمل البقاء في دائرة الايحاء العكسي السياسي ، حيث تأخذنا الأمواج السياسية المتدافعة بالتلاطم إلى فضاء لايعرف، واستغراب دائم من الحراكات السياسية العقمة ، وبين مطرقة الهزل السياسي وسندان التأويلات المنحرفة للدين، وبين خيار قد يكون الغالب غير مختلف عن المغلوب، وبين موقف سياسي يتأرجح بين حالتي اللاسلم واللاحرب ، وربما سنعاني فترة من الزمن بالاحتراق على تبعات الكذب بآيات الرحمن، والافتراء على شريعته المنزهة من المزايدت، وانعكاسات المتاجرة من حمائم الدم والمقابر الجماعية، والتقمص بالشخصية الدولية التي تخدم الوطن وتصون الكرامة ، وربما سنعتبر ما أراده الأبطال ملهاة بمادة سياسية تطرح الرؤية وتقدم العلاج وتغير الواقع ، وربما سيلد الجبل فأرا، والأمهات ولدا مشوها بعد الانتظارالمملّ ، والمخاض العسير، كما يقول المثل العربي "تمخض الجبل فولد فأرا" ... والله المستعان.

اقرأ للكاتب: دلالات التفجير الانتحاري بفندق شامو وتبعاته المتوقعة

* كاتب صومالي -خريج الأزهر -مقديشو- الصومال
This e-mail address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it

تعليقات حول الموضوع

avatar xaliimo_cuudl
مقال مضحك اقرب الئ الضحك و الفرفشه
الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
avatar عبدالسلام آل عيسى - المشرف على منتديات الصومال


الاستاذ العزيز حسن اعتذر لك اولا ً ولكن لديّ تساؤل والجواب أتركه للعقلاء أمثالكم وامثال قُراء هذا الموقع , ولا أنتظر اللوم لأن الغيرة قد اخذتني , القصة التي ذكرتها اخي الغالي ، هل عايشتها ام هي مجرد خبر سمعته من فلان وفلان سمعه من علان وعلان أخذهمن زيد من الناس ، قصة الأمير لا تدخل العقل بل أظن أنني أمامي فلم هندي قديم لكن بأبطال صوماليين , صحيح قد تكون هناك مساؤي قد تكون تجاوزات لكن لا اظن ان أي تنظيم ومحتل قد يقوم بهذا التصرف خصوصا ً وانه يود كسب ود اهل هذه المنطقة المحتلة حتى يأمن مكرهم وكيدهم وشعبنا معروف بالعزة وعدم الاذعان في امور كهذه قد تطير رقاب ولا يتم هذا الأمر
, لذا سيدي ما كل ما يسمع يذاع واعتذر لك واحترم قلمك

وهناك امر آخر في عهد الإسلام الأول سمعنا بأشعار حسان وشعراء الإسلام لِمَ م نسمع بهجاء الرسول , لانهم رضوان الله عليهم لم يتناقلوه حتى لا يحفظ وبذلك ماتت تلك الاشعار بموت أصحابها أو إسلامهم

أخي العزيز اعتذر أخرى , لكن فعلاً ما يجري في بلادنا مؤلم وما نقرأه أيضا ً يزيدنا ألما ً ، بلادي كان الله في عونكِ وعون الجميع هناك

الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
avatar MAHMOUD SHEER

مع احترامي الشديد للكاتب نحن في واد وانت في واد اخر
الفرق بين قصص الخيال وقصص الواقع
الامة في ايام الجاهلية كان ترتب حياتها بمواعيد لاسياد القوم لادارة مصالحهم واعمالهم اليومية وبعد الافراغ منها يأتي وقت اللهو والضحك والمتعة والجلسات المعمرة بالكيف والرقص الشرقي المعهود في تلك افترة واحياناً اخرى يطلب سيد القوم من يستطيع ان يطلق نكته مضحكة يأخذ عليها مكافأة مالية بدراهم معدودات وتكون تلك عيداً لمن يرضى سيده عنه ويحصل على الاف الدارهم وخاصة انهم يتحدثون عن الف والفين وثلاثة واربعة وخمسة الاف دراهم واكثر في ليلة واحدة ومن لم يجد شيء اصبح خاسر وعليه ان يعوض ما فاته في المرة القادمة والله اعلم
الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى