|
عيد.. بأية حال عدت يا عيد |
|
|
|
مقالات -
مقالات سياسية
|
|
Written by عبد الرحمن الذاكر
|
|
Tuesday, 30 August 2011 10:21 |
هذا هو الشطر الأول في أول بيت لقصيدة أبو الطيب المتنبي التي أنشدها معبّراً عن حالة عصيبة شخصية كان يمرّ بها، حينما ترك سيف الدولة الحمداني، عندما شعر المتنبي بأن وشايات الحساد قد ملئت قلب الحمداني بكرهه. غادر المتنبي حلب متوجها إلى مصر التي كان يتولى فيها الأمر الحاكم المملوكي كافور الأخشيدي. كان المتنبي يطمع حينها في منصب أو ولاية، فلما يئس من كافور عبّر عن لوعته بقصيدة استهلها قائلاً: عيد بأية حال عدت يا عيد بما مضى أم بأمر فيك تجديد أما الأحبة فالبيداء دونهم فليت دونك بيد دونها بيد أصبح البيت متداولاً للتعبير عن حلول مصيبة، أو للتعبير عن عدم الرضا بواقع الحال، والرغبة في التغيير نحو الأفضل. الصومال يشعر بالألم لكن ليس كألم المتنبي الذي يقتصر على قضية شخصية، الألم في الصومال كبير في هذا العيد، والكثير منّا يتسوّق هذا العيد ويشتري الملابس الزاهية، ويلهو ويفرح مع أهله وأحبائه، إلا أن هناك الملايين ممن حرم منهم هذا الزهو وذاك المرح.. الآلاف في مخيمات نازحين.. كيف يلعب طفل ترك شقيقه ميتا تنهشه السباع وذات المخالب، كيف يبتسم هذا الطفل الذي فقد أمه وبقي وحيدا والموت يهاجمه بسهام الجوع؟ لا جرم، فالمتنبي يريد منصباً، المتنبي يريدولاية، والطفل الصومالي يريد البقاء.. يريد الحياة! إن هذه الأزمة التي اجتاحت الصومال حرقت قلوب الرحماء، وزرعت فيها الشفقة.. يا عيد، وأنت تعود والألم ما زال عاكفا، يا عيد بالله أخبرني كيف رأيت أهلي في البوادي.. في الجفاف؟ كيف قابلتهم في القرى المنكوبة بالقحط.. بالجدب؟ كيف مررت بهم في المخيمات؟ أعرفك يا عيد أنك حللت ومخيمات النازحين تفتقر للحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة الإنسانية، إنهم الآن فقط يتلقون علاجاً مؤقتاً، مهدئا للصداع والصداع سيعود.. انتشار الفقر والمجاعة أصبحت غصة في حلق النازحين حالت دون اكتمال فرحة العيد، وتناحر الأطراف المختفلة بالبلاد هي الأخرى تجرّ لهم الويلات تلو الويلات. تعجّ وسائل الإعلام بأخبار الجفاف والمجاعة، وتحرّكات فاعلي الخير والمتبرعين نحو إغاثة المتضررين، وقد استوقفني أحد الهيئات الخيرية في الكويت واسمها "مركز وذكر"، وقد بعثت لكينيا لإغاثة المتضررين بخيم داداب، ثم تعرضت الأعمال الإغاثية للخداع والسرقة، وقد استرجعت الهيئة أموالها، وعادت للكويت دون توزيع أي شيء بعد تعرض طاقمها للتهديد والهجوم. وبما أن الهيئة أصدرت بيانا آخر تستدرك فيه بعض الأخطاء في بيانها السابق، إلا أن الأمر الذي استغربت هو أن الهيئة ذكرت في بيانها الأول ضرورة استرجاع الخيّرين صدقاتهم خلال فترة محددة.. خلال شهر.. حيث أنها لا تستطيع توزيع التبرعات في الصومال أيضاً: "فنحن لا نستطيع أن نتوقع ما يحدث لنا وللترعات إذا دخلنا إلى الصومال في ظل تلك الظروف الحربية ونحن لا نسمح لأنفسنا بأن نخاطر بأموال المسلمين". صحيح أن المعونات لا تصل للمتضررين الحقيقيين أحياناً، ولكن الخوف من دخول الصومال أمر فيه المزيد من التضخيم.. وعليه فإن هناك الكثير من الجمعيات الإسلامية والأشخاص البارزين الذين لا يزالون يقدّمون يد العون للمتضررين، ولا يتعرّضون للهجوم، بل يتلقون الترحاب بكرم متناه ومنقطع النظير من الشعب الصومالي. وبدل الخوف من المجهول كنت أقترح لهذه الهيئة الخيّرة وأمثالها أن تحاول الإقدام للصومال، وإذا أصابها مثلما أصابها في كينيا من احتيال وتهديد وهجوم فإنه سيرتسم للعالم أن هناك أطرافاً تحول دون وصول المساعدات لمستحقيها! يعني أننا نريد برهاناً، فهناك فرق بين الصومال وكينيا!. وأخيراً، فإن المشاكل متشعبة، هناك المشاكل الحقيقية وهي الجفاف والنزوح، وهناك المشاكل جراء تلك وهي الاحتيال والسرقة للتبرعات، ولا يمكن يوما أن تكون الأخيرة سببا لغلق باب التبرعات، أو قطع جسر الإنسانية، إذن لكنّا ساعدنا المحتالين بمهنتهم وغرضهم. لقد حزن المتنبي من كافور الإخشيدي واشتاق لسيف الدولة، وأنت يا صومال من المؤكّد أنك ستشتاق إلى السلام، ستشتاق إلى أيام عيد كنت أنت الملك فيها، أيام زمان! لقد عدت يا عيد، أضفِ فرحة على وجوه هؤلاء الأطفال، تسلل إلى طوابير الانتظار أمام توزيع المساعدات، أبعث في شفاههم الابتسامة، أنشر في وجوههم السعادة.. عيد مبارك لكم وللمسلمين جميعاً.
|
تعليقات حول الموضوع
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.