|
مقالات -
مقالات سياسية
|
|
Written by محمد عمر أحمد
|
|
Tuesday, 27 October 2009 10:56 |
قال لي زميلي : لماذا لا تكتب تحليلا عن السياسة في الصومال؟ قلت: من يقدر أن يحلل الأباطيل والأوهام؟ وزدت قائلا: كثيرا ما تطيش سهام المحللين في الصومال ،ويعترفون بالإفلاس ،والوقوع في أسر الأوهام .وهذا لا يعني بحال أن اللاعبين في حلبة السياسة في بلادنا قادة موهوبون برعوا في المناورة وإخفاء حيلهم وخططهم عن أعين المتابعين ، بل السبب-يقينا- أن السياسة في الصومال لا تجري على قوانين اللعبة السياسية المدروسة في الجامعات، وإنما هي شبيهة بأفعال المجانين،فالأهواء الشخصية هي سيدة الموقف، والأمزجة هي التي تصنع السياسات، وهذا عين الفساد ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض) وبه نفسر تدهور الأمور يوما بعد يوم ، وتتابع الهزائم في جميع الميادين. انظر إلى صنيع منتحلي السياسة في بلادنا من منهم تأخذه رهبة ليتوقف عن تولية عمل لا يحسنه، ولم يتدرج في سلم إدارته؟ ويدع التكلف أو يعلن فشله في أداء مهامه؟ أو يتنحى نتيجة تأنيب الضمير ،ويقول لا أعلم ؟! وإذا بحثت في أسباب التخبط والهزيمة وجدتها –بوضوح- راجعة إلى غياب معظم عناصر النجاح وإليك بعضا منها : القوة قال تعالى " إن خير من استاجرت القوي الأمين"أنفع قاعدة في مجال الإدارة والتوظيف، فالقوة تعني الكفاءة المتحصلة من الدراسة والتخصص والتدريب والخبرة،وهي ركيزة أساسية لأي نجاح في الحياة،على مستوى الفرد والحكومة، قضت بذلك سنة الله، وفي غياب العلم وسلطانه ينصب الجهل خيمته،ويضرب أطنابه،ويسود الظلام والغموض على الافكار،ويأتي التخبط والفساد والخلل والانهيار،فالله عز وجل عليم حكيم لم يبن هذا الكون على جهل.والعلم يعني امتلاك المعلومات الكاشفة عن العمل الذي يمارسه المرأ، والقضية التي يشتغل بها ، فهو نور –وأي نور-يبصرك الحقائق، ويمنح رأيك قوة ومضاء ولفكرك عمقا ويقينا يؤدي بك إلى اتخاذ قرار صحيح. انظر إلى صنيع منتحلي السياسة في بلادنا من منهم تأخذه رهبة ليتوقف عن تولية عمل لا يحسنه، ولم يتدرج في سلم إدارته؟ ويدع التكلف أو يعلن فشله في أداء مهامه؟ أو يتنحى نتيجة تأنيب الضمير ،ويقول لا أعلم ؟!
ولو بحثت في أسباب قوة المجتمعات،وتفوقها في ميادين الصراع ،وإجادتها لقواعد اللعبة السياسية مع نظائرها وخصومها لوجدت العلم (التخصص بالمفهوم العصري ) هو السلاح الأمضى،وسرّ الانتصار،والأمم الناضجة تفخر بكفاءاتها من أرباب التخصص في المجالات العلمية والإدارية والاقتصادية والشرعية وغيرها..،وتعتبرهم سر قوتها، وفي القرآن أمر بسؤال أهل الذكر، وهم أهل العلم كل في مجال تخصصه. الأمانة ما أجملها ! والمقصود بها هنا الشعور بالمسئولية تجاه العمل والتفاني لإجادته، وإزالة كل ما يفسده ونقيض الأمانة اتباع الهوى،والتصرف انطلاقا من الميول النفسية والشهوة الغريزية والابتعاد عن الموضوعية ،فالمسئول الذي يوظف غير الأكفاء ويمارس المحسوبية في دائرة عمله فاقد للأمانة .وفي غياب (الأمانة) يبيع السياسي أرضه وبحره، ولا يخلص في المفاوضات مع سائر الجهات لبلاده، ويتلقى الضابط الرشاوى لغرض تسهيل إدخال البضائع الكاسدة ويخون الطبيب المرضى ويتاجر بالأعضاء البشرية ويصف الأدوية المغشوشة،ولذلك فالكفاءة وحدها لم تعد صمام الأمان للمجتعات،وعليه تبذل كافة المجتمعات جهودا لتربية مواطنيها على حب الوطن والإخلاص للمجتمع.وكل من مارس العصبية القبلية أو الحزبية الدينية وبنى عليها قراراته الإدارية والسياسية فهو متلبس بخيانة الأمانة.الاستنباطيقصد بالاستنباط التحليل بالمفهوم العصري واستعانة المعطيات الواقعية للتوصل إلى نتائج سليمة لقراءة الواقع في أحوال السلم والحرب قال تعالى:" وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) والمعنى -كما يقوله الشوكاني في فتح القدير-أنهم لو تركوا الإذاعة –أي إشاعتها – للأخبار، حتى يكون النبي(صلى الله عليه وسلم) هو الذي يذيعها أو يكون أولو الأمر منهم هم الذين يتولون ذلك ، لأنهم يعلمون ما ينبغي أن يفشَى وما ينبغي أن يُكتم ،والاستنباط مأخوذ من استنبطت الماء: إذا استخرجته أ.هـ ولا شك أن المستنبط في المجال السياسي هو من يفهم مقاصد الخطابات السياسية والإعلامية ويحلل سلوكيات القادة ،ويفرق بين ما هو صادر من الدول مناورة أو استفزازا أو لمجرد تكتيك لرفع سقف المطالب،والتحليل صار اليوم علما له قواعده تدرس في الجامعات.كما أن المستنبط في الفقه من يفهم أسرار التشريع في ضوء خطاب الشارع.الدراسات والاستخبارات في عالمنا اليوم لا مكان للارتجال؛ فالتعامل مع الآخر أصبح بالأرقام الدقيقة، والمعلومات الطازجة ،والدراسات التي تستبطن الواقع ، وتعتمد على الجمع ثم التحليل في ضوء المعطيات الراهنة والوثائق التاريخية للحالة المدروسة،كل ذلك يقوم به متخصصون مسلَّحون بأذوات البحث، ثم يأتي دور الأجهزة الاستخباراتية التي تحاول الغوص إلى أدق الأسرار الكتيمة ،والتي ليس من وسع الباحثين رصدها ،ثم الدول تسلك كل السبل الممكنة المشروعة وغير المشروعة للوصول إليها ،وعلى هذا الأساس تتخذ قراراتها المصيريَّة . في عالمنا اليوم لا مكان للارتجال؛ فالتعامل مع الآخر أصبح بالأرقام الدقيقة، والمعلومات الطازجة ،والدراسات التي تستبطن الواقع ، وتعتمد على الجمع ثم التحليل في ضوء المعطيات الراهنة والوثائق التاريخية للحالة المدروسة
هذا هو حال العالم من حولنا، أما إذا نظرت إلى حال ممثلي أمتنا الصومالية، وفي صراعنا مع الخصوم من دول الجوار ومع المنظمات الدولية، وجدت الخسارة الفادحة والهزائم المتتالية في عالم تمثل حرب العقول والأوراق والمفاوضات هي الساحة الأولى في الصراع ،وآلمك أنك تجد السذج العزل في مواجهة خبراء محنكين ،وألفيت غير المخلصين لبلادهم في مقابلة المتفانين لحب بلدانهم وشعوبها،ووجدت المنفردين بآرائهم إزاء المتكئين على مراكز البحوث المدعومين بالخبراء، هذا هو سر هزيمتنا، ولا عبرة بالنوادر فينا فالنادر لا حكم له.ولا جدال أننا في زمن أصبح التعامل مع الخصوم صار له قواعد معلومة ، ووسائل مدروسة ،ولم تبق الحرب هي الوسيلة الوحيدة لإدارة الصراع ، وإنما هي الوسيلة الأخيرة التي يلجأ إليها.الشورىمن أجمل مصطلحات القرآن ،ضدها الاستبداد والإعجاب بالرأي ،والانفراد بالقرار في تدبير المصالح العامة للأمة ،والمراد هنا: المشاورة في غير الأمور التي يرد الشرع بها.[الشوكاني: فتح القدير]والشورى-لو فطنا -أصل عظيم النفع ، ومبدأ شريف لا يعرف قدره إلا الكبراء العارفون بأقدارهم نفوسهم، جاءت في كتاب الله مقرونة بالصلاة التي هي عماد الدين ، قال تعالى :" والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم" . لو كان للشورى جسم مشخص لكان في غاية الجمال، متعطر الأردان.وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يشاور أصحابه في أمور وأمره الله سبحانه في ذلك فقال:( وشاورهم في الأمر) [ آل عمران:159] وهو المؤيد بالوحي . قال ابن خويز منداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدنيا، ومشاورة وجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح ووجوه الكتاب والعمَّال والوزراء فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها. وحكى القرطبي عن ابن عطية أنه لا خلاف في وجوب عزل من لا يستشير أهل العلم والدين.[فتح القدير للشوكاني]وقال الإمام الشافعي رحمه الله: "إذا نزل بالحاكم الأمر يحتمل وجوها أو مشكل ينبغى له أن يشاور ولا ينبغي له أن يشاور جاهلا، لأنه لا معنى لمشاورته، ولا عالما غير أمين، فإنه ربما أضل من يشاوره، ولكنه يشاور من جمع العلم والأمانة، وفي المشاورة رضا الخصم والحجة عليه"، وقال الإمام البخاري رحمه الله: "وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم".وللشورى في عصرنا أشكال متعددة ،ومنها الاستعانة بنتائج البحوث العلمية والدراسات الميدانية، وبآراء الخبراء والمتخصصين.إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ** برأي لبيب، أو نصيحة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضة** فريش الخوافي قوة للقوادمأفحش الأمور في بلادي أن قومي لم يعترفوا بعد بقيمة العلم وسلطانه،ومن ثم لا يتورعون من العبث بمصيرهم ومصير أجيالهم ،ولذلك فانتصارنا نفسه هو ضرب من العجائب.وأخيرا قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" متفق عليه.جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة . . . قال صلى الله عليه وسلم إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ، قال : وكيف إضاعتها ؟ قال : إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة " ( رواه البخاري)
* باحث، وأكاديمي في الصومال
|
تعليقات حول الموضوع
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.