لماذا اقتنعت زميلي الطالب بتلك الجامعة أو تلك الكلية التي لا توفر لك العلم بالتطبيقات العملية؟ لماذا قعدت جاثياً مشدوهـًا غارقاً في النظريات التي عفا عليها الزمن وأنت تريد أن يكون لك شأن؟ هل تظنّ أن أولئك الذين أتو بالنظريات صادفوها بدون جهد؟ هل العلوم التطبيقية تنفع إلا بممارسة التطبيقات؟ كنت أعتقد فيما مضى أن الإنسان بمجرّد تخرجه من الجامعة يصبح مؤهـلاً، لأنه جامعي!. أن الإنسان الذي يقف على الرياضيات ويهب وقته في رحاب المسائل الرياضية البعيدة عن الواقع، ويستخدم نظريات متعددة لمسألة واحدة هو عالم كبير ينفع أمته!.. صحيح أن لهـا أثر إيجابي في تنشيط العقل وتحسين التفكير، صحيح أن كثيراً من العلوم تعتمد عليها، صحيح ذلك.. لكن تزداد إيجابية عندما نستغلها للتطبيقات العملية.
كثيراً ما نحلم بشيء، وأكثرنا يفشل في تحقيق حلم ربما ليس بكبير، وقد عرضت على صفحتي في الفيس بوك، أن عالماً حقّق شيئاً كبيراً، حقّق حلماً كان يراود ذهنه عندما وصل القمر، ولكنّه أصيب بالاكتئاب بعد تحقيقه لهذا الحلم، وذلك لسبب واحد: هو أنه كان يحلم بوصول القمر يوما ما، إلا أنه لم يكن في تفكيره سوى ذلك، إنه ضيّق الأحلام الرحيبة، ضيق الدنيا الواسعة بحلم واحد، ونسي ما سواه. سألت أصدقائي: كم حلماً لديكم؟ فقال أحدهم: لدي حلمان، وقال آخر: ألف حلم.. تفاوتت الأحلام، وتفاوتت الهمم. وفي حوار أجرته إذاعة القرآن الكريم في أبو ظبي، سأل أحد المذيعين ضيفه وهو مختص بالتنمية البشرية: كم حلماً لديك؟ فاندهش المذيع عندما ردّ الضيف: ثلاثة وثمانون حلماً، وقد قمت بترتيبها، لأحقق كل حلم تلو الآخر. هكذا، فرؤوسنا تمتلئ بالأحلام، وكثير من الطلاب هم الآخرون مثلنا يحلمون بعشرات، ومئات من الأحلام.. ولكن أين السبيل إلى التحقيق؟ أقول لك، زميلي في مجال العلوم التجريبية، لا تقبل أبداً أن تبدّد عمرك في النظريات الفارغة من المحتوى، لا تقبل أن يفوتك قطار التقدّم الذي استغلته الدول المتقدمة صناعيا واقتصادياً.. لقد توصلتُ، وتوصل قبلي الكثيرون أن النظريات التي لا تصاحبها التطبيقات ضياع للزمن وتبديد للطاقة. أضافني أحد أصدقائي إلى صفحة في الفيس بوك تحمل اسم "صُنع في الصومال" لم يبعث هذا التعبير في نفسي الفرح، لأننا ندّعي بشيء لم نفعله، نحن نقنع أنفسنا باللاموجود، وقد يؤدي ذلك الخيال الذي لا تصاحبه العزيمة على التحقيق - إلى التكاسل والتواني.. ولكن يمكن ذلك تحقيقه، يمكن يا صديقي أن ترى بأم عينيك المصنوعات الصومالية في أسواق العالم!. هل تعمّقتَ يوماً أو فكرتَ كيف وصل اليابان إلى هذه الصناعة التي أدهشت العالم؟ هل سمعت قصة الشاب الذي يدعى بـ"تاكيو أوساهيرا" حين خرج من اليابان مسافراً مع بعثةٍ تحوي مجموعة من أصحابه وأقرانه متجهين إلى ألمانيا، ووصل إلى ألمانيا ووصل معه الحلم الذي كان يصبو إليه، و يراه بعينيه ذلك الحلم هو أن ينجح في صناعة محرّك يكون أول محرّك كامل الصّنع يحمل شعار "صُنع في اليابان"، ذلك حلمه، بدأ يدرس ويدرس بجد أكثر وعزيمة أكثر، كان أساتذته الألمان يوحون إليه بأن نجاحك الحقيقي هو من خلال حصولك على شهادة الدكتوراه في هندسة الميكانيكا! كان يقاوم تلك الفكرة ويعرف أن نجاحه الحقيقي هو أن يتمكن من صناعة محرّك. بعد أن أنهى دراسته وجد نفسه عاجزاً عن معرفة ذلك اللغز، ينظر إلى المحرّك ولا زال يراه أمراً مذهلاً في صنعه، غامضاً في تركيبه لا يستطيع أن يفكِّك رموزه. جاءت الفكرة مرة أخرى ليحلق من خلالها في خياله و ليمضي من خلال خياله نحو عزيمة تملّكته وشعور أسره، تلك الفكرة: "لابد الآن أن أتَّخذ خطوة جادة من خلالها أكتشف كيف يمكن أن أصنع المحرّك". تلك الفكرة مضى ذلك الشاب ليحققها، فحضر معرضا لبيع المحرّكات الإيطالية، اشترى محرّكاً بكل ما يملك من نقوده، أخذ المحرّك إلى غرفته، بدأ يفكك قطع المحرّك قطعةً قطعة، بدأ يرسم كل قطعة يفكِّكها ويحاول أن يفهم لماذا وُضعت في هذا المكان وليس في غيره، بعد ما انتهى من تفكيك المحرّك قطعة قطعة، بدأ بتجميعه مرة أخرى، استغرقت العملية ثلاثة أيام، ثلاثة أيام من العمل المتواصل لم يكن ينام خلالها أكثر من ثلاث ساعات يومياً كان يعمل بجدٍّ ودأب، في اليوم الثالث استطاع أن يعيد تركيب المحرّك وأن يعيد تشغيله مرة أخرى، فرح كثيراً، أخذ المحرّك، ذهب يقفز فرحاً نحو أستاذه، نحو مسئول البعثة ورئيسها: استطعتُ أن أعيد تشغيل المحرّك، بعدما أعدت تجميع القطع قطعة قطعة. تنفس الصعداء، شعر بالراحة: الآن نجحتُ، لكن الأستاذ أشار إليه: لا لا لم تنجح بعد!!!

النجاح الحقيقي هو أن تأخذ هذا المحرّك، وأعطاه محرّكاً آخر: هذا المحرّك لا يعمل، إذا استطعت أن تعيد إصلاح هذا المحرّك فقد استطعت أن تفهم اللغز، تجربة جديدة، أخذ المحرّك الجديد، حمله وكأنه يحتضن أعزّ شيء إليه، إنه يحتضن الحلم، إنه يحتضن الهدف، وراح يمضي بعزيمة، دخل إلى غرفته، بدأ يفكك المحرّك من جديد، و بنفس الطريقة، قطعة قطعة، بدأ يعمل على إعادة تجميع ذلك المحرّك، اكتشف الخلل، قطعة من قطع المحرّك تحتاج إلى إعادة صهر وتكوين من جديد، فكر أنه إذا أراد أن يتعلم صناعة المحرّكات فلا بد أن يدرس كعاملٍ بسيط، كيف يمكن لنا أن نقوم بعملية صهر وتكوين وتصنيع القطع الصغيرة حتى نستطيع من خلالها أن نصنع المحرّك الكبير. عمل سريعاً على تجميع باقي القطع بعد أن اكتشف الخلل و استطاع أن يصلح القطعة، ركب المحرّك من جديد، بعد عشرة أيام من العمل المتواصل، عشرة أيام من الجد والعزيمة، لم ينم خلالها إلا القليل القليل من الساعات، في اليوم العاشر، طربت أذنه بسماع صوت المحرّك وهو يعمل من جديد، حمل المحرّك سريعاً وذهب إلى رئيس البعثة: الآن نجحت، الآن سألبس بدلة العامل البسيط وأتّجه لكي أتعلم في مصانع صهر المعادن، كيف يمكن لنا أن نصنع القطع الصغيرة، بعدما نجح رجع ذلك الشاب إلى اليابان، تلقّى مباشرة رسالة من إمبراطور اليابان، (وكانوا ينظرون إليه بتقديس وتقدير) رسالة من إمبراطور اليابان! ماذا يريد فيها؟: أريد لقاءك ومقابلتك شخصياً على جهدك الرائع وشكرك على ما قمت به.
رد على الرسالة: لا زلت حتى الآن لا أستحق أن أحظى بكل ذلك التقدير وأن أحظى بكل ذلك الشرف، حتى الآن أنا لم أنجح. بعد تلك الرسالة، بدأ يعمل من جديد، يعمل في اليابان، عمل تسع سنوات أخرى بالإضافة إلى تسع سنوات ماضية قضاها في ألمانيا. أمضى تسع سنوات جديدة من العمل المتواصل استطاع بعدها أن يحمل عشرة محرّكات صُنعت في اليابان، حملها إلى قصر الإمبراطور الياباني، وقال: الآن نجحت، عندما استمع إليها الإمبراطور الياباني وهي تعمل تَهلّل وجهه فرحاً، هذه أجمل معزوفة سمعتها في حياتي، صوت محرّكات يابانية الصّنع مئة بالمئة.ماذا يخطر في بالك أخي القارئ بعد أن قرأت هذه القصة؟ قرّرْ الآن: ماذا تريد أن تكون بعد أربعين سنة -مثلاً - لكي تبدأ اليوم الخطوة الأولى؟ ماذا تريد أن تصنع لبلدك بعد أن تكون مؤهـلاً حقيقياً؟. من المثير للاشمئزاز تلك المدارس وتلك الجامعات التي تخطط للفشل؛ لأنها تحتضن كوادر المستقبل، ولكنها تملأ رؤوسهم بنظريات متجاوزة عليها، ولا تخبرهم أنّ هذه النظريات انبثقت من غرف المختبرات، من التجارب الحية المطبّقة على أرض الواقع!. أظنّ أنني لا أكون مخطئاً إذا نصحت الطلاب وكوادر المستقبل –خاصة أولئك الذين يتخصصون بالعلوم التجريبة كالعلوم الهندسية والطب والصيدلية ونحوها- ألا يخطو خطوة واحدة نحو مدرسة أو جامعة ليس فيها "تطبيقات عملية". ومن الأفضل –حسب رأيي- أن تغلق المدارس والجامعات العلمية أبوابها إذا كانت لا توفر للطالب التطبيقات في المعمل!. من دواعي الفخر أننا كمجتمع صومالي نتميّز بمساهمة الأعمال الخيرية، فنقوم ببناء المساجد والمدارس، ونعين المرضى والفقراء والمحتاجين، من الصدقات التي تجمع من المساجد، والغرف التجارية.. صحيح أن بناء مدارس تخدم للشريعة الإسلامية أمر سامي، وخطوة بنّاءة في مجال الدعوة الإسلامية؛ ولكن يجب أيضاً ألا يخفى علينا أن نفكر في مجالات العلوم التجريبية، ونقوم بنفس الحملات لشراء معامل متكاملة للعلوم الهندسية والطب والجيولوجيا ونحوها، حتى تنتج مؤسساتنا التعليمية كوادر مؤهـلة تستطيع أن تنفع بلدها، وترقي الصومال إلى مرحلة الثورة الصناعية.. وحينها نكتفي ذاتياً. لماذا لا نكون أنت وأنا بداية ثورة علمية وصناعية لشعبنا ونعمل ثماني ساعات لأنفسنا وساعة لشعبنا، ونكتب على منتوجاتنا "صُنع في الصومال"؟. وأختتم كتابتي هذه بسؤال فصل: هل أنت أخي مدير الجامعة، أو مدير المدرسة، أو الداعية في سبيل الله، أو رجل الأعمال، أو الطالب أو المواطن العادي.. هل أنت مستعدّ لنقوم معـاً بحملة دعم النظريات بالتطبيقات العملية؟. كاتب صومالي
run ahaantii sxb waa ku mahadsantahay kitaabadaa tan kale waa ku mahadsantahay sida aad u fikiraysid fikirkaada wanaagsan sxb waa wax loo baahanyahay in loo istaago sidii loo fulin lahay waxaa soo baratay inay yihiin wax miro dhal ah sxb tan kale waa naga goantahay insha alaah inaa u istaagno oo aan u shaqayno wadankenaa iyo shacabkayna insha alaah
شكرا للكاتب ذاكر ، الموقف محرج أخي جدا فأنا من ضحايا هذه النظريات الفارغة كل ما أملكه عن أربع سنوات من دراسة الفيزياء التطبيقية هي معادلات رياضية معقدة اللهم للإنصاف هناك بعض النظريات والمفاهيم والمبادئ التي تكشف لك أبعادا من قوانين الطبيعة وعظمة الخالق وسبر لبعض أسرار الفيزياء ومتعلقاتها في الحياة اليومية، لكن الحقيقة المؤلمة أننا كطلاب صوماليين من خريجي المدارس الأهلية في الصومال وقفنا كالأحجار الجامدة في أول تجربة لنا مع المعمل المتواضع أصلا في الجامعة التي درسناها لأننا لم نسمع من قبل أسماء الأدوات المتوفرة فيه ناهيك عن ممارسة التجارب المطلوبة، قبل أيام شاركت حفلا من مدرسة كبيرة يشار لها بالبنان وكانو يحتفلون بتخريج الدفعة الثانية عشر والشيئ الذي آلمني أن هذه الدفعات التي يزيد عددها 1300 طالب لم يحظي واحد منهم برؤية المعمل ولا حتي مكتبة عامة للمدرسة، إنشاء الله التغيير إرادة والحملة بدأناها بصورة متواضعة حيث وفر في سنة 2010 لمعظم المدارس التي أعرفها في جزئ من الصومال لما يمكن أن نعتبره بداية جيدة لكن الأمر أعقد من ذلك فالمعامل لن تصنع مبدعين إنما الإنسان وهذا ما ينقصنا.
ما شاء الله. يا لها من فكرة صائبة ومن رأيٍ سديد خرجت من أعماق قلب واعى .فشكرآلهذا الأخ الفاضل.
اول نعمله هو استعادة الامن المفقود - معني ذلك الايمان بان نستطيع ان نفعل ذلك ثم بعد دلك ننتجج صنع في الصومال, و انا اقول نستيع ادا اردنا و عملنا لذلك.
كلام رائع و جميل اثار فيني الحماسة و اسال الله ان ينهض همة و عزيمة اخواني
ن شاءالله ياتي يوم نشوف "صنع في الصومال" وليش لا هذا مو مستحيل ولا ببعيد بس يحتاج من هو قادر وعندده عزيمة وحب الوطن ويفتخر بوطنه ويرفع راس شأنه أهله ...............
قصة بسيطة التركيب, بليغة المعاني والمفاهيم لاصحاب التدبروالتفكير التطبيقي. مليحة من ناحية المحركات بنسبة للفيزيودينمئيات الذهنية والعضوية.
ابوبكر مختار
مقال رائع الأخ الذاكر ويسلط الضوء على مشكلة الجامعات العربية في التطبيقات العملية والسعي وراء ترديد نظريات أكل الدهر عليها وشرب دون البحث والتطبيق لهذه النظريات أو حتى اكتشاف غيرها وللأسسف هناك فئات لا بأس بها من الطلبة الصوماليين وقعوا في هذه المعضلة حيث تخصص في بعض هذه الإختصاصات ولم يستفد شيئا سوى ترديد نظريات أغلبها أثبت العلم الحديث بطلانها ولازالت تدرس في الجامعات العربية
أشكركم أعزائي المعلقين، إن تعليقاتكم وآرائكم تعني لي الكثير.
المتفق عليه أن الثورات الصناعية تبلورت من خلال التجارب العلمية، وأن النظريات إذا لم تكن وسيلة للتطبيقات العملية فليست بشيء.
فلماذا ندرس النظريات المجردة طالما لا نجد المعمل؟
الأخ والزميل عبد الله فارح مرى، أزمة غياب المعامل محسوسة كما أشرت، وأعتقد أنكم ستنجزون الكثير في تكثيف دور المعامل في التعليم وفي أيديكم يمكن أن تصمموا كوادر المستقبل. وددت أن أسمع يوما أحد الشيوخ أو الدعاة يتقدم في حملة جمع التبرعات لاقتناء المعدات المعملية لجامعاتنا ومدارسنا، فقد مللنا عن تكفف المؤسسات الأجنبية والتي لا تمدنا بشيء إلا بعد مماطلة قاتلة.
تحياتي...
|
تعليقات حول الموضوع
لأن البلد الذي لا يوجد فيه الامن ولاستقرار والانتاج فكيف يريد أن يصنع وهم لا يستطيعون بتدبر امرهم وقوتهم اليومي .