الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
سوق بكارو.. عُصارة أعوام..وخُلاصة أحداث Print E-mail
مقالات - مقالات سياسية
Written by أنور أحمد ميو   
Tuesday, 27 October 2009 10:58

أُهدي هذا المقال إلى أرواح الضحايا الأبرياء الذين قُطِّعت أشلاؤهم وأجسادهم بقصف عنيف من أياد أجنبيَّة ظالمة لاترحم الشعب المسكين،!! هؤلاء الضحايا الذين غدَوا إلى السوق يبتغون فضل الله ورزقه، لا ناقة لهم ولا جمل في السياسة ولا في الصراع ، هؤلاء المجاهدون –حقا-!! نعم :  

  من خرج من بيته يبتغي لأولاده الصغار ولأزواجه والكفاف، تاللهِ إنه لفي الجهاد في سبيل الله، فاللهم تقبَّل منهم، اللهم تكفَّل أيتامهم وأراملهم، واخلُفهم خيرا منهم يا رب العالمين ويا خير الخالفين، واحفظ من بقي منهم فأنت خيرٌ حافظا وأنت أرحم الراحمين. 

سوقٌ...  أم مدينة؟!!

 قيل: إنه أكبر سوق في شرق إفريقيا، ولم أكذِّب هذا القول، لأنه منبع الحياة، ومرتع الناس، ومأوي الشعب، إليه يَقصِد : كلُّ تاجر قد عظُم أمره، وكثُر ماله،!!.. وكلُّ صاحب حاجة قد يئس من الأسواق،! وسئم من الأكواخ، ! وكلُّ باحث قُوتٍ لا يجد له بديلا، يستمتع بضجيجه، ويألف صَخَبه وزفيره، كيف لا وهو نفَسَه الأولى والأخيرة!!.. وكلُّ طالب عِلم زَهُود، يشدُّ الرحال إلى مسجدٍ وشيخٍ حَنُون،!!.وكلُّ داعية وعالم دين كبير،! يدرِّس في مساجده العلم ،وكلُّ فاقد خَيْر، يريد الشرَّ للمُشترين، والفزعَ للرائحين والبائعين ،!! يسرق أموالهم، وينهب ممتلكاتهم،!! وينقلب بسخط الله إذا انقلبوا بالرِّبح! و: كلُّ سائح يوم، وفائق قوم، لايريد غرضا من السوق، بل يقبع في النوادي، ويلهُو في المقاهي، يقرأ الصُّحف والجرائد، ويتلقَّف -مع أصحابه- آخر الأخبار والحصائد،!! لايهمه طلب الرزق، فهو مكتفَلٌ عند قوم، ومتقاعِدٌ عن تعب يوم..!! 

 به مستودع البضائع والأموال، ومستخلص الأقمشة والأثواب، وبه الصَّرَّافات والشركات العملاقة، ومحلّات التجارة وبه الخضروات والألبان واللحوم،!! وبه السلاح والأسمنت والأدوية والجلود،!! تَرى فيه كل ماتريد ومن تريد بلا كَلّْ، وتَلقى فيه كل خير وشرّْ، لا يشرحُه الحديث والكلام ، ولايعطي المداد حقه من الوصف. أما أنا فقد ترعرعتُ في أجوائه، ونشأتُ في أكنافه، ولعبتُ في شوارعه، وعَقَلتُ في أزقَّته وأركانه، وتعرَّفتُ على زبائنه وأصدقائه..!! وشربتُ من معين فُراته ومائه، ونزلت في أقصى درْكِه وقاعِه، وصعدتُّ على ظهر سَقْفه وبِنائه،!! أُشاهد العاصمة الخضراء بالأشجار، والمدينة الحمراء بالدِّماء والدَّمار..!!

سوقٌ ..أم مدرسة علم ومعرفة ؟!  

مع كونه سوقا للبائع والمشترى فهو منهل للعلم والمعرفة، ففيها عشرات المساجد التي تجري فيها الدروس المختلفة من النحو والصرف والميراث والأصول والعقيدة والتفسير والحديث، ومن أشهر هذه المساجد مسجد أبي هريرة الذي يقع في الضاحية الشرقية للسوق، أُسِّس هذا المسجد في عام 1997م أو قبله بقليل، وكان- قبل المسجد- خلوة للقرآن ومدرسة علم وفنّ، ومرَّت به تَوسِعات مختلفة من قبل التُّجار المحسنين، جزاهم ربي خيرا، حتى ابتلع البيوت المجاورة، وذلك لكثرة مصلِّيه ورُوَّاده، وكان المسجد  يُعقد به أهمّ المحاضرات السَّلفيَّة، والدروس الأثريَّة، ولم يكن يخلو من صراع (بارد+حميم) بين كتلتين (مشهورتين) (!)، ومن أهم مساجد السوق مسجد الدواء، ونُسب إلى الدواء لأنه كان يقع في وسط سوق الدواء (أكبر تجمُّع صيدلي في الصومال! كانت تجري في هذا المسجد دروس أصول الفقه والنحو ومصطلح الحديث، وأيضا مسجد الطابقين في سوق الأثاث (الدَّيكور) كان يجري في هذا المسجد درس صحيح البخاري الذي كان يقرؤه الشيخ عبد الله شيخ نور –حفظه الله- وقد حضرتُ بعضا من هذه الدرس، وأيضا مسجد عوسكا (مسجد العُشب) وكان تابعا للطرق الصوفية، وفيه مئات الطلاب خاصة الوافدين من الأقاليم لطلب العلم. كما كان السوق مركزا لمعرفة الكمبيوتر واللغات الإنجليزية والفرنسية والرياضيات، والكورسات المختلفة وأنواع التدريبات، وكان في السوق عشرات المكتبات، ومدراس القرآن ومحلات التسجيلات...  لاتعدّ ولا تحصى. 

سوقٌ... أم كوراث وأزمات؟!

في عام 1996م قُصف السوق من قِبل أحد زعماء الحرب، وكان يتحارب مع زعيم آخر رحل عن الدنيا في نفس العام، فما كان منه إلا أن صوَّب صواريخه صَوْب السوق ليُرفع عنه الضغط والحصار، فسقطت عشرات من مدافع الهون على سوق الذَّهب، فقتلت عشرات النساء،!!  ولقد أخبرني من شاهد هذه المجزرة البشعة أنه رأى أياد مقطوعة تعود لنساء بائعات وقد بقي فيها الذَّهب المباع..!! حسبنا الله ونعم الوكيل..!!

 حريق سوق بكارو المشهور:

احترق السوق أكثر من مرة في الأعوام 1996و2002و2005و2007..غير أنني أريد أن أسجل في هنا  أكبر حريق شهده السوق وهو في مارس عام 2002م وكان بيتنا يبعُد عن السوق مسيرة ربع ساعة أو ثلثها، أي: كيلو متر ونصف تقريبا، فبينا نحن نستعدُّ للنوم في الساعة العاشرة إلا رُبعا مساء أي: بعد انتهاء إذاعة بي بي سي الصومالية بربع ساعة، سمعنا من إذاعة بنادر خبرا عاجلا، أن حريقا قد شبَّ في سوق بكارو فهُرعنا إلى خارج البيت فإذا اللَّهيب يزداد شيئا فشيئا، حتى اقتحم اللهيب مركز السوق، وأُعلنت النَّجدة في كل أنحاء مقديشو لأن في السوق جميع ممتلكات الشعب من كافة توجهاتهم وقبائلهم، فخرج الناس من أقصا المدينة إلى أقصاها، وبدأت الحافلات والعربات الخاصة تنقل الناس إلى السوق بعد منتصف الليل لأول مرة منذ أكثر من عقد، واصطحب كل شخص ما عنده من أسلحة ومليشيا، لإنقاذ ما يمكن إنفاذه من النهب واللهب،!! فعمَّت الفوضى في السوق وأطلقت الرصاص في كل جهة وصوب، وابتلع اللهيب أسواق الأمتعة والثياب والأحذية والخضار أي مسافة اثنين كيلومتر مربع تقريبا، وقد ناشدت الإذاعات المحلية – وكانت على الهواء طوال الليل لأول مرة- كلَّ من يمتلك سيارة إطفاء أن يساهم في إطفاء الحريق، وفي النصف الأخير من الليل استنُفرت قوات خاصة من الحكومة الصومالية برئاسة السيد عبد القاسم صلاد حسن فطوَّقت السوق،  وأُحضرت سيَّارات إطفاء قديمة لاتسمن ولا تغني من جوع،!! فاستمر اللهيب إلى الساعة السابعة صباحا أي بعد طلوع الشمس بقليل، وقد قُدِّرت الخسائر المادية – مع عدم وجود مؤسسات متخصصة معتمدة  – بنحو خمسائة ألف دولار. 

عشق وحُبٌّ في أزقَّة السوق..!

  كان لي صديق حميم ومخلص ودود، وكان يتقاسم معي السراء والضراء، فقد ترعرعنا في مكان واحد وقرأنا القرآن وحفظناه في خلوة واحدة منذ عام 1993م واشتركنا في معظم نواحي الحياة (المراهقية) بما لم أشترك مع أحد، لكن الآن أفتقدُه،!! فقد انضم عام 2006م إلى ثورة المحاكم الإسلامية، وحمَل السلاح ضد زعماء الحرب فاستُشهد في الحرب مع الجنرال عبدي قيبديد، في مايو!! يرحمه الله، كان هذا الصديق يعمل في مطعم بوسط سوق الأقمشة والثياب، وكان كلما يغدو ويفتح المطعم يرى في فناء المطعم فتيَاتٍ يَبِعْن الأكياس، فينهرُهُن ويطرُدُهن من المكان، وفي الفتيات فتاة في الرابعة عشر من عمرها جميلة أنيقة تسرُّ الناظرين لا تستحق هذه المهنة-كما يقولها المحلِّلون- (!) فما كان منه إلا أن دخل الحُبُّ في قلبه من غير أن يشعر، -والحبُّ لا يتشاور معك فهو روح لا تراها-، فحاول أن يكتم الأمر ويغلب على الصعب،!!  أمَّا هي فتَشرِقُ عليه كل صباح مع الشمس.!!:

 فليس لعيني عنـد غيركِ موقِـفٌ  كأنـكِ ما يحكون من حَجَر البهْتِ .

صرِّفُهـا حيث انصَرَفْتِ  وكيفما تقلَّبْتِ كالمنعـوت في النَّحْو والنَّعْتِ .

فأتاني يوما بعدما غربت الشمس وغابت معها الشُّميسة الأخرى،!! وهو مُنهك من العمَل، ومُثقل بالعشق،!! فذهبنا إلى مقهى في شارع الثلاثين، عند مسجد الشيخ محمد معلم حسن الشيخ العالم المشهور، فقال لي: يا أنور! هذه الفتاة قد استحوذت على قلبي، وأشعلت النار في بالي، وأحرقت حبال خواطري، وأنا لاأريدها لأنها كذا وكذا إلخ فماذا أفعل؟..فكنتُ يومها وهو عام 1997م لا أعرف عن الحُبِّ والعشق والغَرام شيئا،!! فقلتُ بعدما استمعتُ إلى حديثه: يا أخي لماذا تطرُدهن من المكان، وتضيِّق عليهن،؟ هذه الفتاة قد صعَّدت عينها فيك، وأصابك شيء من العَين فاقرأ سورة الإخلاص والمعوِّذَتان، وخلِّها وصواحبتها، فقَبِل نصيحتي وخلا سبيلهن، لكن شرارة الحب لم تنطفئ بعد، فقال لي بعد شهور: يا أنور أناشدك إلا أن تأتيني وأطلعك عليها، فذهبتُ إليه في المساء – وقد تركَت الفتاة مهنتها الأولى إلى أخرى- فبينا نحن نمشي في وسط السوق إذا نحن بفتاةٍ نحيلة الجسم طويلة القامة حمراء الوجه، بين عينيها نقطة سوداء طبيعية، فلو رأيْتَ عينيها الدَّعْجَاوتين(1) كدائرتين مرسومتين بطباشيرَ بيضاءَ على سبورةٍ حالكةٍ سَوداء لقُلْتَ – بلا مُراوغة- : "لم تطلع الشمس على فتاة أجمل منها"..!! فسلَّمَتْ علينا ورحَّبتنا بشرب الشاي فشكرنا لها، فقال لي صديقي :كيف الأمور يا أنور؟..فقلتُ: التحليل في برنامج (ما وراء الخبر) في مقهى الحجرين إن شاء الله،!!! 

يوم خطير في السوق..!

 في عام 1998م زرتُ صديقا لي وكان منـزله بالقرب من سوق الأسلحة، فمشينا إلى مكان قرب بيع الأسلحة لنشرب عصيرا فوقفنا عند محلِّ بيع العصير؛ فما إن شربنا العصير وأردنا العودة إلى المنزل رأى صديقي رجلين متشادَّين متخاصمين قد صوَّب أحدهما السلاح إلى جهتنا يريد أن يطلق النار على خصمه وهو في جهتنا، فما انتبهْتُ إلا على تدافع الفارِّين، وافتقدتُّ صديقي، ففررت مفزعا، فاصطدمت بامرأة قوية في الأربعين من عمرها، فوقعنا على الأرض سويّا لانكاد نَعِي شيئا، وأصيب من ساقي بجرح طفيف، أما المسلح فلم يطلق النار والحمد لله.!! وأما أنا فتعجَّبتُ من فرار الصَّديق مني من غير أن يخبرني بالأمر..!! فلحقتُ به.       

سوق الاغتيالات والتصفيات !:

 تركتُ السوق وهو هكذا عام 2003م... فبعد الغزو الإثيوبي للبلد أوائل عام 2007م انقلب السوق من مكان ألفة واجتماع وعمارة إلى ساحة لتصفية الحسابات وتفرُّق وخراب، فقتل في السوق العشرات بالاغتيال، وجَعلت المقاومة الإسلامية من السوق مقرا لها، وجعلت القوات الإثيوبية – وبعدها الإفريقية- من السوق هدفا لها،!! كلما يُقصف القصر الرئاسي والمطار تمطر بالسوق بوابل من الصواريخ وقذائف الهون بلا هوادة فيكون الشعب الضحية ..!!! 

التوصيات: 

ومن هنا أناشد الحكومة الصومالية برئاسة الشيخ شريف أن تكفَّ أيدي هذه القوات الإفريقية عن تدمير السوق وإبادة الشعب، فهي مسؤولة عن الشعب وما يقع به،!! بل تتحمل المسؤولية أمام الله وأمام التاريخ، وما حكومـة عبد الله يوسف عنها ببعيد.!!! وأناشد القوى الإسلامية لاسيما الإخوة في حركة الشباب ألا يستخدموا السوق كقاعدة عسكرية، بدلا من أن يجعلوه معيشة للمساكين، ومحركا للشعب وحياته ووجدانه، فأين العقل والحكمة والمصلحة في الإسلام يا إخواني المسلمين؟!!. وأستسمحكم - قرَّائي-  إذا سطَّرتُ لغوا من القول، ووسوَّدتُّ فضلا من الكلام. والله يعفو عن الجميع. والسلام عليكم.


* كاتب وباحث في الخرطوم



(1)  واحده: دعجاء من الدعج وهو  شدة سواد العين مع سعتها، [الصحاح].

تعليقات حول الموضوع

Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى