الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
عـلّمتنا االتجارب ( 3 ) Print E-mail
مقالات - مقالات سياسية
Written by محمد حديث شيخ عمر الفاروق   
Tuesday, 09 August 2011 18:54

ولله في خلقه شوؤن

تختلف عادات الناس وطبائعهم كما تختلف الوانهم وأشكالهم وافكارهم وهذه سنة ربانية أن يختلف الناس في كل شئ, فالبعض منهم لين مرن , قد تختلف معه في مسألة أو قضية من القضايا , ولكنّما في النهاية قد تتصلان إلي حل وتفاهم في هذه القضية ألتي اختلفت معه, وذلك لأنه مستعد معك لأن تصلا إلي تفاهم, وهناك صنف أخر من الناس لا يمكن أن تتفاهم معه أو تجعله راضيا عنك إلا إذا وافقت معه في كل شئ يقوله وتصفق له ما يردده .

وهاك صنف ثالث من الناس يمكن تسميتهم بمرضي القلوب إذا ختلفت معه في شأن ديني أوسياسي أو أي شئ ولم تصلا إلي نهاية متفق عليها تجده في اليوم التالي عندما تقابله في الطريق يصرف النظر عن وجهك وإن سلمت عليه فلا يرد عنك السلام لأنك لم تجامل معه في أرائه في هذه القضية بالتحديد .

واختلاف الناس في الأشكال والألوان واللغات وحتي في الطبائع والعادات سنة من السنن الكونية ألتي يعرف بها عظمة الله تعالي وقدرته  ولذلك قال تعالي :

 ( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ )         ( 1)

 ( 1)  وقال تعالي في سورة هود      ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا منْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ          ( 2).

وفي الحديث الذي يصور اختلاف الناس في الطبائع كاختلاف الأرض قال رسول الله صلي عليه وسلم "[ إن الله تعالي خلق أدم من قبضة قبضها من جميع الأرض , فجاء بنوأدم علي قدر هذه الأرض , فجاء منهم : الأحمر, والأبيض, والأسود, وبين ذلك , والسهل, والحزن , والخبيث والطيب ""] ( 3)

وسأروي لكم بعض التجارب ألتي مرّت عليّ كنماذج علي ذلك الكلام الذي قلناه عن اختلاف طبائع الناس  : جلست يوما مع شخص كنت أعرفه ورأيت منه الحلم والأناءة ورزانة الاخلاق كان هادئا لم يكن من عاداته أن يجاس في المقاهي علي رصيف الشارع كعادة معظم الصوماليين حيث أن لقاء تهم المفضلة لديهم وأحاديثهم الجانبية عادة ما تتم في الطرقات بالجلوس علي الكراسي في المقاهي علي جانب الطريق  ووضع الرجل علي الرجل الأخر, ثم يتناولون كوبا من الشاي أو القهوة, ثم يتجاذبون أطراف الحديث في المجالات ألتي يهوونها ومعظم المواضيع التي يناقشونها ويخوضون فيها هي الموضوع أوالشان السياسي في الصومال مثل أخبار خلافات الشريفين في الصومال وإلي أين إنتهي هذاالخلاف ! ؟  أو يحللّون ما سمعوه من أخبار في الإذاعات كإذاعة بي بي سي وصوت أمريكا , غير أن صاحبي ألذي أتحدث عنه ليس من هولاء فليس هو من هواة الجلوس في هذه الأماكن ألتي أشرنا إليها و وإنما اقابله فقط في الطرقات فأصافحه ويصافحني , ثم قد نتحدث بضع دقايق ثم ننصرف مع بعض .

 كنت جالسا في أحد المقاهي بعد العصر أتناول كوبا من الشاي, فدخل عليّ صاحبي فتصافحنا فجلس ثم سألته عن عدم مجئئه إلي هذه الأماكن ألتي يفضّل الصوماليون بالجلوس فيها ؟ فاجاب الرجل "" أنا لا أحب الجلوس في المقاهي لسببين إثنين : أولاهما لأن فيها مضيعة للوقت بشئ أو بحديث لا طائل من ورائه , وثانيهما أن الذين يجلسون إلي هذه الأماكن لا يمكن أن تتفق معهم علي شئ ولا أن تتفاهم معهم علي شئ لأنّ معظمهم ليسو أصحاب ثقافة وعلم قيجادلون في قضايا سياسية ولا يحسنون فهمها ولا كيفية التعامل معها !!.  فقلت له حسنا كلا مك صحييح ,انا أتفق مع هذاالرجل بأن معظم من يجلس هناك ويطيل فيها الجلوس بمناقشة قضايا سياسية أواجتماعية لا يفهمون منها شئا هم في الحقيقة الفارغون عن الأعمال ألذين نبذتهم البطالة إلي االشوارع بحثا عن شئ يقتلون به الاوقات أو عن شئ يجنبهم ويبعّدهم عن التوتر والقلق والهموم والأحزان الذي يسببه الفراغ والبطالة  وقديما قال الشاعر العربي :

إن الفراغ المال والحدة    مفسدة للمرء أي مفسدة .

ألامر الثاني هو أنّ هذاالرجل تجده منعزلا عن الناس فيمشي وحده في الطرقات ولا تجده يرافق أحدا, فحاولت أن اعرف السبب في إنعزاله عن الناس وفي عدم جلوسه في الطرقات فدخلنا الحديث في مجال سياسي فقال لي "" إن السر والسبب في هذه الحروب والنزاعات في الصومال هو أنّ الشعب الصومالي كان يعيش في فقر وجهل , وأن هذاالوطن لم تكن له موارد أو ثروات زراعية وحيوانية فهذا هو سبب هذاالشقاء الذي هم فيه اليوم""   عندما انتهي من كلامه قلت له معلقا علي كلامه : يا سيدي إن العكس هو الصحيح فالصومال كان غنيا بثرواته الزراعية والحيونية والبحرية أيضا , فهو يمتلك كل هذه الثروات, وكنا نصدّر الفواكه كالموز وبقية الفواكة إلي الخليج الغني بالبترول والنفط , فغضب الرجل وقال لي بلهجة حادّة أنت لا تعرف شئا وبدأ يتهمني بقلة المعرفة والخبرة والتجربة عن الصومال .

عند ذلك عرفت أن الرجل لا يريد النقاش والحوار وإانما يريد فقط أن اصفّق له ما يقول وكأنه يلقي لي محاضرة ودوري فيها هو الإنصات والإستفادة فقط منها وليسنا في حوار ونقاش .

وخلاصة القصة هي أنني اكتشفت السرّ في أن هذاالرجل لا يخالط الناس ولا يجالس معهم في طرقاتهم , والسبب هو أنّه لم يجد أحدا من الناس يوافق معه في كل شئ, ولذلك فهو يفضل العزلة عن الجميع , فمثل هذاا الطراز من المجتمع- وهم كثيرون -إذا أردت أن تصاحب معه فعليك أن تصغي إليه كل ما يقوله وتقبله علي الرأس والعين وإلا لن تستمر علا قتكما ومصاحبتكما وقتا طويلا .

     حذار من الحوار والسؤا ل !

ومما علمتني الحياة والتجارب به هو أنك إذاسافرت أو خرجت مع جماعة التبليغ والدعوة—     ( وهي جماعة لها جهود جبّارة ومشكورة في مجال الدعوة ,وقد قامت لإيصال صوت الإسلام إلي كل قطر وبيت في المعمورة كلّها )-- فلا تناقش معهم في مسألة ولا تجادل معهم , فالنقاش والسؤال ممنوع عندهم , فقد حدث أن سافرت من مدينة اسلام أباد إلي مدينة لاهور في عام 2001 م مع عدد من زملائي في الجامعة الإسلامية العالمية لحضور المؤتمر السنوي ألذي يعقد في مدينة رايون للدعوة والتبليغ , وبعد أن استمعنا إلي بيان لأحد المشائخ الباكستانيين , وعادة ما يكون تشكيل للناس بعد نهاية البيان , فدخلنا في حديث جانبي بيني وبين بعض الزملاء فقلت : إن الخروج في سبيل الله  من أجل نشر الدّين بين الناس واجب وفريضة دينبة , ولكن يجب أن لا نغفل أنّ تعّلم العلم الشرعي وتثقيف هولاء الدعاة وتبصيرهم لأمور دينهم يأتي في الأولوية قبل ذلك , وإلا فقد نفسد من حيث نريد الإصلاح , فالتفت إليّ رجل صومالي كبيرالسن وقال غاضبا وبنبرة حادة : أنت تصدّ الناس عن الدعوة في سبيل الله, وأنت من المنفرين الذين ينفرون الناس عن الدعوة قي سبيل الله, وإلا فكيف يعقل أن يصبح الناس جميعا علماء وفقهاء في الدين ! ؟ قلت له بنبرة هادئة : ياعمي ليس من الضروري أن يصبحوا علماء وفقهاء في الدين , ولكن علي الأقل المطلوب منهم هو أن تكون لديهم بصيرة وثقافة في المجال الذي يريدون أن يعلّمو ويدعوا الناس إليه فمثلا إذا كان يريد أن يدعوالناس إلي الصلاة فعليه أن يتعلم من العلماء أولا أهمية الصلاة , وشروطها وواجباتهاوكيفيتها , فغضب الرجل وبدأ بالسب والشتم عليّ وعلي والدي رحمه الله !! فعند تذكرت المثل الصومالي الذي يقول :                 nin xanaaqay laga badi  "" من غضب عند الجدال فقد غلب عليه "" فقلت له : يبدوا أنك  لم تجد حجة وسبيلا للدفاع عن موقفك غير السب والشتم   !!

المهم هو أنني تعلمت بعد ذلك درسا مهما لم أكن أعرفه قبل ذلك وهو أنك إذا كنت مع هذه الجماعة فحذار وحذار من النقاش والحوار والسؤال لأ نها مضيعة للوقت عندهم !!

                               وإلي لقاء أخر بإذن الله تعالي

محمد حديث شيخ عمر الفاروق

This e-mail address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it

تعليقات حول الموضوع

Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى