الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
تحذير المجاهدين من تلبيس إبليس Print E-mail
مقالات - مقالات سياسية
Written by عبد التواب أحمد خيري   
Thursday, 15 October 2009 14:40
عبد التواب شيخ أحمد خيريباحث في باحث في الحديث والتفسير -الرياض

 الحمد لله رب العالمين ، وكفى ، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى ، وعلى آله وأصحابه ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

   قال تعالى :  { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } [ التوبة : 122] .

 ما هو المراد  بالنفير في هذه الآية ؟

هناك في تفسير الآية ومعنى النفير فيها عدة أقوال ، ذكرها المفسرون . 

الأول :ح المراد بالنفير الخروج لطلب العلم .

الثاني : المراد به الخروج للجهاد .

الثالث : المراد به الخروج للجهاد وطلب العلم معاً .

فعلى الأول : يكون المعنى فهلا نفر من كل فرقة طائفة لكي تتفقه وتنذر القاعدة ، فيكون المقصود بالنفر الخروج في طلب العلم .

وعلى الثاني : يكون المعنى : فولا نفر من كل فرقة طائفة تجاهد ،لتتفقه الطائفُة التي لم تخرج للجهاد ،وتنذر النافرَة للجهاد إذا رجعوا إليهم ، ويخبروهم بما نزل بعد خروجهم من الوحي .

وقد رجح ابن القيم هذا القول الثاني ،قال  : " وهذا قول الأكثرين وهو الصحيح لأن النفير إنما هو الخروج للجهاد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : وإذا استنفرتم  فانفروا "  [ إعلام الموقعين 2/252-253] .

وعلى الثالث : يكون المعنى أن تنفر الطائفة للجهاد والعلم معًا .

وقد ذكر الطبري رحمه الله أن هذا القول هو أولى الأقوال بالصواب ؛لأن النفر إذا جاء مطلقًا غير موصول بشيء فإن الأغلب عند العرب استعماله في الجهاد والغزو،قال : " فإذا كان ذلك هو الأغلب من المعاني فيه وكان جل ثناؤه قال فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ،علم أن قوله ليتفقهوا إنما هو شرط للنفر لا لغيره إذ كان يليه دون غيره من الكلام "

  وأيا كان المعنى المراد فإن في الآية دلالة على قوة الصلة بين العلم والجهاد ،  وفيها فضل طلب العلم ، فعلى القول الأول فيها تسمية طلب العلم بالنفير – وهو الجهاد - تشبيهاً له، وطلب العلم الشرعي نوع من الجهاد في سبيل الله ، ولهذا يصرف لطالب العلم من الزكاة الواجبة، وفيها إشارة إلى أنه ينبغي أن تهتم طائفة بالجهاد وطائفة بالعلم،  وأن الطائفة التي خرجت للجهاد ترجع  في أمور الجهاد ومعرفة أحكامه إلى أهل العلم ، وهي الطائفة التي قعدت لطلب العلم كما هو القول الثاني ، والصلة هنا واضحة جداً إذ إحدى الطائفتين تكمل الأخرى،  أو أن الطائفة المجاهدة لا بد  أن تجمع بين الجهاد والعلم كما هو القول الثالث .

   ولا ندخل في مقالتنا هذه المفاضلة بين العلم والجهاد ، وأيهما أفضل ؟ ومتى يكون أحدهما أفضل من الثاني ، لكن من غير الوارد أن تستقل طائفة بالجهاد بدون علم وبدون رجوع إلى أهل العلم .

فالعلم لا بد منه في كل عمل يقوم به الإنسان، بدءا بالتوحيد الذي هو أعظم ركن في الدين، وأول أركان الإسلام ، فقد أمر الله نبيه بذلك فقال – سبحانه وتعالى – { فاعلم أنه لا إله إلا الله  واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم } [ محمد : 19] ، وقد بوّب الإمام البخاري – رحمه الله-  في الجامع الصحيح "باب العلم قبل القول والعمل  " واستشهد بالآية السابقة ،  والجهاد من جملة الأعمال ، إذ ثنائية قيام الدين على العلم والجهاد يقول أبو حيان في البحر المحيط  " ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنّ كلا النفيرين هو في سبيل الله وإحياء دينه هذا بالعلم، وهذابالقتال "   (6/191) .

   فلا بد للأمة أن تجاهد ، ولا بد أن يحمل راية الجهاد رجال عرفوا – بضم العين - بالعلم الشرعي ، وأثنوا ركبهم لطلبه حتى يكون الجهاد على وعي وبصيرة ، ولكي لا يحيد المجاهدون عن طريقه ، ويضلوا عن الطريق المستقيم .

1-   تلبيس إبليس على بعضهم في تحقير العلماء :

قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  [ النور :  21]

   إذا كانت العلاقة بين العلم والجهاد كما وصفنا آنفاً ، فتعالوا لنرى كيف تبدوا العلاقة  بين الجماعات المسلحة وأهل العلم .

    فإن البيانات التي تصدر عن الناطقين الرسميين للجماعات التي تحمل السلاح ، وتسم نفسها بالمجاهدة ،  لهي أشبه بالبيانات السياسية التي هي تبرير ليس إلا أكثر من كونها مناقشة للمسائل من الناحية الشرعية ، وهذا شيء معروف ، فلن يُنتظر من أناس نُصبوا – بضم النون- لهذا الغرض غير ذلك ، ولكن السؤال الوجيه هو أين علماؤهم ؟!

      ربما يجيب البعض بأن علماءهم هم علماء الأمة ، وهذا هو المفترض ، لكن الواقع يُكذّب ذلك – وكفى بالواقع شاهداً عدلاً - ، فالجماعات المسلحة  في العالم الإسلامي عموماً – وفي الصومال خاصة – كثيراً ما تشن حرباً عشوائية، وعدوانيةً على العلماء – علماء الشريعة- ليل نهار ، وفي أي مناسبة وفرصة، ولنأخذ أمثلة على تصريحات بعض الناطقين ، بل وبعض قيادات القوم ، وليحكم القارئ بعد ذلك ، وهي – هجوم العلماء - السمة التي تجتمع حولها تلك الجماعات أكثر من أية سمة أخرى .

      وأخشى ما أخشاه  أن يلبس إبليس على بعضنا في المسألة ، فالشيطان لا يلوا جهداً في إفساد عمل الإنسان ، وإغوائه ، ومن جملة من ألبس عليهم الناطقون باسم الجماعات المسلحة .

    1-  يقول أحد الناطقين عبر وسيلة إعلامية محلية وعلى الهواء مباشرة : " ماذا بقي لهؤلاء العلماء ، احترقت أوراقهم " عجيب أمرك يا أخ الإسلام ، ما هي الأوراق التي لديهم واحترقت ؟! وهل هذا كلام طالب علم فضلاً عن أهل العلم، بل إن هذا ليس كلام المسلم العامي العارف حق العلماء وما يجب لهم من التوقير .

 وذنب العلماء في هذا الموضوع هو طلبهم المصالحة والحوار .

  2- ويقول آخر من قيادات القوم في حوار على الهواء مباشرة ، وفي وسيلة إعلامية  يشاهدها الملايين – قناة الجزيرة -  واصفاً على علماء المسلمين – وليس علماء الصومال فحسب – " يظنون كل أبيض شحماً وكل أسود فحماً " ، وذنبهم في ذلك أنهم طرحوا مبادرة للمصالحة ، وقالوا تصالحوا أيها الصوماليون .

اترك للقارئ تعليق هذا الكلام ، وإن كان لي من تعليق فهو كيف يصدر هذا التعميم وليس في مسألة محددة بعينها ، وليس في حق فرد من العلماء بعينه ، ولكن بهذا الإطلاق من رجل من أهل العلم ، وقائد لجماعة تريد الجهاد في سبيل الله،  وكيف يكون وضع من هو أقل منه عملاً وتصرفاته تجاه العلماء ؟  أم إن الانتساب يعمي الأبصار ؟ أم إنها من تلبيس إبليس ؟!

3- ويقول قائد آخر من القوم عن هيئة علماء الصومال في نفس الوسيلة الإعلامية السابقة وقد سئل عن نداء هيئة علماء الصومال لوقف القتال ، والتصالح بين الصوماليين ، رفقاء الأمس أعداء اليوم " من دخل ما لا يعرفه أتى بالعجائب " ويواصل حديثه قائلاً " هؤلاء يعرفون الكتاب والسنة ، ولكن لا يعرفون ما يحاك للأمة " فماذا نقول عن هذا القائد الملهم الذي اكتشف هذه القاعدة العجيبة، والحمد لله أنه اعترف بمحض إرادته بأن هؤلاء يعرفون الكتاب والسنة، وإنني أخشى أن تكون هذه من تلبيس إبليس، وسؤالي أليس هذا تلطيفاً للعبارة العلمانية الشهيرة " فصل الدين عن الدولة " .

       ألا تدري أيها القائد : " ومن فارق الدليل ضلّ عن سواء السبيل ، ولا دليل إلى الله والجنة سوى الكتاب والسنة ، وكل طريق لم بصحبها دليل القرآن والسنة فهي طريق الجحيم والشيطان الرجيم " [ مدراج السالكين (2/468-469)] .

4- يقول أحد الناطقين : " بأن هؤلاء – ويعني بهيئة علماء الصومال -  حرّموا بمهاجمة ( أميسون ) ، وكانوا في السابق يقولون المصلحة تقتضي منع مهاجمتهم ، والآن قالوا حرام " فرد عليهم واستشهد بقول الله تعالى :{ قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً }[التوبة : 36] . وكأن الآية يفهم منها عدم مراعاة مصلحة المسلمين في القتال مع الكفار،  فظهر بذلك مبلغه من العلم ، وانطبقت عليه المقولة المشهورة [ لقد ظهر الباب ]، ألا يدري أن الشريعة الإسلامية جاءت لرعاية مصالح العباد .

     هذه بعض من تصريحات القوم العلنية ، وإن في تلك التصريحات آفتان، آفة عدم احترام العلماء ، وكفى بتلك الآفة آفة نكراء ، وشنيعة،  وآفة العجب وإعجاب النفس ، لكني لن أناقش الأولى لظهورها للجميع، وعدم حاجتها للتذكير ، وفي الثانية وهي آفة العجب وفيها الهلاك لصاحبه نورد ما جاء في التحذير من تلك الآفات  !

1- قال صلى الله عليه وسلم : " ثلاث مهلكات : شحٌّ مطاع، وهوى متبع ، وإعجابُ المرء بنفسه " [ أخرجه الطبراني في الأوسط برقم 5584، قد حسنه الألباني في الصحيحة برقم 1802] .

وعن حديفة بن اليمان – رضي الله عنه – قال: بحسب المرء من العلم أن يخشى الله ، وبحسبه من الجهل أن يعجب بعلمه " [ الحجة في بيان المحجة لقوام السنة الأصفهاني 2/534] .

3- وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير – رحمه الله – لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحبّ إلي من أن أبيت قائماً فأصبح معجباً " [ الزهد لابن المبارك 151 ، وسير أعلام النبلاء 4/190 ]

 4- وقد علق الإمام الذهبي رحمه الله تعالى على كلام مطرف فقال : لا أفلح – والله – من زكّى نفسه أو أعجبته " [ سير أعلام النبلاء 4/190]

5- وقال الفضيل بن عياض – رحمه الله – آفة القرآء العجب  " [ حلية الأولياء 8/442] .

6- وقال ابن المبارك –رحمه الله – : " لا أعلم في المصلين شيئاً شراً من العجب " [ سير أعلام النبلاء 8/407] .

    ما العجب ؟

  العجب إحدى الآفات التي تفسد الأعمال ، وتهلك العباد، وتعترض للعاملين أثناء سيرهم إلى الله سبحانه وتعالى ، وتعريفها باختصار شديد هو ما قاله عبد الله ابن المبارك – رحمه الله – " العجب أن ترى أن عندك شيئاً ليس عند غيرك " [ سير أعلام النبلاء 8/407] . ، ومن أشد ما في العجب أنه يجانب محاسبة النفس ، ويعمي معرفة أدواء النفس وعيوبها  .

   افعلوا ما شئتم فقد ابتعدتم عن العلم وأهله، واتخذتم قيادتكم العسكرية مشائخ  ترجعون لهم في دينكم ، فإن كانت قيادتكم جمعت بين الجهاد والعلم الشرعي فنعم بها ، وإن كانت قيادات عسكرية فلا بد لهم ولكم جميعاً من الرجوع إلى أهل العلم ، وإلا فقد نجح إبليس في تلبيسه عليكم .

تعليقات حول الموضوع

Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى