الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
الصومال .. عنف بلا حدود (4) Print E-mail
مقالات - مقالات سياسية
Written by عبد العزيز عرتن   
Monday, 28 December 2009 00:00

Image

أحد التفجيرات في الصومال

الحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد هذه رابع حلقة من هذه السلسلة حاولنا من خلالها فهم ما يجري في بلدنا وتسليط بعض الضوء عليه ، وكيف ترتبط هذه العوامل مع بعضها البعض أو كيف يؤثر فيها بعضها بعضاً .  فقلنا إن الفوضى في البلاد سببها الفرقة السياسية والتي بدورها نتيجة لعدم وجود قيادة للبلاد توحد الشعب وتقوده نحو تحقيق أهدافه.  وعدم وجود هذه القيادة الدينية والسياسية أو ضعفها سول للبعض اختطافها وأن يسوس البلاد ويفهم الشريعة بعيداً عن أدواتهما وأهلهما، فهذه الحلقة تتعرض لنقطة من هذا الجانب من مأزقنا.  

الفهم الخاطئ للشريعة

أشبع الزملاء الكتاب هذا الموضوع طرحاً ونقاشاً وتحليلاً وتعرضوا إلى جوانب كثيرة منه بسبب أهميته، ومن أجل هذا لا أريد الخوض فيه كثيراً وتكرار ما قد تم طرحه سابقاً . إلا أنه قد بدا لي أن هناك منطقة شاغرة أو نقطة لم تأخذ حقها من الطرح والإيضاح وهي مبدأ الاستباحة المنتشر حالياً في الصومال ، وعليه سأكتفي به وأضرب عليه بعض الأمثلة وبيان ما يتعلق به لتوضيح خطورته على حياتنا كشعب يتعرض للمجازر من الأقربين قبل الأباعد .

أخطر ما لفت انتباهي في المأزق الصومالي الحالي هو ما تمارسه الفصائل الإسلامية المسلحة من احتكار لفهم الشريعة وإجبار الآخرين على فهمها والتبرير لكل ما يريدون فعله (انظر اشتراط الشباب في تكفير أحمد مدوبي كشرط مسبق لاندماج الحزب الإسلامي معها) وإن كان ما يعتمدون عليه أضعف دليل وأوهى فهم ، ونصب العداء لكل من رفض أو خالف فهمهم هذا وربما استباحته فيما بعد باللسان أو باليد ( كما حدث لضحايا تفجير فندق شامو يوم 03/12 ، وضحايا تفجير فندق بلد وين 17/05/2009، واغتيال عبد الرحمن حاج أحمد ولدير 17/01/2009 والحاج داود درر 19/10/2009 في كسمايو) ، وآخرين كثر في أماكن مختلفة من البلاد .


المفهوم الاستباحي والتبريري :

حين يضعف الإيمان لا يتوانى الشخص عن ارتكاب المخالفات الشرعية صغيرة كانت أم كبيرة ، وحينها يقل ورعه ويبحث عن المبررات لمخالفاته من الشريعة وبالتالي يصبح لاهثاً وراء الرخص التي ما إن تتوفر له ينشرها شرقاً وغرباً ، وفي حال عدم وجودها يبحث عن فهمه الخاص ويجتهد فيها وإن لم يكن صاحب اجتهاد .  فمثلاً عندما جاء الاحتلال الإثيوبي للبلاد أصدر العلامة الشيخ شريف عبد النور مع علماء آخرين فتوى في محاربة الغزاة ، ولاقت هذه الفتوى رواجاً منقطع النظير في أوساط الإسلاميين ونشروها بكل وسيلة وكانت نبراساً مهماً في القتال ضد الإثيوبيين.  وعند انسحاب الإثيوبيين وانتخاب الشيخ شريف رئيساً للبلاد خلفاً لعبد الله يوسف أصدر علامته فتوى أخرى توجب للشريف طاعة على الشعب الصومالي ، وأصدر علماء آخرون بتحريم القتال بين أبناء الشعب الواحد ونادوا باعتماد الحوار في حل المسائل العالقة ، إلا أن هذه الفتاوى لم تلق آذاناً صاغية لدى المعارضين بل وتم تجاهلها ورميها في سلة المهملات ، إضافة إلى اعتبار مصدريها غير ملمين بالواقع .    

ليس من الضروري هنا أن يكون الشخص التبريري ضعيف التديّن والالتزام ، بل قد يكون خلاف ذلك ، ولكن لديه نقاط ضعف في بعض النواحي من التزامه ، فقد يكون الشخص قوياً في العبادات وضعيفاً في المعاملات ، وآخر قد يكون عكس الأول،  وثالث قوي في العبادات ونزيه في المعاملات المالية ولكنه ضعيف في بعض الأخلاقيات ، وغيرهم ضعيف أمام المسائل السياسية ويترخص فيها وهكذا ، ولهذا قال الله تعالى في كتابه العزيز( يا أيها اللذين أمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) .  من هنا نفهم سبب تنوع أجوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة وهم يسألونه أسئلة متقاربة أو متشابهة ولكنه كان يرد على حسب حالة السائل ، فهذا يسأل عن أفضل الأعمال وآخر عن أحب الأعمال إلى الله وثالث يقول أوصني ، فتارة يقدم الصلاة في  وقتها وتارة بر الوالدين أو الجهاد في سبيل الله ويقول لآخر لا تغضب .

من الممكن إلمام هذه الجماعات بحفظ كثيرٍ من النصوص مما يُتوهم معه أنهم أهل علم ، ولكن الحقيقة أنهم يفتقرون إلى ما هو أهم من حفظ النصوص ألا وهو أدوات فهم النصوص وتوظيف هذه النصوص وتنـزيلها في مكانها المناسب وتطبيقها تطبيقاً صحيحاً على أرض الواقع مما يسميه علماء الأصول "تحقيق المناط" .  إذاً ليس هناك بالضرورة قلة العلم مع إمكانية وجوده ، وقد يكون هناك قلة الورع ، ولكنه حتماً هناك سوء فهم وانحراف فكري ، ومن هنا يولد التبرير .  فالشخص التبريري يستميت في الدفاع عن رأيه ورأي جماعته ولو بدا له ضعفه وأنه يخالف إجماع الأمة وعلماءها ، ولا يقبل الرأي الآخر أو المخالف مهما كان قوياً وصادراً عن أعلى المرجعيات ، بل يقوم بالسخرية منه وتسفيهه وأهله ، وربما يرميهم بالعمالة أو غير الواقعية وإذا دعت الحاجة والمصلحة يهدر دمهم لتخلو الساحة له ، إذاً إنها العصبية لجهة أو جماعة ما وإعلاء مصلحتها على المصلحة العامة .

عودة إلى الوراء

السؤال الذي يطرح نفسه هل هذه الظاهرة جديدة أم أن لها مثيلات في التاريخ الإسلامي؟ قمة مبدأ الاستباحة والتبرير وصله السبئيون في قتلهم لأمير المومنين عثمان بن عفان وضي الله عنه ، والخوارج في قتلهم الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فمن هو علي بن أبي طالب الذي قتله الخوارج تقرباً إلى الله ؟.

هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول من أسلم من الفتيان دون البلوغ ، أول فدائي في الإسلام ( في الهجرة ) ، زوج ريحانة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحب بناته إليه فاطمة ، أبو سبطي الرسول صلى الله عليه وسلم وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين ، رابع الخلفاء الراشدين وخليفة المسلمين وأمير المؤمنين عند اغتياله، بدريٌّ إلى جانب حضوره المشاهد كلها وصاحب المواقف المشرفة في معظمها ، واحد من العشرة المبشرين بالجنة ، بطل فتح خيبر وحامل لواء المسلمين يومها وقاتِل بطلها مرحب اليهودي ، يحمل شهادة بأنه يحب الله ورسوله وأن الله ورسوله يحبانه ، وشهادة بأنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق ، وأنه من النبي صلى الله عليه وسلم بمنـزلة هارون من موسى إلا النبوة .

كل هذه الأوسمة اللامعة والألقاب الرفيعة مجتمعة وأخرى كثيرة لم نذكرها لم تشفع لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولم تحمه من الاعتداء الذي أودى بحياته فجر يوم السابع عشر من رمضان عام 40 هـ ( لاحظ اختيار التاريخ ) ،  مع أن الصفة الأولى "الإسلام" وحدها كافية لأن تعصم دمه من ذلك الاعتداء .  مع كل هذه الصفات الجليلة قتله الخارجي عبد الرحمن بن ملجم تقرباً إلى الله تعالى لأنه حسب زعم جماعته قد كفر بالله العظيم وأن في قتله راحة للعباد والبلاد "فكيف لهذه الصفات أن تجتمع مع الكفر والردة" ، في حين رأت هذه الجماعة أن قاتل علي قد حاز شرفي الدنيا والآخرة ، ولذلك كان ابن ملجم هذا حين ضرب علياً يعتقد جازماً بأنه ينفذ حكم الله على مرتد وكان يقول " لا حكم إلا الله " وشاعرهم ابن حطان قال في مدح قاتل علي


يا ضربة من تقيٍ ما أراد بها                  إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوماً فأحبه                         أوفى البرية عند الله ميزانا
عندما يعجز الدليل عن الإقناع والترياق عن العلاج والماء عن الإرواء فحتماً هناك مشكلة عويصة ، ولكن المشكلة ليست في النص ولا في الترياق ولا في الماء ولكن مع من يتعامل معها ، هذا الشخص الذي لا يعرف النص أو لا يقتنع به أو يلوي عنقه ، ولا يستجيب للعلاج ، ولا يرتوي بالماء لكونه مصاباً بداء الهيم .  المشكلة في عقل هذا الإنسان ووعيه السقيم وفهمه المعوج المنحرف والذي لا يبحث أحياناً كثيرة عن الحق ليصل إليه بل يبحث عن مصلحة جماعته ثم يطبق القاعدة الجهنمية القائلة "الغاية تبـرر الوسيلة" .

وإلا كيف لنا أن نفهم هذا المشهد وكيف لنا تفسيره وتحليله ؟ عندما يصبح حامل هذه الصفات كلها مرتداً وكافراً يجب قتله ولمصلحة العباد والبلاد ، وقاتله يحوز شرفي الدنيا والآخرة ويصل إلى رضوان الله ، فهل الرسول صلى الله عليه وسلم بشر مرتدّاً بالجنّة وأخبرنا أن مرتداً يحب الله ورسوله ، وعليه فإن الرسول ينطق على هواه وليس وحياً يوحى إليه من عند الله ،  أم أن الله ما كان على علم بما سيؤول إليه حال علي تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

بمراجعة بسيطة لأحد علماء الأمة والتي لا تكلفهم إلا دقائق أو سويعات من الوقت كان كافياً لهؤلاء القتلة أن يتجنّبوا هذه الجريمة النكراء طبعاً إذا كانوا باحثين عن الحق، ولكن لهم في كل زمان ومكان متعالمون غير علماء الأمة يفتون على هواهم ما هو ليس بعلم ويفهمون الحق كما يحلوا لهم .  وعليه إذا كان قد مرّ مثل هذا الفكر في تاريخ الأمة وقام بتلك الاغتيالات في صدر الإسلام ، فما المانع من أن يتكرر في أزمان وأماكن مختلفة ، وما المانع من الاغتيلات التي نراها اليوم في الساحة الصومالية طالما  الفكر نفسه موجود .

طبعاً ليس شريف علياً ولا المعارضة الصومالية خوارجاً ، ولكن لدم شريف ودم أعضاء حكومته حرمة لا تقل عن حرمة دم علي كونهم مسلمين وهو ما لم ينكره إلا خصومها ، وكذلك المعارضة ليسوا خوارجا يستباح دمهم ، و لكن هنا ليس من المهم أن تتكرر نفس الأسماء التاريخية ولكن المهم هو وجود الفكر نفسه والنهج .  بمعنى أن الفكر نفسه الذي قتل علياً وعثمان وغيرهم هو الذي ينتشر حالياً في الصومال ، ويقتل كثيراً من أبنائه بدعاوى مختلفة لا حصر لها ، ليس فقط المعارضين لهم ولكن حتى أعضاءها "الشباب" الذين أبدو التذمر حيال أفعالها التي لا تتوافق مع الإسلام ، فمثلاً قد تمت تصفية مختار إسحاق معلم قبل سنة ونيف بعد انتقاده لكثير من تجاوزات الحركة ، و أ. م . عاد من المهجر وانضم إلى الشباب وأخيرا هرب إلى خارج البلاد بعد محاولة تصفيته لنفس السبب والآن يقيم في دولة أقريقية ، وهذان للمثال فقط ولكن القائمة طويلة .

الشباب على خطى الخوارج

ليس خافياً على أحد التشابه الكبير بين تصرفات الخوارج قديماً وما تقوم به الآن حركة الشباب المجاهدين في الصومال ، وأترك لك أيها القارئ الكريم أن تستظهر هذا التشابه بنفسك ، وأما أنا فسأكتفي بثلاثة منه فقط  :

-       فالشيخ شريف كان بالأمس القريب زعيم المحاكم الإسلامية وأميرهم بالبيعة أمام الملأ ، ومن أجل موقف سياسي اقتنع به الرجل بالتفاوض مع الغرب والحكومة الانتقالية السابقة أصبح عميلاً ومرتداً كافراً مستباح الدم ومهدور الكرامة هو وأعضاء حكومته جميعاً ( تذكر أن الخوارج كفروا علياً رضي الله عنه بموقف سياسي عندما قبل مسألة التحكيم ) .

-       أحمد محمد إسلان "أحمد مدوبي" كان في أيام المحاكم من صقورها  "فرع رأس كامبوني" ، وهو إلى جانب آدم عيرو رحمه الله مهندس استيلاء المحاكم الأول على كسمايو من زعيم الحرب بري هيرالي بقصة محبوكة ، وبعد انهيار المحاكم تعرض لقصف أمريكي أسر على إثره واعتقل في اثيوبيا وذاق المرارة في سجونها، وأخيراً عاد إلى كسمايو بعد أن فك الله أسره وهي في حوزة الإسلاميين ، واستقبل استقبال الأبطال الفاتحين .  وبمجرد أن طالب الرجل بحصته من "الغنيمة" ومشاركته في إدارة الإقليم والإمارة ، أصبح بين ليلة وضحاها عميلاً وجاسوساً ومرتداً مستباح الدم وها هو اليوم يتلقى الضربات الواحدة تلو الأخرى من أصدقائه وزملائه السابقين .

-       اجتمع علماء الصومال في مقديشو وأصدروا بياناً يؤكدون فيه أن حكومة الصومال مسلمة ولا يجوز استباحة دمائها وكذلك المعارضة مسلمون ولا يجوز استباحة دمائهم ، ووافقهم على هذه الفكرة علماء العالم الإسلامي .  عكس ذلك تماماً أصدر الشباب وأحياناً زعامات من الحزب الإسلامي بياناً بكفر الحكومة، بل وكفر من يشكك في كفرها ، "هل يقصدون العلماء"؟ (قمة الاستباحة المعاصرة).

هذا الذي يجري الآن في الساحة الصومالية من اغتيال وتكفير وهدر للدماء باختصار هي صورة مكررة من تصرفات تلك الجماعات الغابرة التي مرت في تاريخ الأمة ، وسببها قصور علمي متفشٍ وسوء فهم مركب وانحراف فكري خطير ، وأكثر من ذلك كله فهم غير مستعدين للخروج من هذا المنـزلق وتصحيح ومراجعة مسارهم ،  لأنهم متقوقعون فيما بينهم فقط وباقي الأمة لا تفهم وغير واعية لما يجري وهو الغرور الذي حذرت منه الشريعة.  وعلى العلماء أن يكسروا حاجز الصمت الذي هم فيه والنـزول إلى الساحة وتوضيح الحق في ما يجري في البلاد وقيادة المعركة الفكرية ، ومهمتهم لا تنتهي بإصدار بيان أو بيانين .

وأخيراً نسأل ما الهدف الذي تريد أن تصل إليه حركة الشباب ؟ فإذا كانت تريد تصفية والانتقام من كل من خالفها في الرأي سواء أبدى معارضته هذه أم لا فهذا سهل ولها أن تمارسه كما تشاء ، ولكن فلتعلم أنها سقطت من أعين الشعب وسقوطها من الساحة ليس بعيداً ومصيرها كمصير الخوارج .  أما إن كان هدفها إنقاذ الشعب والبلد من براثن الفوضى كما تزعم فهي بعيدة عن الطريق كل البعد وعليها تغيير سلوكها ولتتب إلى الله وتتصالح مع نفسها قبل شعبها قبل فوات الأوان.  وليتأملوا في هذه الآية الكريمة كثيراً (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) .                                                        وللحديث بقية

تعليقات حول الموضوع

Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى