|
الصومال..عنف بلا حدود (3) |
|
|
|
مقالات -
مقالات سياسية
|
|
Written by عبد العزيز عرتن
|
|
Tuesday, 22 December 2009 20:17 |
في الحلقة الأولى من هذه السلسلة ذكرنا شيئاً من دور الفتاوى المضللة وغير المسؤولة في إثارة الضغائن والأحقاد في ما يحدث في البلاد. وفي الحلقة الثانية قلنا إن سبب هذه الفوضى هي الفرقة ، أي أن الفوضى أياً كان نوعها هي الابنة البارة للفرقة. إذاً السؤال المطروح والمهم هو فمن هو أبو الفرقة ؟ بمعنى إذا كانت الفرقة سبباً للفوضى في البلاد، فما هي أسباب الفرقة ؟ في الحلقتين أو الثلاثة التالية سنذكر بعض الإشارات المتعلقة ببعض هذه الأسباب ، وخاصة السياسية منها ، بحيث أن هذه الفرقة سياسية بالدرجة الأولى ، ولا خلاف ديني بين الشعب الصومالي نهائياً . أسباب الفرقة السياسية :1- أزمة قيادة .2- الفهم الخاطئ للشريعة .3- الارتباط بأجندات خارجية .4- عدم قبول الحلول الوسط والتنازل للآخرين .هذه الأسباب متداخلة ومترابطة أو ربما بعضها نتيجة لبعضها الآخر، فعند عدم وجود قيادة للبلاد دينية أو سياسية تضبط الشعب على ما تراه أنه المصلحة وتمنعه من الخلاف والفرقة والتشرذم ، يسهل للبعض التصيد في الماء العكر ويفهم الشريعة على مزاجه ويلوي عنق مصالح الشعب على هواه ، مما يعرض الجميع للخطر بسبب تصرفاتهم . 1- أزمة قيادةفي حديثنا عن الفرقة مثلنا لأوضاع المسلمين في أيام الحروب الصليبية بسبب تفرقهم ، وكيف انتصروا على أعداءهم عندما تحقق لهم هدفان لم يكونا متوفرين أيام الهزيمة ، وهما تحقيق الوحدة على الأقل في إقليمين من أقاليم العالم الإسلامي الكثيرة ، وهما الإقليمان اللذان استهدفتهما الحملات الصليبية، والثاني بروز قيادات جديدة مختلفة عن التي تمت الهزيمة على يديها كعماد الدين زنكي وابنه نور الدين ، وصلاح الدين الأيوبي من بعدهما. عند التحدث عن النصر والهزيمة هناك عوامل تسمى عوامل النصر والهزيمة أي بتوفرها يُرجى النصر بإذن الله ، بينما غيابها يكون سبباً للفشل والهزيمة . هذه العوامل نوعان ، معنوية يتقدمها الإيمان ومادية تتقدمها القيادة ، أي أن القيادة من العوامل المادية بمثابة الإيمان من العوامل المعنوية.من هنا نفهم أهمية القيادة ودورها في حياة الأمم وانتصار الشعوب في جميع الميادين السلمية والحربية ، وبعبارة أخرى لا انتصار ولا تقدم بدون قيادة ، وليس كل قيادة بل قيادة رشيدة واعية تفكر وتخطط وتنفذ متوكلة على الله ومتسلحة بشرع الله ومدعومة من شعبها.وعلى كل من تبوأ قيادة الأمة أن يضع نصب عينيه تحقيق مصالحها والتنكر لمصالحه الخاصة المحدودة الدنيئة القصيرة ، وعليها أي القيادة معرفة هذه المصالح الدينية والدنيوية ، لأن عدم معرفتهم بها يجعلهم عدواً لها . إذاً هناك سببان يصرفان القيادة عن التصرف الصحيح في مصلحة الأمة وهما عدم المعرفة والدراية بهذه المصالح وعدم الإخلاص لها .وحتى نستطيع الحكم على أماكن الخطأ ومفاصل الخلل في تصرفات هذه القيادة الساعية في مصالحنا حسب زعمها ، نسأل ما هي أهم مصالحنا الحالية ؟ وهل هناك مصلحة متفق عليها وأخرى مختلف فيها ؟. أعتقد أن تحديد أولوية هذه المصالح يعتمد على ما هو محقق منها على الأرض ؟ وكذلك حسب أهمية هذه المصلحة أو تلك لحياة الإنسان ؟ . قبل كل شيء أرى أن الشعب الصومالي في هذا الظرف الحرج بحاجة ماسة إلى أمن واستقرار تنضبط فيه الحياة ، إلى جانب توفير لقمة العيش الأساسية ، ومن دونهما لا بلد يبقى، ولا شريعة تقوم ، ولا شعب يصمد أمام أعدائه ، ولا حياة تستمر وتستقيم ، لأن الحياة تقوم على هذين العنصرين بشكل أساسي .وهذه المصلحة أي الأمن والاستقرار تتساوى فيها حاجة الإنسان والحيوان إليها، والعاقل وغير العاقل ، والمكلف وغير المكلف ، والمسلم وغير المسلم ، إذاً فالأرض الجدباء، والصحراء القفر القاحلة ، والغابة المحروقة ، تنعدم فيها الحياة وتهجرها الكائنات الحية ، ومن الجنون أن نتحدث عن تنظيم الحياة فيها. كما هجرت قطاعات واسعة من أبناء الصوما من بلدهم . والإنسان غير الآمن وغير المستقر يصبح حتماً غير منتج دينياً ودنيوياً ، وإذا أنتج فهو غير متقن ، والحياة الكريمة تبدأ من الاستقرار ، وكذلك الإنسان الجائع لا يختلف عن زميله الخائف في شيء ، وجيش من الجوعى ليس لديه إمكانية الدفاع عن أرضه أو عن دينه ولا حتى عن نفسه ، بل يصبح عبئاً على الآخرين وافتراسه من الأعداء أسهل ما يكون.ومن أجل هذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله السميع العليم من عدم الأمن والفقر الشديد حيث كان يقول ( اللهم آمن روعاتنا ) ، (اللهم إني أعوذ بك من الفقر والفاقة) ، ولأهمية هذين العنصرين منَّ الله عز وجل على قريش بما أنعم عليها من تلك النعمتين ، وقال في كتابه العزيز (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ) ، وفي معناها وردت آيات أخرى من القرآن الكريم ، في حين ضرب لنا مثلاً قرية " مكة " سلب عنها نعمه عليها المتمثلة بالأمن الوافر والعيش الرغيد (وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) النحل 112. إذاً فالعقل السليم والفهم الصحيح يقضيان إعادة ذينك العنصرين إلى البلاد لتعود الحياة إلى طبيعتها ، وهو باعتقادي ما دفع شيخ شريف إلى عقد الاتفاقية مع الحكومة الانتقالية السابقة حينما كان زعيماً لتحالف إعادة وتحرير الصومال.وتأكيداً على هذا الكلام أضرب لك هذا المثل : إذا كان هناك بيت يحترق من البديهي أن تنصب الجهود على إطفاء النيران فيه قبل أي عمل آخر وقبل إجراء أي تحقيق في سبب الحريق ، وإذا كان هناك شخص يموت غرقاً فالموقف يتطلب إخراجه من الماء قبل معرفة ماذا ومن كان وراء غرقه ، وإذا كان غيره يموت عطشاً وجوعاً نقدم له ما يسد رمقه لإنقاذ حياته ، بينما إذا كان هناك جائع آخر ولكنه عريان نبدأ بستر عورته قبل إطعامه ، أما الذي يعاني من إصابات بليغة بسبب حادث ونحوه فنسرع به إلى المستشفى لإسعافه ، والتفكير في أي عمل آخر غير الأعمال الإنقاذية التي ذكرناها يعتبر ضرباً من الجنون .ما رأيك لو اختلفنا في إنقاذ هؤلاء ؟ وطريقة إنقاذهم ؟ ومن الذي سيقوم بعملية الانقاذ ؟ وهل الإنقاذ أولاً أم التحقيق في أسباب المشكلة ؟ فكم نكون سذجا في هذه الحالة. أرى أن هذا المثل ينطبق على المعارضة الصومالية التي تدّعي معارضة حكومة شريف بحجج واهية ، ولكنها فعلاً ما تعارضه ليس شريفاً وإنما هو إنقاذ البلد واخراجه من مأزقه علمت أم لم تعلم . ولا أدري إن تساءلت إن كان الوقت صالحاً لمعارضتها هذه ؟ وهل الوقت وقت توحيد وتضافر الجهود ؟ أم وقت تفريقها ؟ وإذا كان بإمكانهم إفشال حكومة شريف وقبلها تم إفشال حكومتي قاسم ويوسف على التوالي؟ فهل ضمنت المعارضة الحالية إقامة حكومة تنجو من معارضة مستقبلية؟ وألا ينطبق عليها المثل القائل "كما تدين تدان" . لا أقصد هنا أن تنعدم المعارضة في حياة الأمم بل هي ظاهرة صحية ، ولكن أن تكون في وقتها وحجمها المناسبين.فالصومال يحترق منذ عشرين سنة ونيف ، مما يجعل أهله يلوذون بالفرار من جحيم حريقه، فرادى وجماعات ، وينقسمون إلى لاجئين في الخارج أو نازحين في الداخل ، فهل يُعقل أن إنسان لديه قلب مسلم وتفكير وطني وعقل واع أن يصب الزيت على النار في هذاالوقت ، ويدعو إلى استمرار المعارك ، إلى متى ..؟ وبأي وصف نصفه ؟ وبأي لقب نلقبه ؟ حسبنا الله ونعم الوكيل . والجدير بالملاحظة أن أمن البلاد كل لا يتجزأ من زيلع إلى رأس كامبوني ، وبالتالي افتخار المعارضة بأنها استطاعت تثبيت الأمن على أماكن سيطرتها ، بينما تزرع الرعب والخوف فيما هو خارج سيطرتها ليس في محله بل هولدليل على التناقضات والافلاس السياسي التي تعيش فيها . نعني بهذا الكلام ، أن على من يتصدى لقيادة البلد أن يتمتع بالفهم الصحيح للأمور ليضعها في نصابها . وأرجو أن لا يُفهم من كلامي هذا أن يتوقف أي نشاط آخر إلى أن يصبح الأمن في القمة والمعيشة رغيدة ، ولكننا نقصد أن تنصب الجهود ابتداء في هذين المحورين أكثر من غيرهم ، إلى جانب تربية وتعليم المجتمع ، وتقديم الخدمات له، وتصحيح العلاقات ، سواء العلاقة مع الله أو مع المجتمع وشرائحه المختلفة ، وبدون تصحيح هذه العلاقة يصبح العمل كله صيحة في وادٍ. وعندها يتم تطبيق الحدود على الرافضين لهذا التصحيح (راجع الأمن أولاً للدكتور أحمد الزهراني في الموقع نفسه).اختصار هذا الكلام هو اتباع أي قيادة في العالم سنة التدرج واعتماد قاعدة الأولوية في إنقاذ الأمم وتنمية الشعوب وبناء الحضارة . وكل قيادة تجاهلت أو تهربت من اتباع هذه الطريقة في أعمالها فإما أنها جاهلة عن طبيعتها وأهميتها ، أو غير مخلصة لما تفعله وتدعو إليه ولديها أجندتها الخاصة المرتبطة بالخارج .من أي مصنع خرجت القيادات الحالية :اسأل الكبير والصغير ، والمثقف والأمي ، والعلماء والعامة ، والنساء والرجال ، اسأل الجميع عن وضعنا ؟ فسيقرون أنه مرفوض وأنه من نتاج الحرب الأهلية التي دمرت البلاد ، ومن الواجب علينا التحرر من تبعاتها ، والطريق الذي نسير عليه خطأ ويعني استمرار المأزق الذي نعيشه ، وهو ما يريده لنا أعداؤنا . إذاً ما هو الحل ؟ سيقولون الحل يكمن في الوحدة ورمي الفرقة، أما السبيل إليه فهو إيجاد قيادة مخلصة تترفع عن مصالحها والمناكفات الشخصية وتضع المصلحة العامة فوق أي اعتبار ، والتنازل لإخوانها تجعله سبيلاً إلى ذلك. قيادة تعرف متى تحارب ومتى تسالم ، ومع أو ضد من تحارب أو تسالم ، ومن تقدم أو ترفض له التنازلات ، وبالتالي تستطيع جر البلاد إلى شاطئ الأمان . وغير هذه القيادة يجب التبرأ منها وكشف عوراتها للشعب .ولكن إذا كان العامة على هذه الدراية بالأمور ، هل يعقل أن الذين يتربعون على كرسي قيادة الأمة لا يفهمونها ؟ وكيف نفهم ضحالة الفهم السياسي لدى هؤلاء الذي لا يعدو كونه مناكفة ومعاندة الخصوم من دون النظر إلى نتائجها الخطيرة ولو كان فيها ضياع البلد . لكن السؤال كيف وصلت بنا الأمور إلى هذه القيادة التي لا ترعى في الحقوق إلاً ولا ذمة ؟.أثناء الحرب الأهلية في البلاد سادت وانتشرت ثقافة السطو المسلح ، ليس فقط على الممتلكات المادية والشخصية بل وحتى على الممتلكات العامة والمقدسات المعنوية، كإصدار الفتاوى الدينية التي تحرم أو تحلل أو تكفر ، واصدار القرارات التي تمس مصلحة البلاد ومستقبل الشعب ، هذه الفتاوى وهذه القرارات التي تصدر دون فهم ودراية كافية للواقع ولنصوص الشريعة ودون العودة إلى أهلها ، وبالتالي نحن في حالة اختطاف لزعماء الحرب منذ عشرين سنة ولو تغير شكلهم وشعارهم . وتم هذا الاختطاف في غفلة أو غياب أهل الحل والعقد عن الساحة وافساحهم المجال لمثل هؤلاء ، وفي مثل هذه الحالة من الطبيعي أن يضع الرجل غير المناسب نفسه في المكان غير المناسب له. وإطلاق عبارات جارحة من قبل هؤلاء في حق العلماء والنزهاء من المثقفين والسياسيين أصبحت شائعة على مبدأ "رمتني بدائها وانسلت" .وللحديث بقية
|
تعليقات حول الموضوع
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.