بعد انهيار الحكومة المركزية في الصومال, وبعد ان تلاشت المؤسسات والمرافق كلها, اصبحت السياسة والقيادة بيد المليشيات المسلحة بؤسس قبلية, و لكل قبيلة علي اقليمها بالتحديد, مما ادي الي صراع بين كل منطقة واخري طمعا في الزعامة والريادة, وتحول المفهوم السياسي الي مفهوم قبلي وعشائري, يكون القائد من ينتسب الي قبيلة رئسية, لا من يتمتع بالكفاءة العلمية والخبرات الدبلوماسية والأمانة الأخلاقية.
وفي القبيلة الواحدة نفسها, ظهر اكثر من قائد طامع في السلطة, وتحولت كل قبيلة الي عشائر تتصارع في النفوذ, مما خلق عداوات وحروبا لا تنتهي , فدارت حروب بين عيديد وعلي مهدي, الي ان وصل الحال اخيرا إلي النظام الا قطاعي الذي تجاوزت الامم والشعوب في العصور الوسطي, والذي كان الأمير الاقطاعي يمتلك القلعة والأرض والمزارع والمراعي والناس الذين يعيشون علي ارضه, ولذلك كان يسهل سوقهم الي المعارك اذا ما دعت الحاجة الي توفير الجند, كما فعل موسي يلحو ومحمد قنيرة, ومحمد طيرة, وعبد يقيديد, وغيرهم من امراء الحرب في مقديشو؛ لـكن كان من الممكن في مؤتمر عرتة ان يتدارك المثقفون, ان اسس القبلية لايمكن ان تعيد مجد الصومال ولا ان تخلق كيانا موحدا ومستقرا يتقاسم التطور والتقدم مع الدول والشعوب الاخري , والعجيب ان هولاء المثقفين الذين شاركوا هذا المؤتمر كرسوا القبلية ووزعوا المناصب الرفيعة وفقها, وأكثر من ذلك أدخلو ابجديات الدستور الي نظام قبلي قسم الشعب الصومالي الي ماعرف بنظام (4.5)! من المبحذ اذا ,ان السياسة الصومالية ابتعدت كثيرا عن القواعد والاجراءات والطرق التي تؤدي الي اتخاذ قرارات من اجل الشعب والمجتمع, كما ابتعد سلوك الساسة عن القيم والأخلاف الرفيعة التي تحدد مسارهم في العمل والتصرف والتفكير, واصبحوا لصوصا لا تمثل الا انفسهم وقبيلتهم مما جعل مصلحة الشعب في مهب الريح. واذا كانت السياسة الصومالية فن الكذب بالأقنعة, وان طبيعتها الدائمة هي بين الصعود والهبوط, فلا غريب ان تتمرغ كثيرا في درب الأوحال والفشل, ولا تتقن التوقعات وتغيير الطغس ومقدمات الكوارث الطبيعية, و لذلك وصفت الامم المتحدة الجفاف الذي يضرب الصومال حاليا بانه اسوأ كارثة انسانية في العالم, هي السياسة الصومالية نفسها, التي حققت صعود المحاكم الاسلامية في ايامها, وهي التي حاصرت امراء الحرب في وقتها, بينما هي التي مثلت مستنقعا انهكه القوات الايثوبيا في حينها, وقبلها بقليل القوات الامريكية في فترتها, فهي لا ترحم بطبيعتها قريبا ولا بعيدا, شيخا ولا شريفا, فهي نهاية حتمية لحجب الحقيقة وتلوينها وتزييفها. والسياسة الصومالية في سفينة تائهة, وما زالت تبحث عن مرفأ يحتويها باستقرار وامن, بعد صراع طويل مع امواج القبلية ,وما زالت تبحث عن مركب بلا شراع يأخذها الي شواطئ منظمة ومتناسقة, لا يتزعمها جاهل ولا زعيم عشيرة, وانما يحكمها قوانين العدالة والطبيعة فقط, حتي ترجع الي صفائها ونقائها القديم لم تعترف السياسة الصومالية حتي الآن ان هناك قبيلة اقوي من اخرى, ولم تنجح قبيلة بدورها ان تفرض سياستها علي قبيلة اخري, فأصبح التاريخ مشوها والحقائق منقوصة, فكل اقليم له ابطال وامجاد, لا تشاركه ولا تشاطره المناطق الاخري, ولا احد يسمع في الجنوب ان عبدالله يوسف بطل ,كما انه في الشرق لا احد يري ان عيديدا كان بطلا, وربما هي من باب الاغتيالات المعنوية في موسم التشفي من الحقد. حتي أن ميدان السياسة الصومالية أصبح مكانا توجه الاتهامات والادانات من خلاله ,ويتصارع بين ساحاته الأصدقاء والأقرباء , فهو الميدان الذي دارت المعركة بين اويس وشريف ,اصدقاء الأمس ورفقاء الجهاد, بعد ان اكتشف الغرب زيف صداقتهما, ولم يستطع الشريفان بدورهما الحفاظ علي ودهما وتحالفهما في داخل هذا الميدان, فأصبح فرماج ضحية صراعهما, وتسوية قضيتهما اخيرا, هكذا اختلط الحابل بالنابل وتعانق الحق بالباطل. بل ان التطرف نفسه تزوج السياسة الصومالية, بمبرر وبتزعم تقويم وتحسين ما أفسده العلمانيون وشيوخ القبائل, فأصبح طاعونا من لون اخر, يقتل الشعب بدوره ولا يرحم, ويتكلم من الحناجر ولا يكلم العقول, ومن هنا تيقن العملاءوالمرتزقت ان زمن الرؤية السليمة انتهت, وان عهد السمسرة ولي دون رجعة. وما زالت فئة تعول علي تأسيس احزاب سياسية جديدة, لتمارس هذه السياسة المريضة, التي لا ارضية لها, لقتل ما تبقى من الشرعية, وما زالت هناك فئة اخرى تعول علي فصل اقاليم جديدة لعلها تجد حلا لمشاكل سياسية طال امدها, ولعل ان الشعب يأمل بدوره مزيدا من المشاكل وتلوث سياسي اكبر, وربما يفضل اخرون الابتعاد عن السياسة الصومالية التي اكتوى كثير بنيرانها سابقا. ربيع يوسف محمد/ القاهرة
|
تعليقات حول الموضوع
اخوكم ابوبكر مختار, طالب علم منكوب في روما لالايطالية.
السيد ربيع قدمت مقال ممتازا يصورالحالة السيئة االتى يمر بها الصومال الشقيق الجريح،والذى لا اجد له مثيلا فى التاريخ المنظور ،ويقشعر منها جلد كل مسلم غيور،وتحزن قلب المخلصين ،ولكن تأكد يا حبيبى ان تلك ستسمر الا اذا اتخذ الصوماليون الاسلام عقيدة يؤمنون بهه ويطبقون بمفهومه الصحيح الحضارى ،خلافا بالشعارات الفارغة التى تطلقها الجماعات المتطرفة الا رهابية،بالاضافة الى هذا يجب الاخوة الصوماليين تبنى نظام ديمقراطى ....وارض الصومال مثال لهم...