|
المثقَّفون..والثورة الرابعة في الصومال! |
|
|
|
مقالات -
مقالات سياسية
|
|
Written by أنور أحمد ميو
|
|
Sunday, 29 November 2009 04:04 |
منذ استقلال الصومال عام 1960م قامت في الصومال ثورات عِدَّة عصفت بالأجواء السياسية في البلد، وغيَّرت مسار رياحها وأحدثت تغيُّرات جذرية، لكنها – ولطبيعة الشعب – لم تنجح في الصمود أمام التغيرات الدراماتيكية التي حدثت في الصومال، أو أنهالم تُجن أيّ ثمرة منها !! ومن أهمِّ هذه الثورات:1- الثورة العسكرية 1969م : بعد أن استشرى الفساد الإداري في الصومال إبَّان الحكومات المدنية في عقد السِّتينيات قام الجيش الصومالي الذي كان قويًّا متماسكا بانقلاب عسكري أبيض (غير دموي) استلم خلالها مقاليد الأمور في البلاد، وحظر على جميع الهيئات والأحزاب والتَّجمعات المدنية، وفرض على الشعب المبادئ الاشتراكية (العلمية) ووعد بإصلاح الاقتصاد الصومالي الذي كان يعاني من تردٍّ مضطرد، لكن الذي لوحظ – فيما بعد - أن هذه الثورة فشلت في بناء الاقتصاد الصومالي بل تآكل الاقتصاد منذ أواسط السبعينات، واصطدم النظام مع الشعب حيث أعدم عشراتٍ من العلماء ولاحق بعضهم، وتعامل مع المعارضة بيد من حديد، واستخدم كافة أنواع القمع والديكتاتورية، الأمر الذي مهَّدت السبيل أمام انتفاضة شعبية عارمة أطاحت به مؤخرا.!! 2- الثورة القبليَّة 1991م: شكَّلت القبائل الصومالية جبهات مسلحة بهدف الإطاحة بحكومة سياد بري ، وفي نهاية المطاف نجحت في إسقاطه بدون إعلان أيَّة أجندة بديلة لحكم البلد، فاختلط الحابل بالنابل، واحتفظت كل قبيلة بما عندها من الأسلحة الأمر أدَّى إلى نشوب حروب وكوارث ومجاعات لم يعهدها الشعب في التاريخ في عام 1992م وهكذا فشلت كل جهود السلام والمصالحة بين الفصائل، وعُقدت أربعة عشر مؤتمرا للمصالحة في العواصم المحيطة بالصومال دون جدوى منذ عام 1991-2006م..!!3- الثورة الإسلامية 2006م : بعد أن يئس الشعب من هؤلاء الزعماء سماسرة الحرب، لجئوا إلى الإسلاميين فأسِّست محاكم إسلامية – على مراحل- واندُمجت فيما بينها عام 2004م فنجحت هذه المحاكم في إخراج زعماء الحرب من جنوب الصومال، وعاد الأمن والاستقرار في مقديشو لأول مرَّة منذ عام 1990م لكن هذه المحاكم لم تأت ببرنامج ناجح للخروج عن الأزمة في الصومال يتضمن هذا البرنامج عقد مصالحة شاملة مع كافة شرائح المجتمع من السياسيين والصوفيين والأعيان والحكومة الانتقالية المعترفة بها دوليا في بيدوا، بل هدَّدت بغزوها، فغزتها بالفعل فكانت النتيجة دخول القوات الإثيوبية في العاصمة مقديشو لأول مرة في تاريخ الصومال منذ قرون في ديسمبر 2006م!! فدمَّرت العاصمة مقديشو بالقنابل والمدافع والمورتر، وهُجِّرت سكانها..!! ولأجل اختلاف أيدولوجية الإسلاميين وتشعُّب أفكارهم انهارت المحاكم الإسلامية، وظهرت في الساحة أسماء جديدة، وفي نهاية المطاف انسحبت القوات الإثيوبية من الصومال لكن الطمع السياسي للإسلاميين أدَّي إلى عدم فتح مصالحة جدِّية فيما بينهم – رغم كلّ ما بُذل من جهود من قبل هيئة العلماء وشيوخ العشائر- فنشب الحرب بين شريف أحمد وحركة الشباب، ثم نشب الحرب بين الشباب والحزب الإسلامي، فاليوم نشاهد - بأمِّ أعيننا- حركة الشباب وهي تعقِّب أعضاء من الحزب الإسلامي في معاقلهم في أفمدو وطوبلي، وهم ينسحبون إلى الغابات في رأس كامبوني ، ويخططون من هناك حربا على حركة الشباب، وبعضهم جاوز الحدود مع كينيا !! فاللهم استر عيوبنا.!! وهكذا فشلت جميع الثورات، فماذا أنتم فاعلون أيها المثقفون الصوماليون؟، يا عقول الصومال، ويا ذُخر البلاد!! ماذا أنتم فاعلون.؟. الدَّور دوركم ..! ثورة التعليم العالي في الصومال: في الثمانينيات كان الحاصلون على شهادة البكالاريوس %7 من المجتمع الصومالي، وبعد انهيار الحكومة %12، وفي عام 1996م افتتحت أول جامعة في الصومال بعد انهيار الحكومة وهي (جامعة مقديشو) وهي أشهر من أن توصف، وقد وفَّرت لجميع المحتاجين للتعليم الجامعي فرص الدراسة الجامعية، ثم افتتحت (الجامعة الإسلامية) و(جامعة بنادر) التي يدرس فيها العلوم الطبيَّة، و(جامعة المحيط الهندي)، وفي بوصاصو – في الشرق- تمَّ فتح (جامعة شرق إفريقيا) التي تعدّ من أهمِّ الجامعات في الصومال، وفي الشمال الغربي توجد (جامعة عمود) وهي من أهمِّ الجامعات الصومالية أيضا، و(جامعة أيلو أمريكا) - متطوِّرة؛- و(جامعة هرجيسا) و(جامعة القرن) و(جامعة كيسمايو) في أقصى الجنوب وغيرها.. وقد افتتحت – مؤخرا- في مدينة بلدوين (جامعة بلدوين) ومن مؤسسيها الأستاذ محمد حاذو- خرِّيج جامعة إفريقيا في السودان - ومن هنا أحيِّيه على هذه الخطوة الجريئة الطيبة في افتتاح هذه الشُّعلة في وسط مدينة مضطربة أمنيا.!! أما فرص التعليم الجامعي في الخارج فحدِّث ولا حرج،!! فالجامعات السودانية واليمنية والسُّعودية والسُّورية والمصرية والماليزية والباكستانية والهندية تئنُّ بالطلاب الصوماليين بأعداد متزايدة سنويا، وتُخرِّج سنويا مئات من المثقفين الصوماليين وأفواجا من الجيل الجديد. عقبات أمام الترابط بين المثقفين الصوماليين: هناك عقبات أمام ترابط المثقَّفين الصوماليين فيما بينهم وإيجاد قنوات يعبرون عن أفكارهم عَبرها، وهذه الشبكة – أعني (الصومال اليوم) – في نظري- هي أوَّل رابطة فيما بين المثقَّفين الصوماليين، - وقد برزت نظيرات لها قريبا- لكن النَّقص هو أن مثل هذه الشبكات أصبحت تقتصر على الناطقين باللغة العربية دون غيرهم، أما عن العقبات فهي:1- خيبة الأمل لدى الصوماليين جميعا، بحيث يتصور كل مثقَّف صومالي بأن الأبواب كلها باتت مسدودة أمام إيجاد حلّ للمعضلة الصومالية، وخلَقَ هذا الشعور خيبة أمل عنده.2- تشعُّب الأفكار والإيدولوجيات عند المثقَّفين بحيث ينتمي كل مثقَّف صومالي إلى حركة إسلامية عريضة (عريقة) أو (حديثة) (!) بحيث لا يتجاوز حدودها، ويصبح أسيرها ومخلصها، !! ولا يوجد مثقَّف صومالي – سيما بالعربي – مستقلٌّ إلا نادرا؛ ففي كل عشرة من المثقَّفين يوجد اثنان أو ثلاث على الأكثر 3- المثقَّفون الصوماليون – في معظمهم - يجرون وراء مصالحهم الشخصية، فكل خرِّيج همُّه الأول والأخير هو كيف تجد عِيشة هنيَّة، ومكانا غير مخزىٍ ولا فاضح..!! لا يفكر في الأمور العامة والمصيرية، ولايغامر في دخول السياسة إلا لمصالحه الخاصة..؟!!4- التشرذم الواقع في المجتمع الصومالي بحيث ينقسم الصوماليون إلى (لاند) ـِّيين وتجمُّعات قبلية، فالتجمُّعات الصومالية في الخارج إما تجمُّعات قبلية أوَّلا أو حركيَّة ثانية..!!5- الانهيار الكامل للدولة الصومالية، و(فاقد الشيء لايعطي).!! تغييرات المثقفين في التاريخ:جميع المؤثِّرين الفاعلين في الثورات والتغييرات في العالم سواء في أوربا أو أمريكا أو في آسيا وإفريقيا كانوا من المثقَّفين، منهم فيدل كاسترو الزعيم الكوبي درس القانون في هافانا وعمل كمحام قبل أن يقود الثورة في كوبا، ومنهم ليوبولد سنغور الزعيم السنغالي الذي يعدُّ من أهمِّ المفكِّرين الأفارقة في القرن العشرين تعلَّم في فرنسا ، ومنهم نيلسون منديلا قائد جنوب إفريقيا المشهور بدأ البكالاريوس في جامعة فورت هار ثم فُصل منها لأنشطته، وتنقَّل في العديد من الجامعات ثم التحق بجامعة ويتواتر ساند لدراسة الحقوق، وهناك زعماء أفارقة تعلَّموا في أوربا وقادوا رياح الاستقلال في بلادهم. وفي السودان النخبة التي قادت استقلال البلد هم خرِّيجو الجامعات المصرية (نادي الخرِّيجين) الذي تزعَّمه الزعيم إسماعيل الأزهري أول رئيس للسودان المستقلّ عام 1956م. وفي الصومال أسُّس (نادي الخرِّيجين) في عام 2002م برئاسة الشيخ شريف – الرئيس الحالي - وقد أدَّت جهود هذا النادي – ضمن المجتمع المدني - إلى توحيد المحاكم الإسلامية ثم الثورة الإسلامية التي تحدثنا عنها قريبا..!! المثقَّف الصومالي .. رؤية من الدَّاخل: 1- المثقَّف الصومالي جزء من مجتمعه الأصلي ويتأثر به سلبا وإيجابا، فليس بيده الحلّ السِّحري للأزمة الصومالية، وليس هو معصوما مرسلا من عند ربِّ العالمين..!2- يتَّصف كثير من الطلاب الصومالين (المثقَّفين) بالسَّطحية في الرؤية – لو سمحتم لي- فإنني - من خلال متابعتي – واستقرائي (الطبيعي) - لكثير من التعليقات والحوارات والنقاشات لقرَّاء شبكتنا هذه – أو غيرها- رأيتُ – جُلَّها- عديمة الفائدة،!! فالمعلِّق ينظر إلى الموضوع بنظرة ضيِّقة جداًّ حسب فهمه!! بحيث يهدم ما جاء في المقال (كله) بحسب (كلمة واحدة) أو جملة قصيرة جدا ربما فهم على غير المراد منها،!! فيقيِّم المقال بأنه كذا وكذا، أو يتكلم عن شخصية الكاتب، ويوجِّه إليه أسئلة فارغة ليست في الموضوع، فتقييم المقال – أو التقرير- والنظر إلى توازنه وشموليته ومصداقيته يحتاج إلى دقَّة في الفهم، ورزانة في النظرة، وعمق في المعرفة،!! والناس متفاوتون في الموهبة الرَّبانية، ولا يوجد من يتَّصف بذلك من زملائنا إلا النَّـزْر اليسير،!! والسبب في ذلك – في نقدي الشخصي- الحماسية الطبيعية للعنصر الصومالي، وضيق الأفق، والمطالعة القليلة، وأنا – طبعا - من ضحايا هذه الأوصاف..!!3- لايهتمُّ الطالب الصومالي بالتحصيل العلمي أكثر، وإنما يبذل قصارى جهده في نشاطات طلابية (وهميَّة) ومبنيَّة على اعتبارات قبليَّة لاتعمل - في الواقع - شيئا،!! ولذلك أصبح إنتاجه العلمي، وأدائه الفنِّي، وقدراته المهنية ضعيفة للغاية، يقول أحد محرِّري بعض الشَّبكات (العربية - الصومالية) - في تقرير له - : " طلابنا .. يعانون من ضعف عام في التحصيل العلمي .. ففي بعض التقارير والمقالات كثيرا ما أَتعبُ في تحريرها وفكِّ طلاسمها لأتحوَّل من محرِّر إلى كاتب.."..!!قال: " فتأتينا أحيانا موادٌ خامة يتعذر الوقوف فيها على فقرة سليمة أو جملة مفيدة لنضطَّر إلى التأويل وإعادة الكتابة انطلاقا من السياق العام ،!. ويمكن إرجاع هذا الضعف إلى عوامل أهمها .. انشغال أكثريَّة الطلاب بأنشطة الاتحادات الطلابية المبنيَّة على الأسس القبلية والاهتمام بها على حساب الهدف الرئيسي وهو التحصيل العلمي" إهـ بتصرُّف، وكلامه هذا – طبعا -كان يعني به شريحة معيَّنة من الطلاب في بلد معيَّن لكن اقتباسي منه إنما هو لغرض التعميم ليس إلا.!!!4- ومما يزيد الطين بلَّة- كما يُقال- أن الأنشطة الطلابية في الأوساط الصومالية في المهجر تتَّصف بعديمة الفائدة، فالاتحادات والروابط والجمعيَّات مبنية على العشائريَّة والقبليَّة – وهي نسخة مصوَّرة عن أصل الأوضاع السياسية والاجتماعية في الصومال-!! فترى الرابطة الفلانية الصومالية - وهي رابطة إقليمية مبنية على القبيلة- تخرج من رَحِمها روابط أخرى.!! وإذا نظرت إلى جوهريَّة هذه الروابط الجديدة (المولودة) (!) ما هي إلا عشائر وأفخاذ من عشائر أعضاء الرابطة الأم، اختلفوا فتفرَّقُوا..! النتائج:1- عند المثقفين الصوماليين بيئة صالحة للتغيير، فكلُّ الثورات التي ذكرناها قد فشلت، والدَّور الآن للمثقَّفين، وكل تيَّار ستمرُّ عليه الفرصة مرَّة واحدة.!!2- لا أقول: إن المثقفين الصوماليين هم مثل أصحاب الثورات السابقة، وأن أداءهم العلمي والمهني ومماراساتهم الحالية ينذر بخيبة أمل، فنحن نحسن الظنَّ، ونرجوا من الله الخير والسعادة.3- لكن بسبب ارتباط المثقَّفين بثورتين رئيسيَّتين هما الحركيَّة الإسلامية والعشائريِّة القبليَّة فإن فاعليَّتهم - ونجاحهم تجاه الوطن- سَتقِلّ جدا، إذا لم يأتوا بتغيُّرات ومراجعات.!! 4- فإن قُلتَ لي: بعض الحركات الإسلامية لم تشترك في الثورات والصراعات فكيف تحكم على العمل الإسلامي بالفشل؟ أقول لك: لم تَسْلَم كلُّ الحركات الإسلامية في الصومال من الصراعات الداخلية والانقسامات والفشل الإداري، وإنما الفرق بين السلاح فهؤلاء يتصارعون بالسلاح والبندقية، وهؤلاء يتصارعون بالأقلام والأختام والتوقيعات والوثائق (!). التوصيات: 1- على المثقفين التفكير في أداءٍ أفضل لتنمية المجتمع الصومالي وتغيير البلد.2- على المثقفين المتعلمين بالعربية إتقان اللغة العربية وقواعدها من النحو والصرف والبلاغة والنقد، والإكثار من المطالعة في المكتبات العامة والخاصة والصحف والمجلات.2- على المثقفين عدم التأثُّر بالصراعات القبلية الجارية في الصومال، وأن يكونوا أصفياء منها كي يطهِّروا البلد.3- على المثقفين عدم التعامل بالجهويَّة والحركية والعشائرية، وأن يجعلوا معاييرهم – في التقييم وفي التوظيف في أيِّ مؤسَّسة مهما كانت - الكفاءة والأمانة، الكفاءة والأمانة، الكفاءة والأمانة، وإلا فلن نتقدَّم إلى الأمام.!! والسلام عليكم. * باحث وكاتب صومالي -الخرطوم
|
تعليقات حول الموضوع
طرح مميز جدا ،، وتحليل جميل ، يؤسفني ان اقول ان اكثر ملاحظاتك صحيحة
مشكلة السطحية وغياب الهدف ملحوظه وبقوة في ااكثر المقالات والردود، ولكن المشكلة الحقيقية برأي المتواضع تكمن في غياب الحوار فقلما تجد صوماليا (مثقف او غيره) ياخذ الامور بالعقل والاناءة بدل العاطفة ويجيد فن المناظرة الهادفة،، كما يجيد نقل الاخبار والقصص