|
مقالات -
مقالات سياسية
|
|
Written by محمد طاهر روبله
|
|
Saturday, 02 January 2010 23:54 |
في صبيحة يوم 27 يوليو 2009 م توجهت إلى مطار جيبوتي الدولي في رحلة متجهة إلى مدينة هرجيسا في شمال الصومال ، والتي لا تبعد عن العاصمة الجيبوتية سوى نصف ساعة من الطيران، ويوما كاملا بالسفر برا حيث الطريق بين جيبوتي وهرجيسا غير معبد رغم أنّ المسافة لا تزيد عن 300 كم ، وحين صعدنا الطائرة وكانت درجة الحرارة في حدود 40 درجة مئوية في عزّ الصيف الحارّ في جيبوتي صدمنا بمدى الرطوبة المرتفعة في داخل الطائرة ، غير أنّ أبوابها كانت مفتوحة بحيث يمكن التنفس بغض النّظر عن درجة الحرارة في داخلها. وكان الأمر الغريب أنّ عدد الركاب أكثر من سعة الطائرة بأربعة أشخاص، وسألت المضيف كيف يتمّ التعامل مع هذا الوضع؟ ، وكان الأمر بالنسبة له عاديا جدا، فقال سنتصرف وفعلا تصرف بحيث ركب الأشخاص الأربعة الطائرة بدون كراسي ، والمشكلة لم تكمن فقط في زيادة عدد الركاب، بل كانت بعد إغلاق أبواب الطائرة من أجل الإقلاع ، إذ لم يكن في الطائرة أي نوع من التكييف، وكأنّنا في حاوية للمواد الصلبة ، وبدأ الأطفال يصرخون وهم في حضن أمهاتهم ، والكبار يمسحون العرق بطرف ملابسهم أو بمناديلهم ، أو يستروحون بقطعة كرتون من أجل التخفيف من الرطوبة العالية في داخل الطائرة، وقرأ المضيف دعاء الركوب وفعل خيرا ، وتمتمنا جميعا بالدعاء بأن يجعل عاقبة هذه الرحلة خيرا رغم المعاناة ، وكان بجواري سيدة معها ابنتها البالغة اثنا عشرة سنة تقريبا وكانت تجلس في حضنها إذ كانت من ضمن الأربعة الذين لم يحصلوا على كراسي في الطائرة، ويبدو أنّهم جاؤوا من المهجر في أوربا أو أمريكا، والبنت رغم كبر سنّها كانت تبكي باستمرار ، وتنظر إلى نافذة الطائرة، وتسألني بتكرار والدموع تملأ خذيها، والعرق ينساب من وجنتيها، وترمقني بعينيها وتقول بلسان حالها لا بمقالها ياعم هل بدأنا في الهبوط التدريجي؟ ولما نبتعد بعد بعض دقائق عن جهة المغادرة ، ولم يضعوننا في هذه الطائرة التي تنتمي إلى الحرب العالمية الأولى؟ وما دروا أنّني أنتمي إلى القرن الحادي والعشرين، قرن القضاء المفتوح ووسائل السفر المريحة سواء كانت في البرّ أو في البحر أو في الجو؟ وإذا كان حظكم أنتم الكبار السفر على تلك الخردة البالية فلم يتمّ إعادة عقارب الساعة إلى الوراء بالنسبة لي؟ . فقلت لها في صمت: أتدرين يا بنيتي : أنّ بلدك الأصلي ( الصومال) مقسم الأجزاء مستباح من قبل الأعداء، وأنّ بني جلدتك يتقاتلون قرابة عقدين من الزمان ولا يدري أحد إلى متى يستمرّ هذا الحراب الداخلي بين الإخوة الأعداء، وهل سمعت أنّ زهراوات الصومال استبيحت أعراضهنّ من قبل أعداء الصومال وأبنائه؟، وأنّ أترابك من بنات الصومال ينمن في غابات موحشة، أو كهوف مظلمة، أو يقطعن القفار القاحلة والفيافي المجدبة لا يلوين على شيء ؟ وأنّ أخريات منهنّ يبتن في مطارات العالم بحثا عن أمن مفقود في بلادهنّ؟ ، كما تطعم الحيتان في أعالي البحار بذور الصومال وأجياله الناشئة؟ ، وهل نما إلى سمعك يوما وأنت في ديار الغربة أنّ بلدك وبلد آبائك وأجدادك هو الوحيد من بين بلدان العالم الذي لا يتمتع بالسيادة حسب المفهوم التقليدي أو الأممي للدولة؟، وأنّ الكثير من بني قومك يتمنون لو يجدون ما يقلّهم عن هول الحروب والجوع والنزوع ولو على متن خردة تعود إلى الأزمان الغابرة، وأنّ الصومال بكبر مساحته وتعدّد ثرواته وطيب أجوائه ضاق أهله به ذرعا، ثمّ أي عصر تتحدثين يا بنيتي؟أعصر الحروب والدماء والخوف والرعب والنزوح والهجرات القسرية, وعصر إرهاب القراصنة وإرهاب الأباطرة وغزو الكبار على الصغار، وعصر الأيديولوجيات المتطرفة، واستباحة المقدسات ، والتشريع للاحتلال الغاشم لأراضي الغير.
هل تشاهدين بنيتي أفلام الرعب في الهوليود وأفلام الخيال الهندية؟ وهل كنت قادرة في العام الماضي -حين قام الكيان الصهيوني بحرب ظالمة ضد أهالي غزة -على تحمّل مشاهد أشلاء الأطفال والنساء والعجائز التي لا يطيقها الكبار فضلا عن الصغار؟.هل نما إلى سمعك يوما وأنت في ديار الغربة أنّ بلدك وبلد آبائك وأجدادك هو الوحيد من بين بلدان العالم الذي لا يتمتع بالسيادة حسب المفهوم التقليدي أو الأممي للدولة؟، وأنّ الكثير من بني قومك يتمنون لو يجدون ما يقلّهم عن هول الحروب والجوع والنزوح ولو على متن خردة تعود إلى الأزمان الغابرة، وأنّ الصومال بكبر مساحته وتعدّد ثرواته وطيب أجوائه ضاق أهله به ذرعا
صحيح يا بنيتي: أنّ عصرك عصر الفضاء المفتوح والقرية الكونية، وعصر الانترنت، وتقنية المعلومات، والتطوّر السريع للبنى الاقتصادية والعلمية، وعصر التكتلات الكبرى، والشركات العابرة للقارات والمتعددة الجنسيات، وعصر تهميش الدولة القطرية على حساب الأحلاف السياسية والاقتصادية، غير أنّ عصرك – كذلك- بنيتي: عصر المعاناة البشرية في كثير من أصقاع الأرض، وعصر زيادة الجوعى والمهجرين، والديمقراطية المنتقاة، والدكتاتورية المقنّعة، والحدود الجغرافية المزيّفة وازدواجية المعايير، والاعتداء على البيئة والأحياء الكونية إنسانها ونباتها وحتى على جمادها.
وقبل أن ننهي الحوار بدأت الطائرة في الهبوط التدريجي، وقطعنا الحديث حتى ننظر كم نبعد عن الأرض، وما إذا كانت الطائرة تهبط في المطار بأمان، وفجأة وجدنا عجلات الطائرة تلامس أرض المطار، وبدأ الجميع في الشكر والحمدلة على سلامة الوصول، وبعد أن فتحت أبواب الطائرة وهممنا بالخروج عبر سلّمها فاجأتنا رياح بادرة كادت أن تخترق الأجساد المبللة بالعرق، وكأنّنا خرجنا للتو من بركة سباحة، فقلت للبنت في طريقنا إلى قسم الجوازات في هرجيسا ستشعرين بالأمن مدة إقامتك هنا، وتجدين أمثالك هنا بعضهنّ يتعلمن في المدارس الخاصة والعامة ويحفظن القرآن الكريم، ويحافظن على القيم الإسلامية والأخلاق الاجتماعية ، وقد يؤانسنك ويمرحن معك، فاسأليهنّ عن وضع قومك بشكل عام، وما حديث القتال في جنوب البلاد مرّة باسم القبائل ، ومرّة باسم زعماء حرب علمانيين وتارة باسم زعماء حرب إسلاميين، وتارة أخرى بحروب وكالة للأعادي والأقاصي؟، واسأليهنّ إذا كان النزاع في العالم اليوم يقوم على أساس المصالح الاقتصادية والأيديولوجيات الدينية، والحدود الجغرافية فلم يتقاتل أبناء جلدتك وأواصر الأخوة الإسلامية، ورابطة العشيرة الواسعة تجمعهم، والجغرافيا الترابية والسياسية تسعهم جميعا؟.
*الكاتب محمد طاهر روبلي :خريج جامعة الإمام في المملكة ( كلية الشريعة) 1992 م
ماجستير في الفكر الإسلامي المعاصر - جامعة العلوم والتكنولوجيا - اليمنيحضر الدكتوراه في الفكر السياسي المعاصر - معهد الدراسات الأفريقية - جامعة أم درمان - السودان مؤلف كتاب : التعددية في فكر الحركات الإسلامية المعاصرة - دار الفكر العربي - القاهرة
من مواليد عام 1965 م في جيبوتي
|
تعليقات حول الموضوع