الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
معهد البخاري..النموذج الأمثل للتعريب في الصومال Print E-mail
مقالات - مقالات سياسية
Written by أنور أحمد ميو   
Sunday, 03 January 2010 00:00

(هذه المقالة هي الحلقة الثالثة من "نموذجيات")

 إنه أوَّل معهد في تعليم اللغة اللعربية في الصومال بعد انهيار الحكومة المركزية عام 1991م بطريقته المتفرِّدة المرضية عند الجميع، والذي استفاد منه القاصي والدَّاني، وشهد بفضله العدوّ البغيض والصَّديق الوافي، كيف لا وقد أصبح أُسوةً للمعاهد، وقُدوةً للمدارس، وحليةً للمساجد..!!

 وعَد فأَوْفَى، وجمَع فأَوْعَى، وأخلص فأَنْمَى،!! قد لمع نجمُه، وارتفع علَمُه، وبرزَ اسمُه،!! قد ملأ خبره الأسماع، وشاع ذكره في أقصى البقاع والأصقاع،!! قد دُوِّنت في سجلاته مختلفُ الطبقات، ونسَخَ من سبورته معظمُ أنواع الفئات، وشَرِبَت من مَعين فُراته أُسود اللُّغات المهَرَة، المجوِّدين في النطق والكاتبين السَّفَرَة، كلما جئْتَ إليه في الصباح والمساء تجده مُمتَلأً، وكلما أدبَرْتَ عنه لاتعثُر بغيره مُلتَجَأً،!! أقبل عليه الفقراء في اللغة والتعبير، وتزاحم الناس على أعتابه بالحشد والتَّعمير،!! نعم : هو كنـزٌ لا يفْنَى، وعَينٌ لا تجِفُّ ولا تَعْمَى.

بداية المعهد:

أخبرني من كان في الجيل الأول من أجيال هذا المعهد أن المعهد افتتح في عام 1992م على يد الأستاذ الشاب اليافع الطَّموح : عمر محمود المعروف بـ (عمر الفاروق) مراسل قناة الجزيرة في مقديشو حاليا، وقد أنتج هذا الشاب - من جموع الطلبة - أربعة نجوم أصبحوا فيما بعدُ عُمدة المعهد وأساتذته المرموقين وهم : عبد الله (سافر مبكرا)، محمد عتيقي، ياسين الطويل، عبد الرحمن سنيغ، ثم انضم إليهم الأستاذ قاسم، وقد تعلَّم اللغةَ العربية على يد هؤلاء آلاف الطلبة من مختلف أبناء مقديشو بل وخارج مقديشو، وأصبحوا قادرين على الخطابة والقراءة والإنشاء  بعد أن كانوا لا يقفهون لها قولا، ولا يحيطون بها علما،!! وبسبب تأخُّر هذا الشخص الذي أخبرني عن الجيل الأول – وهو من أولياء أموري – جزاه الله خيرا - بسبب شغل التجارة وكسب العيش- أراد أن لا تفوت هذه الفرصة كاتِبَ هذه السطور وهو ابن أربعة عشر سنة في أغسطس عام 1995م فأخذ بيدي وقادني إلى معهد البخاري وكان مقرُّه آنذاك مبني لمدرسة أساسيَّة شرق مسجد حريد الكبير المشهور، وفي عام 1996م استأجر المعهد بيتا كاملا (فيلا) في حيّ الحجرين في ورطيغلي قرب معهد بلال لتعليم اللغة الإنجليزية.

..

طريقة تعليم المعهد للغة العربية:

كان المعهد يتَّبع في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها طريقة ناجحة تُمكِّن لمن اجتهد في النطق بالعربية في غضون ستة أشهر فقط، وهذا مما لفت أنظار الشعب وأصبح المعهد أَشْهَر معهد في مقديشو على الإطلاق في وقت قصير جدا،!!! واكتفظَّ بالطلاب في جميع أرجاء العاصمة وخارجها.

 ويمرُّ المعهد في درسه ومنهجه بالمستويات أو الطرق التالية:

 الأول :

بداية الدرس من المستوى الأول : (هذا قلم، هذا كتاب، هذه سبورة، هذه زجاجة، هؤلاء رجال، هؤلاء نساء) ونحو ذلك.

 الثاني:

الحوار الثنائي الإبتدائي : (ما اسمك؟..اسمي أحمد.. أين تعيش؟ ..أعيش في مقديشو.. أين تسكن؟.. أسكن في حي هدن) ونحو ذلك.

الثالث:

الحوار الثنائي المتوسط: (لو سمحت أريد أن أتعرَّف عليك؟ ..مهلا أخي لكي أقدم تحيَّاتي للطلبة : إن من سعادتي أيها الطلبة أن أقف أمامكم لأجري الحوار مع هذا الطالب) ونحو ذلك.

الرابع:

الحوار الثنائي الساخن : (إن مما جذب انتباهي أن أرى عليك علامات الفزع والخوف بين خديك؛ ما الذي خلفك بعدي؟ .. لقيتُ في السوق أحد...إلخ ) ونحو ذلك.

الخامس:

تخصيص يوم للحوار بين الطلبة بحيث يقوم طالبان أمام الطلاب ويجريان الحوار في ربع ساعة ثم يجلسان ويقوم آخران وهكذا.

السادس:

كلمات في الجمل مثل: كلمة (أَوْدَى) ثم يكتب وهي في جملة : "وقع انفجار هائل في وسط سوق شعبي، وقد أوْدَى هذا الانفجار بحياة عشرين شخصا" ونحوه ذلك.

السابع:

تخصيص يوم للإختبار، ويطلق بعضُ الأساتذه عليه مصطلح (الترجمة)، وهو أن يذكر الأستاذ جملة باللغة الصومالية ثم يُقِيم واحدا من الطلبة فيترجمه باللغة اللعربية، وهكذا حتى تمرَّ على جميع الطلاب أو جلُّهم.

الثامن:

كتابة شعر أو قصص بحيث تكون من الدروس المقرَّرة على الطلبة المتجاوزين لعام.

التاسع:

ترجمة فورية باللغة الصومالية لموجز أخبار إذاعة بي بي سي العربية في العالم هذا الصباح للطلاب المتجاوزين لعام.

العاشر:

يُفرَض على الطُّلاب أن لا ينقلبوا إلى منازلهم فور انتهاء الحصة – وهي ساعة كاملة – إلا بإجراء حوار ثنائي في فناء المعهد في كل مساء أو صباح.

الحادية عشر:

إقامة مسابقات بين الفصول المختلفة في المعهد في كل ثلاثة شهور.

 الانشقاق في المعهد:

 كنب الله  للصوماليين الانشقاقات والتفرقات،!! يختلفون في كل شيء في السياسة والتعليم والشريعة الإسلامية،!!!  فلما ذاع صيت هذا المعهد، ولقي قبولا حارًّا بين الأوساط الشعبية، وفُتِحَت أذرع منه في المحافظات البعيدة مثل: هدن (قرب مسجد شيخ علي الصوفي) وحيّ المدينة وغيرها، انشقّ المعهد إلى نصفين في عام 2000م (معهد البخاري) الأصلي؛ و(معهد رمضان) وبينهما مسافة ليست بعيدة،!! وقد انضم مُعظم الأساتذة المهمِّين في المعهد إلى معهد رمضان، أما المؤسس عمر الفاروق فقد سافر إلى نيروبي قبل حدوث الانشقاق.

 أَيَّام في معهد البخاري:

1- كنا تأخَّرنا في يوم اختبار في الفصل، وكانت حصَّتنا من الساعة الرابعة إلى الخامسة مساء، ووصلنا هذا اليوم إلى الساعة السادسة مساء، فناديتُ في الفصل: يا أستاذ قَرُب المغرب،!! فسألني الأستاذ : أين تسكن؟ فقلت: في حيّ علي كمين في ورطيغلي،!! فسأل واحدا خلفي: أين تسكن؟ فقال: في حيِّ المدينة،!! وسأل ثان جنبي: أين تسكن؟ فقال: في حمر ججب،!! فضحك كل من كان في الفصل، لأن منزل هذين بعيد جدّا عن المعهد مقارنة بمنزلي.

2- أراد صديقي صاحب المطعم – يرحمه الله – أن يسجِّل في المعهد في عام 1999م وكانت رسوم الدراسة الشهرية آنذاك عشرة آلاف شلن صومالي، فوضع النقود في ورقة ولفَّها ببلاستيك، ثم كتب عليها آية في سورة البقرة : {تلك عشرة كاملة} وذهبنا إلى مكتب المسجِّل، فما سجّل المسجل اسمه الثلاثي قال له: هات رسوم الدراسة، فنزع من جيبه ورقة ملفوفة بالبلاستيك كُتِب عليها:{ تلك عشرة كاملة} فلما رآها المسجل ضحك حتى كاد أن يخرَّ من الكرسي، وضحك جميع من كان في المكتب من الأساتذة.

المآخذ على المعهد:

 ركز المعهد في تعليم اللغة العربية على التعبير والقراءة والإنشاء دون غيره من قواعد اللغة العربية من النحو والصرف والبلاغة وغيرها، وكان من الأفضل أن يخصِّص بعض دروسه موادا من هذا النوع، وقد بات حتما على طلاب المعهد أن يجلسوا في حلقات المسجد ويأخذوا النحو والصرف والبلاغة عن أفواه المشائخ، وإذا جمع الطالب بين هذين – مع كثرة اطلاع الصحف والكتب الأدبية وغيرها- يكون ماهرا باللغة العربية بإذن الله.

 ومن مآخذه عدم تمرين الطلاب على الكتابة، فكان المعهد يركز على الحوار الثنائي  والترجمة الفورية وغيرهما، فيتخرَّج الطالب وهو لايمارس الكتابة والتعبير، وبعد سنين يكون من الصعب عليه التعبير والإنشاء التي أتقنها، ولو مارس الكتابة والاطلاع لم يسهل النسيان.

نقول: جزى الله خيرا إدارة وأساتذة هذا المعهد على ما بذلوه من جهد في تعليم لغة القرآن للشعب الصومالي، وجعل ذلك في موازين حسناتهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

 والسلام عليكم.

تعليقات حول الموضوع

Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى