الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
الإسلام دين الوسطية ( 1) Print E-mail
مقالات - مقالات سياسية
Written by عبد القادر شيخ محمد أخي   
Monday, 28 December 2009 00:00

فإن الإسلام في هذه الأيام أحوج ما يكون إلى من يحسن عرضه على الناس والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة وجوهر ذلك الاعتدال في الخطاب والحرص على كسب العقول والقلوب ؛ وذلك لا يتأتى إلا بالابتعاد عن التطرف وعن تبني الآراء المسبقة لإرغام الناس على الأخذ بها ، يجب أن لانحصر الألوان في لونين فقط إما أبيض وإما أسود بل لابد أن نعترف أن هناك ألوانًا أخرى وكذلك لابد من وقف المحاولات التي يبذلها المتطرفون – الذين لا يرون العالم إلا من خلال مناظيرهم – لإقصاء من يخافهم الرأي أو الفهم ولو كان على ملتهم ودينهم، وحجتهم في ذلك نصوص مبتورة عزلوها عما سبقها ولحقها ، وتمترسوا وراءها فلم يعرفوا لها علة ولا مناسبة ، أو أقوال لمن سبقهم يتعصبون لها دون إدراك لملابساتها أو الظروف الموضوعية التي قيلت فيها وإنما هو تعصب وتقليد وإتباع أعمى .

وبدهي أننا نعني بالنصوص ، تلك النصوص الظنية التي تحتمل الاختلاف وتعدد الآراء والفهوم ، إن إبراز خصائص الإسلام وعلى رأسها الوسطية ، أمر في غاية الأهمية ونحن نرى أعداءه يرمونه بما ليس فيه من تطرف وإرهاب وإقصاء للآخرين وبث للكراهية والتعصب ، ومما يؤسف له أن نفرًا ممن ينتسبون لهذا الدين يساعدونهم في ذلك من خلال إساءتهم لتطبيق الإسلام تطبيقًا بعيدًا عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك يسيئون إلى هذا الدين من خلال عرضه عرضًا سيئًا كما أشرنا آنفًا .

إن الإسلام جاء ليرفع عن الناس الإصر والأغلال ، ويضمن لهم حياة طيبة ملؤها السعادة والاستقرار ، فكتابه الكريم يقول : " وما جعل عليكم في الدين من حرج " ، " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " ، ونبيه صلوات الله وسلامه عليه هو الذي ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ، وفقهاؤه العباقرة هم الذين استنبطوا القواعد الفقهية التي تضمن سعادة الناس واستقرارهم من خلال استقرائهم لنصوص الشريعة وأحكامها ، فقالوا : المشقة تجلب التيسير ولا ضرر ولا ضرار ، والضرورات تبيح المحظورات ، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة .... إلخ

أين هذا كله من منطق التشنج والتطرف واختيار الآراء المسبقة الذي يمارسه البعض فترتد آثاره سلبًا على الدين نفسه ؟!

وباستقراء نصوص الشريعة الإسلامية وأحكامها نجد أن من أبرز خصائصها : الوسطية ، التي تعني الموقف المعتدل بين طرفين ، فلا تميل إلى طرف دون آخر وإنما تقف الموقف الذي يقتضيه الميزان القسط ، ولا تسمح بطغيان طرف على آخر ، فلا إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا تقصير ، وإنما هو القسطاس المستقيم بين المادية والروحية والواقعية والمثالية والفردية والجماعية ، وكما قيل : الوسط فضيلة بين رذيلتين ، وسوف نرى مصداق ذلك فيما نعرض له من أمثلة في الشريعة الإسلامية .

أولا: في القرآن :

* في سورة الفاتحة التي يرددها المسلم في اليوم عشرات المرات في صلاته وغيرها ، قول الله تعالى : " اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين " ، وبعد التأمل في قول الله تعالى السابق ، نجد أنه يوجهنا إلى أن ندعو ربنا أن يهدينا الصراط المستقيم ، لكن ما هو الصراط المستقيم ؟ إنه ذلك الطريق الوسط المعتدل بين طرفين أحدهما عرف الحق وتركه ، فهو مغضوب عليه " غير المغضوب عليهم " ، والآخر لم يهتد للحق أصلاً فهو ضال " ولا الضالين " .


الإسلام في هذه الأيام أحوج ما يكون إلى من يحسن عرضه على الناس والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة وجوهر ذلك الاعتدال في الخطاب والحرص على كسب العقول والقلوب ؛ وذلك لا يتأتى إلا بالابتعاد عن التطرف وعن تبني الآراء المسبقة لإرغام الناس على الأخذ بها


 



* وقد جاء وصف الأمة في القرآن بالوسطية صريحًا في قوله تعالى : " وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا " ، وفي تعليقه على هذه الآية يقول الشهيد الأستاذ سيد قطب : إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعًا فتقيم بينهم العدل والقسط وتضع لهم الموازين والقيم ........ وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل أو من الوسط بمعنى الاعتدال والقصد ، أو من الوسط بمعناه المادي الحسي ........ ( أمة وسطا ) في التصور في والاعتقاد لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي . ( أمة وسطا ) في التفكير والشعور لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة ولا تتبع كذلك كل ناعق وتقلد تقليد القردة المضحك ( أمة وسطا) في التنظيم والتنسيق لا تدع الحياة كلها للمشاعر والضمائر ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب ، إنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب وتكفل نظام المجتمع بالتشريع والتأديب ، ( أمة وسطا ) في الارتباطات والعلاقات لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة ( أمة وسطا ) في المكان في صرة الأرض وفي أوسط بقاعها وما تزال هذه الأمة التي غمر أرضها الإسلام إلى هذه اللحظة هي الأمة التي تتوسط أقطار الأرض ، ( أمة وسطا ) في الزمان تنهي عهد طفولة البشرية من قبلها وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها وتقف في الوسط تنفض عن البشرية ما علق بها من أوهام وخرافات من عهد طفولتها وتصدها عن الفتنة بالعقل والهوى .
وواضح من كلام الأستاذ سيد قطب أنه يرى أن خاصية الوسطية من أبرز خصائص هذه الأمة التي أراد الله لها أن تكن شاهدًا على الناس أجمعين .

* قول الله تعالى : " يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسل الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه " ، في هذه الآية ينهى الله أهل الكتاب عن مجاوزة الحد المعتدل في الدين والقول غير الحق في عيسى ابن مريم وهو ما أشار إليه بالغلو المذكور في الآية وفي ذلك إشارة جلية إلى أن الأمة الإسلامية هي الأمة الوسط والعدل التي التزمت الصراط المستقيم والنهج القويم في نظرتها للأنبياء عامة وفي عيسى ابن مريم خاصة وذلك عندما استجابت لأمر الله فيه أنه عبد الله ورسوله ، وفي تفسير الآية ، يقول العلامة " الطاهر بن عاشور " : ( والغلو في الدين أن يظهر المتدين ما يفوت الحد الذي حدد له الدين ، ونهاهم عن الغلو لأنه أصل لكثير من ضلالهم ، وتكذيبهم للرسل السابقين ، وغلو أهل الكتاب تجاوزهم الحد الذي طلبه دينهم منهم ، فاليهود طولبوا بإتباع التوراة ومحبة رسولهم فتجاوزوه إلى بغضة الرسل كعيسى ومحمد عليهما السلام ، والنصارى طولبوا بإتباع المسيح فتجاوزوا فيه الحد إلى دعوى إلهيته أو كونه ابن الله مع الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ) .

ثانيا- السنة النبوية :

وعندما نستعرض سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم نجد فيها خاصية الوسطية واضحة جلية ، فانظر مثلاً :
* ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للنفر الذين آلوا على أنفسهم أن يصوموا فلا يفطروا ، وأن يقوموا فلا يناموا ، وألا ينكحوا النساء، إنه قال منكرًا عليهم تطرفهم : " أما إني أخشاكم لله ، وأتقاكم له ، ولكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني " ، وفي هذا تأكيد على خط الاعتدال الذي هو سمة هذا الدين في مواجهة من أرادوا أ، يختاروا طرفًا واحدًا على حساب الطرف الآخر ، فردهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى حد الاعتدال وهو الوسط بين الطرفين .

* تأمل دعاء انبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي ، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير ، واجعل الموت راحة لي من كل شر " .
إن هذا الدعاء يكشف عن توازن عجيب بين الدين والدنيا ، فهو لا يطلب الحياة الدنيا على حساب الآخرة ولا الآخرة على حساب الدنيا ونجد مصداق هذا في دعاء القرآن ، في قوله تعالى : " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " ، فلا تطرف ولا إفراط ولا تفريط ، إنما هو وسطية واعتدال ، هذا ما يشعر به كل من يستبطن الآيات القرآنية ويطلع على سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم .
* كذلك نجد قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى " ، يشبه المتشدد في العبادة بذلك المسافر الذي أرهق دابته من أمرها عسرًا ، وتجاوز حد الاعتدال في سوقها فكانت النتيجة أن نفقت دابته في الطريق ولم يصل إلى غايته ، وهذا شأن المتشدد في عبادته المتجاوز فيها حد الاعتدال فلا هو الذي أرضى ربه ، ولا هو الذي أبقى على نفسه ، شأن المنبت أي المنقطع في الطريق ، ولا يخفى ما في هذا التشبيه النبوي من دعوة إلى الوسطية والاعتدال .
* وقوله صلى الله عليه وسلم : " لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم ، إنما أنا عبد الله ورسوله " ، أي لا تتطرفوا في مديحي والثناء علي فتتجاوزوا بي حدود البشرية ، " قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد " ، ومن هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما سمع من ينشد فيقول : وفينا نبي يعلم ما في غد ، فغضب ونهاه وقال : " قولوا في بما تعلمون إنما أنا عبد الله ورسوله.

هذه بعض مرتكزات وأصول الوسطية في الإسلام سقناها من القرآن والسنة ، وقد تجلت مظاهرها في العقيدة والشريعة والسلوك والأخلاق مما سنعرض في الحلقة الثانية إن شاء الله.


*- باحث وأكاديمي صومالي 

تعليقات حول الموضوع

Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى