|
مقالات -
مقالات سياسية
|
|
Written by عثمان عبد الله فريد
|
|
Thursday, 27 December 209 00:00 |
إن الحياة هي العمل، ووباء العمل القنوط الحياة بلا عمل كشجرة بلا ثمر، كبئر بلا ماء، كبيت بلا مأوي، فالعمل روح الحياة ووقودها، وهو راشدها أو مقويها. بوجوده توجد الحياة وبتوقفه تتوقف الحياة، به تكون الحياة حياة، وبه تعمر الكون، به يسعد الإنسان أو يشقى، وبه تتقدم الأمم أو تتخلف. به يعرفك الناس وبدونه ينسونك، فهو مفتاح الحياة ومالكها.
يقول عبد الكريم بكار في كتابه (50 شمعة لإضاءة دربكم) " الحياة صندوق مغلق، ونحن جميعا في حاجة إلى معرفة ما فيه، وليس له سوى مفتاح واحد، وذلك المفتاح هو العمل". فالكون وما فيه بما فيها الأشجار والأحجار وكل الجمادات فضلا عن الأحياء في عمل يسبحون، وبمهام لا يعلمها إلا خالقها يؤدون.إن غاية الحياة هي ما بعد الحياة والعمل ظاهره وباطنه هو همزة الوصل بينهما فإذا ذهب العمل ذهبت الحياة وذهبت معها غايتها.والخالق لم يوجد الحياة إلا للعمل " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" والعبادة تشمل كل علاقات الإنسان بالكون والحياة عملا كانت أو عبادة على الوجه الذي يرضي الرّب سبحانه.والعمل المقصود هنا ليس محددا بحد ذاته فسواء كنت راعيا، نجارا، مدرسا، سائق قطار، داعية، قائدا،....فالمهم هو أن تعمل، لأن هذا هو معنى حياتك، ولأن عدم وجود عمل لدى الإنسان دنيوي كان أو أخروي هو إنكار للحياة كلها وهو أمر يساوي الموت.إن العمل في الإسلام يحمل شرطا واحدا وهو إرضاء الله عز وجل لأن أي عمل ليس على المنهج الإلهي نسميه عملا شيطانيا وهدفه هو إشباع الرغبة، وعلى قراره تتحول الحياة كلها حياة شيطانية فيضل صاحبه ضلالا مبينا. فلا بد من الربط بين العمل والإيمان في المفهوم الإسلامي قال الله تعالى " فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون" فعلى المسلم أن لا يقوم بأي عمل إلا بعد معرفة حكم الله فيه لأن الله سيحاسبه من كل عمل وفعل خيرا كان أو شرا " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" وليس معنى ذلك أن المسلم مقيد بقيود من الأحكام الشرعية من جميع الاتجاهات فلا يتحرك إلا بدليل شرعي كأن الأصل في الأشياء الحرمة، فالأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل تحريم فيه قال الله تعالى"هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه... " وقال " وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه... " فالله أباح للإنسان كل ما في الوجود واستثنى من ذلك أشياء حرمها وهي قليلة جدا إذا قيست بالمباحات وذلك لما فيها من أمراض وخبائث ليست لصالح الإنسان، فالله أدرى بمصلحة الإنسان منه "... ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث... " .
إن العمل يبدأ مع بداية الحياة وينتهي مع نهايتها، فإنك ترى الطفل في صغره يتحرك ويزحف ويمد يده هنا وهناك وكل هذه التحركات مقصودة عند هذا الصغير ولا يعلمها إلا الله فما دام في هذا الجسم الصغير حياة فلا بد أن تكون هناك حركات وعمل ليكون لحياته معنى، وليعلم غيره أنه حي، فيكون هذا العمل مستمرا مع الحياة في سني عمر الإنسان ، مع تغير معنى العمل عند هذا الإنسان عبر مراحل حياته وعبر تغير مهنه ، حتى يخرجان عن الدنيا وينتهيان معا وفي آن واحد قال عليه الصلاة والسلام " إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل " فهو عمل لا يحدّه عمر، ولا يمنعه ظرف ما دامت الحياة موجودة. كلنا نعرف أن وراء كل عمل حصاد والهدف من أي عمل هو الوصول إلى هذا الحصاد فأنت تعمل وتبذل وتصبر من أجل هذا الهدف حتى يأتيك يوم تحصده بثمره فتنسى ذلك اليوم كل ما مرّ بك من تعب وجهد لوصول هذا الهدفوالوصول إلى هذا الحصاد يتطلب منك معرفة ما يأتي:- المطلوب منك كمسلم هو العمل وليس الحصاد أو النتيجة " إن عليك إلا البلاغ " فالله سبحانه سيسألك يوم القيامة عن العمل وليس النتيجة فهي من عنده إن شاء أوصلك إياها وإن شاء منعك منها مع كل الذي بذلته من جهد لسبب تعلمه أو لا تعلمه إلا هو.- لا تجعل مكانا للقنوط في حياتك " إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا " فلا تتخيل في نفسك عجزا ولا تتوقع إلا خيرا ، ومن فلسفة عبد الرحمن الكواكبي " واعلم أن القضاء والقدر هما عند الله ما يعلمه ويمضيه وهما عند الإنسان السعي والعمل " فإن القنوط أو اليأس وهو - انعدام الأمل بالوصول إلى الهدف - هو بعينه وباء عملك هذا أي نوع كان عملك.
لماذا القنوط أصلا إذ لا يوجد شيء مستحيل في حدود الحياة الدنيوية، إن أية بغية تريد تحقيقها تحتاج منك شيئا واحدا فقط هو الصبر وهو سلاح ضد القنوط وأقصد هنا صبرا بلا حدود غير مقيد بأيام أو شهور أو سنين. تذكر دائما صبر أيوب وتذكر بعد كم سنين تحققت رؤى يوسف عليهما السلام، فمشكلتنا أننا نستعجل النتائج و ننظر نتيجة الصبر تحت إطار محدد من الزمن.إنك ما ترى كثيرا داعيا يدعو الناس إلى دين الله باستمرار فهو مرة يحاضر هنا ومرة يخطب هناك وأخرى يلقي خاطرة هناك لكنك مع الأيام أو الشهور أو السنين تراه يلزمه الفتور رويدا رويدا حتى تجده أخيرا كأنه ليس هو الذي كنت تعرفه بالأمس.وترى آخر تتداعى عليه المصائب الواحدة تلو الأخرى فتجده عند البداية يدعو الله ويتمسك به وتراه يلتزم بدينه ويجاهد نفسه، ومع الأيام أو الشهور تراه يحار ويتردد في أمره وترى القنوط يزحف إليه زحفا حتى يخرج عن الإطار المحمود، دون أن يعرف أن الله لم يخلق عباده ليعذبهم ودون أن يحسن الطن بربه " ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم " ودون أن يعرف قواعد التعامل مع المصائب في ديننا من أدعية وصبر وغيره ..إن العمل والصبر هما أساس الحياة عليهما تقوم وإليهما تنتهي والقنوط لا يدخل حياة فرد إلا إذا فقد الصبر ولا يفقد الصبر إلا إذا فقد الإيمان قال الله تعالى" قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا
|
تعليقات حول الموضوع