|
مقالات -
مقالات سياسية
|
|
Written by الشيخ بشير أحمد صلاد رئيس هيئة علماء الصومال
|
|
Wednesday, 11 November 2009 03:28 |
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه . وبعد فقد أنزل الله الشريعة المحمدية رحمة بعباده وجعلها شاملة لكل ما يحقق لهم السعادة في الدارين ،ووضع لهم من الأحكام ما يضبط جميع أعمالهم في إطار الغاية العظمى التي خلقوا لأجلها ألا وهي العبودية لله سبحانه وتعالى . إن مشاعر الإنسان وأحاسيسه جزء مهم من كيانه ،بل إن التصرفات الظاهرة تأتي غالبا تعبيرا عن تلك المشاعر والأحاسيس ،لذلك لم تهملها الشريعة،بل أولتها المكانة اللائقة بها ،فصرحت النصوص الشرعية بأن القلب محل نظر الله ،وأنه إذا صلح صلح سائر الجسد،وإذا فسد فسد سائر الجسد ،وتضافرت الأدلة على التنويه بشأن أعمال القلوب ،أمرا بالمنجيات منها ونهيا عن المهلكات فيها . و إن من المشاعر(أعمال القلوب) التي أمر بها الشارع وأثنى على أهلها : الحب في الله والبغض في الله أو :الولاء والبراء ،وهو مقتضى من مقتضيات عقيدة التوحيد ،وله قواعده وضوابطه التي تحفظه من الغلو والجفاء،وهي مسطورة في كتب العقيدة ،قديمها وحديثها . وكما أن الشريعة حددت مفهوم الولاء والبراء في حيز المشاعر والقلوب ،كذلك حددت صور التعبير عنه في إطار تصرفات الفرد المسلم(الشعائر) ،حتي يكون متعبدا لله في اكتساب العمل القلبي المطلوب بالقدر المطلوب،ومتعبدا لله كذلك في التقيد بالكيفية المشروعة والمطلوبة للتعبير عن ذلك العمل القلبي،وإلا وقع في التحكم في الشريعة والتصرف فيها وتشكيلها حسب الأهواء ( الدينية) والميول العاطفية،وهذا هو عين ما يسمى بالابتداع في الدين،وهوأمر محظور شرعا،ومنصوص عليه في قول المصطفى- صلى الله عليه وسلم –في الحديث المتفق عليه : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي رواية لمسلم "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد". قال الحافظ ابن رجب- رحمه الله- في هذا الحديث: "وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام،كما أن حديث(الأعمال بالنيات) ميزان للأعمال في باطنها،فهو ميزان للأعمال في ظاهرها"(أنظر: جامع العلوم والحكم،الحديث الخامس). والحكمة في هذا التقيد بالشريعة فهما وسلوكا،(مشاعر وشعائر) أن العقل البشري لا يدرك تفاصيل ما يرضي الله وما لا يرضيه،كما يتعرض لمؤثرات تستميله نحو الإفراط أو التفريط،فيخلط الحق بالباطل والتدين بحظوظ نفسه ومصالح قومه،فتتغير صورة الدين ،ويتحول الولاء والبراء-مثلا-إلى عنصرية مقيتة وعنجهية مهلكة، كالتي عند اليهود،ويكون الدين مطية لتحقيق مآرب محددة لمجموعة معينة ،تريد العلو والفساد في الأرض،وترتكب هذه المجموعة جرائم تحت ستار الدين،من مثل:الظلم في سبيل الله، والجور لأعلاء كلمة الله ،والبغي على الناس ابتغاء مرضات الله ، وصدق الله حيث يقول: "ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن" (المؤمنون: 71) .ومن المواسم العظيمة التي تتجلى فيها(المشاعر والشعائر)الإسلامية،موسم الحج،الذي شرعه الله ليمارس المسلمون فيه عبادات متنوعة،قلبية ومالية وبدنية تحت شعار التلبية وعلى ضوء السنة التي نادى صاحبها-صلى الله عليه وسلم-بقوله: "خذوا عني مناسككم" (رواه مسلم) ، وذلك حتي لا تكون الأمور فوضى ولا تعبث الأهواء بالدين،ومما يؤكد هذا المعنى،أن إبراهيم خليل الله وباني البيت الحرام،لم يرجع إلى اجتهاده ليضع شعائر الحج من عند نفسه،وإنما التجأ إلى الله قائلا: "وأرنا مناسكنا "(البقرة :128) . ولقد أثار استياء المسلمين عامة وأهل العلم خاصة مطالبة بعض أقطاب الشيعة بإدراج بدعة(البراءة من المشركين)ضمن شعائر الحج ،محتجين بآيات البراءة من سورة التوبة،إضافة إلى النيل والوقيعة في علماء التوحيد والسنة ورميهم بما لايليق،فأحببت أن أنبه إخواني المسلمين،وبعد المقدمة المذكورة،إلى ما يلي: 1- إن من أصول البحث العلمي،جمع النصوص الواردة في المسألة وإدراك أسباب نزول الآيات وملابسات ورود الأحاديث حتى تكتمل الصورة وتظهر التفاصيل ويميز بين الثابت والمتغير وبين المحكم والمنسوخ،فورود مسألة ما في نص ما، لا يعني بالضرورة صحة جميع صورها وتطبيقاتها وإهمال أحكامها التكليفية؛فالصلاة وردت في القرآن ، ولكن (صلاة الرغائب) مثلا، بدعة،وهناك أوقات تحرم أوتكره فيها الصلاة . والصوم ورد في القرآن،ولكن صوم يوم العيد حرام،وبناءا على هذا: فإن البراءة من المشركين وردت في القرآن،ولكن الهتاف بالموت لفلان وعلان في موسم الحج بدعة منكرة ، لم ترد لا بصورتها ولافي زمانها ولا في مكانها.2- إن البراءة من المشركين ومن عقائدهم شيء،والبراءة من عهودهم ونبذها إليهم وتحديد العلاقة معهم،سلما وحربا شيء آخر،فالأول قديم قدم العقيدة،كما تدل عليه سورة(الكافرون)وهومن الواجبات العينية على الفرد المسلم ،وأما الثاني فيدخل ضمن السياسة الشرعية حسب مصلحة المسلمين التي يقررها أولو الأمر منهم ،ويدل على هذا الفرق، أن النبي صلى الله عليه وسلم حالف بعض المشركين،كما هو مشهور في كتب السيرة،وصالح قريشا في الحديبية،ثم حاربهم لما نقضوا الصلح،وهو،في كل هذه الحالات،بريء من المشركين ومن عقائدهم.3- إن البراءة المذكورة في أوائل سورة التوبة هي من النوع الثاني،أعني براءة العهود والعلاقات (المواقف السياسية) ،ويدل على هذا أمور: الأول : أن البراءة الدينية حاصلة منذ بداية الدعوة فلا معنى لإعلانها في السنة التاسعة من الهجرة،ولا داعي لإرسال من ينادي بها في موسم الحج . الثاني: صيغة الآية الأولى من سورة التوبة تدل على أن البراءة موجهة إلى(الذين عاهدتم من المشركين).يقول الشوكاني في تفسيره :" والمعنى : الإخبار للمسلمين بأن الله ورسوله قد برئا من تلك المعاهدة بسبب ما وقع من الكفار من النقض "(فتح القدير،2/477،دار الوفاء) فالمسألة تتعلق بالعهود والعلاقات السياسية، ولذلك اختلف أهل التأويل-كما يقول الطبري- في تحديد(المشركين) الذين تعنيهم الآية. (أنظر : تفسير الطبري ،6/301،دار الكتب العلمية،بيروت) . الثالث : الاستثناء الذي ورد ضمن آيات البراءة في قوله تعالى: "إلا الذين عاهدتم من المشركين ..."(الآية: 4)فإنه يناسب مجال العلاقات والمواقف؛لأنها تقبل التجزئة والتدرج،بينما مجال العقيدة والدين محسوم منذ اللحظات الأولى من الدعوة ولجميع المشركين بلا استثناء. يقول سيد قطب في موضوع هذه السورة: " قد تضمنت أحكاما نهائية في العلاقات بين الأمة المسلمة وسائر الأمم في الأرض". ويقول: "وقد تضمنت السورة في المقطع الأول منها- من أ ولها إلى ختام الآية الثامنة والعشرين- تحديدا للعلاقات النهائية بين المعسكر الإسلامي والمشركين عامة في الجزيرة"(ظلال القرآن،الجزء الثالث،دار الشروق). إذن، الأمر يتعلق بقرارات في السياسة الخارجية للمسلمين عامة،تتخذها الجهات المختصة،وليس هتافات جماهيرية للاستهلاك المحلي . 4- لو كانت البراءة من المشركين،ولو بصورتها في السنة التاسعة الهجرية، أمرا تعبديا،ولو بدرجة الاستحباب، فلماذا لم يبدأ العمل بها في عمرة القضاء ،مثلا ؟ وإذا قيل: لم يكن الظرف مناسبا لكون مكة تحت حكم المشركين، فلماذا لم يعمل بها أمير مكة (عتاب بن أسيد) في حج السنة الثامنة بعد فتح مكة ؟ . لقد أثار استياء المسلمين عامة وأهل العلم خاصة مطالبة بعض أقطاب الشيعة بإدراج بدعة(البراءة من المشركين)ضمن شعائر الحج ،محتجين بآيات البراءة من سورة التوبة،إضافة إلى النيل والوقيعة في علماء التوحيد والسنة ورميهم بما لايليق،فأحببت أن أنبه إخواني المسلمين
- لو كانت البراءة من المشركين شعارا في موسم الحج،وينبغي استمراره،فلماذا تركه النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ،في السنة العاشرة،ولماذا لم يعمل به الخلفاء الراشدون من بعده ؟وإذا كان مصطلح(الخلفاء الراشدون) يزعج هؤلاء القوم ولا يعجبهم،فالسؤال هو : لماذا لم يعمل به(الإمام المعصوم وأبو المعصومين وحجة الله على خلقه) الخليفة الراشد علي، رضي الله عنه وأرضاه؟ولاسيما أنه كان من حمل رسالة البراءة في موسم السنة التاسعة، وهو أدرى بمضمونها ومغزاها،فلما لم يفعل، دل ذلك على أن السنة هي الترك.6- وإذا نظرنا إلى مجموع الروايات المتعلقة ببراءة السنة التاسعة نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد أن نزلت أوائل سورة التوبة،بعث عليا ابن عمه ،جريا على عادة العرب في معاهدات الدماء والأموال(انظر:تفسير البغوي،3/6-7،دار الفكر) ليبلغ الناس مضمون ذلك،وهو: أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ،و أن لايحج بعد العام مشرك،ولا يطوف بالبيت عريان،ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فإلى مدته،ومن لم يكن له عهد فمدته أربعة أشهر،وقد شارك عليا في بث هذه الرسالة في الموسم صحابة آخرون منهم أبو هريرة،رضي الله عنهم أجمعين . (أنظر:السيرة النبوية لابن كثير،4/68-69،دار إحياء التراث العربي ) .هذه هي الرسالة،وهذا هو مضمونها،فهل فيها مظاهرات ومسيرات؟وهل فيها هتافات أو ترفع فيها صور ولافتات؟ وهل فيها صياح بموت أحد أو حياته ؟ .7- إن توظيف الشعائر الإسلامية للمصالح السياسية الضيقة أمر خطير؛لأن المصالح متقلبة وغير ثابتة،ونخشى إذا تحسنت العلاقة مع أمريكا ظاهرا- ولعلهاحسنة باطنا- وحلت مشكلة الملف النووي الإيراني،أن ينتقل الهتاف من الموت إلى الحياة ، ويشطب على لقب ( الشيطان الأكبر) بالخط الأحمر.
إنه لا ينبغي إطلاق الأوصاف والأحكام(حسب المزاج) فإذا أحببنا أحدا غالينا فيه وبحثنا له عن العصمة والمكان المناسب في شعيرة الأذان،وإذا أبغضنا أحدا اخترعنا له دعاء صنمي قريش وحشرنا اسمه فيه. 8- إن علماء التوحيد والسنة في بلاد الحرمين –ولا نزكيهم على الله- لهم قدم راسخة في فهم العقيدة ونشرها والدفاع عنها،ومؤلفاتهم في الولاء والبراء أشهر من أن تذكر، أما أصحاب( البراءة)المسيسة فلهم براعة في موالاة المشركين وأهل الكتاب،من سقوط بغداد الأول إلى سقوط بغداد الثاني ،فلما ذا يدعون ما ليس من شأنهم ولا من شيمتهم ؟!9- إن أوضاع المسلمين الصعبة،وتربص الأعداء بهم،أمر لا ينكر،ولكن مواجهة ذلك لا يكون بالمظاهرات والهتافات التي لا تقدم بل تؤخر،ولا تحيي بل تميت ،وإنما يكون باتخاذ أسباب القوة،الشرعية والكونية، وإحياء الأخوة بين الدول الإسلامية بالتعاون والتكامل وحسن الجوار ،وترك أسباب العداء من التحريش والتصدير والتثوير. 10- إن المشاعر المقدسة ، ورغم التوسعات المتواصلة والجهود المبذولة،لتكاد تعجز عن استيعاب هذه الأعداد الهائلة من الحجاج،وتحدث أحيانا اختناقات مرورية غير مقصودة،قد تؤدي إلى وفاة،فكيف بالمظاهرات والمسيرات،إن هذا أمر يستدعي من علماء المسلمين وعقلائهم موقفا حاسما،يحقن الدماء،ويصون الحرمات.والله من وراء القصد.
|
تعليقات حول الموضوع
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.