الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
ترددتُّ كثيراً قبل هذا Print E-mail
مقالات - مقالات سياسية
Written by عبد الرحمن الذاكر   
Wednesday, 23 December 2009 00:00

ترددت كثيراً.. هل أكسر قلمي، فإن السيف تكسر في الفتن.. وهل أمكّن القاتل من رأسي، فأكون المقتول ولا أكون القاتل!.. ترددت على ذلك إلى حين، وأخيراً، اهتديتُ إلى أن يكون القلم هو الآخر قاهرا للظالمين، يرفعه الكتَّاب من فوقهم، ومن تحت أرجلهم، كما يجعلون المدافع والرشاشات من فوقهم، والألغام من تحتهم.

منظر هو جزء من سلسلة مناظر مروعة، سيناريوهات طغى تكرارها هذه الأيام على الساحة الصومالية؛ ليست بالجنوب فقط كما اعتادها الناس دائما، بل اليوم قد أظلت بسربالها على منطقة بونت لاند والتي كان الناس يحمدونها بشيء من الأمن والاستقرار.

الأحداث التي تتكرر كل يوم تقريبا على أعيننا وآذاننا، والمتمثلة بالانفجارات والانتحارات، هي الأسلوب الذي يلوذ له كل من تعاني نفسه من الجبن والسفه.

لقد استحيى قلمي أن يبادر بالكتابة، كتابة هذه الأحداث الظالمة، وأخذ يتلمس الأعذار، ويقول لي: "إنها فتنة، القاعد فيها خير من القائم". رأيته يتمتم بحبره، وقد أضفى الورق بدموع حمراء: "قُتل وزير التعليم العالي، ووزير التربية، ووزيرة الصحة، ضربة تشخص لها القلوب والأبصار، فتواصل خط الإجرام إلى تفجير دوريات الأمن في بوصاصو، ثم ما لبث يتواصل إلى أن دسّ الموت لرئيس برلمان بونت لاند في جرووى، إلا أن أجله لم ينقض، أحداث وآلام من عيار ثقيل تدعوا إلى حيرة عظمى، أحداث أصابت من أمل الأمة بمقتل".

ليس في قاموسي كلمات أستطيع من خلالها أن أعبر بشاعة ما يجري في مقديشو، وما يحدث أيضا في بونت لاند من أصناف التخريب وهتك الحرمات والتعدي على الأبرياء.

لقد لجأتُ إلى الصمت عن الكتابة من شدة التردّد، ولا شك أنني رأيت سابقا أن في هذا الصوم صحة، بدلالة "صوموا تصحوا"،  إلا أن القلم –من إبائه- يأبي أن يجف حبره، أو يتوارى عن استغاثة الضعفاء والأرامل والأطفال والمرضى والنازحين والأبرياء، حيث جُعلت قذائف المدافع والهاون فوقهم كأنها ظُلة، فعزمتُ أن أجعل القلم من رؤوسهم كأنه البتار.

أبت نفسي، بعد أن خلعتُ ثياب التردد، أن تستحلي بملذات الدنيا صامتة، وقادة الأمة ورعاتها يُستهدفون بأشنع أنواع الاغتيالات، كأنهم لا يساوون قيمة أحذيتهم البالية.

يساور في نفسي موجات من الشك؛ علّه ليس مصدرا من صومالي يحب لأهله الرقي والتقدم، لم يكن له ليرضخ رأس النمو، ولم يكن له أن يفعل كل هذا الاستفزاز، لم يكن له ليزرع كومات الأسى واليأس في قلوب المواطنين الأحرار، لماذا يفجر نفسه، لماذا يزرع الألغام ويقذف القنابل على الأبرياء؟.. وإن كان هو من بين أكبادهم، فلا شكّ أنه حامل لفيروس قاتل، وأن الأمة تدعوا عليه: قاتله الله".

يقول القلم، وهو يرتعش اشمئزازا: لقد استحييت أن أتتبع جذور هذه الجرائم التي ارتكبتها مشاعر مقرفة، ويل لمن ارتكبها، الويل له.

يسألني بعض أصدقائي وزملائي –السودانيين- عن ملابسات هذه الحوادث، فأتقنَّع عنهم خجلا، وأتولى وجلا، لا ألفي لهم رداً ولا قولا.

ليس استمرار القتال واغتيال الناس وأعمال الجبن والغباء دليلا على اليأس والإحباط، بل إن الفجر الباسم يأتي بعد أحلك ساعات الليل.

وكم في التاريخ من عبر، كم حدث تخريب، هرج ومرج، إبادات ومداهمات، فتن تموج كموج البحر، ويخرج الناس في النهاية من الظلام بعد اشتداده، وأحسب أن هذه النقاط الآتية ذكرها، قد تشارك في بناء فلك النجاة من الطوفان الطاغي:

- مراجعة الدولة حساباتها، وتدقيقها في تشخيص الخلل الأمني.

-  العدل في الأحكام القضائية؛ فحكم البعض بالإعدام وآخرين بالإفراج عنهم، مع مساواة التهمة وتداعياتها هو مايقضي بالأنظمة.

-  أخذ قرارات ماضية عن الأفراد أو المجموعات التي تقوم بإخلال الأمن، ونشر الفساد.

-  العدل في صرف مال الدولة ومواردها، وقد انتشر الظلم في هذا المجال؛ حيث تؤخذ الضرائب والجمارك والزكاة ونحو ذلك من المواطنين دون عوض يذكر.

- عمل الدولة لمصلحة الأرض والمواطن، لا لأجل "القات" وأكل أموال الناس بالباطل.

-  تشجيع الأمانة في الأداء، ومعاقبة المسؤول الذي يقوم بالخيانة أو يبيع أمانته بعرض من الدنيا قليل.

-  محاربة الفساد الإداري، وتنفيذ أحكام صارمة على المرتشين.

-  إرشاد المواطنين وتوعيتهم، ليتعاونوا مع رجال الأمن.

- تحقيق تطبيق الشريعة الإسلامية، والتي تحقق كل ما ذكرت، دون تخبُّط أوتعسُّف في تطبيقها.

-  إعمال الإعلام في صالح الأمة وأمنها، وإظهار روح البسالة في محاربة أنواع الفساد والإجرام، والمضيّ قُدما في تحقيق الرسالة وبلوغ الهدف المنشود، مهما كانت التحديات.

والله أسأل أن يرفع عن امتنا البلاء، ويأخذ الظالمين أخذ عزيز مقتدر.


*كاتب صومالي -نيالا - السودان

تعليقات حول الموضوع

Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى