الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
ثورة واحد أكتوبر (قصة الكاتب والمفكر) Print E-mail
مقالات - مقالات سياسية
Written by عبد الرحمن الذاكر   
Friday, 09 October 2009 14:25

بدأت معالم الحزن ترتسم على جبين سعيد، لم تكن عادته التقطيب، بشرة وجهه منفتحة بالفطرة، ابتسامة عريضة تلازمه مثل ظله. إلا أن زملاءه غذوا بذرة اليأس في طبيعته المرحة المتفائلة، زرعوا نبتة الحزن في مشاعره، أصبحوا يصيحون عليه من كل جانب.

له مواهب خاصة جعلته متميزا بين أقرانه، لا تطلع الشمس ليوم إلا وفي ذهنه فكرة وليدة، له أفق واسع، وصدر رحب، تتدفق الأفكار عليه من كل صوب.

"المفكر" هو اللقب الذي اختار له محيطوه عندما أخذهم العجب في صيغة سرد حججه وبراهينه، والألطف من ذلك فلسفته الغنية بالعقل والمنطق.

لا يأتي إليه الغضب من قريب ولا من بعيد في حين معارضة زملائه لفلسفته التي يعتبرونها ثرثرة في غير فائدة، أصبحوا غصة في حلق إبداعاته وأفكاره، ما إن يأتي بمشروع إلا ويميتوه في مهده.

أما ليبان، فهو الصديق الدائم للمفكر، يحب المطالعة كثيرا، ويكثر من الكتابات، بيته يزخر بأوراق ورسائل مختومة باسمه، وكان يشمئز من تأخير زملائه عن مشاريعه العملاقة، آخر مشروعه هو "القراءة والقلم" والتي عرضها عليهم على أمل تطوير الفكرة، لكن بدون جدوى.

كان "الكاتب" مقهورا بين زملائه، يغض الطرف كثيرا عن تصرفاتهم الاستفزازية، ضاقت به الأرض بما رحبت، كما كان "المفكر" يستقبل منهم أذى كثيرا، ومن فلسفة "المفكر" ارتياحه بما يتفوهون من ألفاظ تسفيهية، واستئناسه بأن كفار قريش سفهوا النبي صلى الله عليه وسلم ووصفوه بالجنون، وأتت الآيات الكريمات لتطهر المصطفى أكمل تطهير، ما إن يكمل "المفكر" حديثه حتى يزمجروا ويعربدوا عليه، ويستشيظوا غضباً،

ويقولوا: "إنك لست رسولاً".

ويردّ عليهم بكل بساطة: "وأنا لستُ مجنونا".

وفي إحدى الليالي، والرياح الهوجاء تجرف الغبار بأذيالها، عقد الزملاء اجتماعاً سرياً في كوخ خارج البيت، مكنونه التخلص من مشروع "القراءة والقلم" وإماتته كأمثاله في مهده، على خلفية كراهية أصحاب الفكرة ورواد المشروع "الكاتب والمفكر"، ولم يدركوا أن السحر سينقلب يوما على الساحر.

لقد شعر الكاتب والمفكر إذاً الخطورة التي تحف بهما، وأن القوم تآمروا عليهما بالليل، وما عليهما إلا أن يدبرا لهم خطة محكمة تنقض ما غزلوا وتبدد ما نسجوا، فالاثنان يتسامران تحت القمر، ويقلبان أوراق مشاريعهما يمنة ويسرة.

المفكر: كيف عن مشروعنا، وقد تآمروا على تدميره؟

الكاتب: لا تقلق، كل ما يفعلونه هراء.

المفكر: إذاً هل من سبيل لإنقاذه، وقد رأيتنا أصبحنا شاذَّين بينهم؟

الكاتب: الفجر يأتي بعد أحلك ساعات الليل، والفرج كذلك، ما علينا إلا أن ننتظر لحظة نهوض وثورة نقوم بها ضد المتآمرين.

لم يفصح "الكاتب" كلامه الأخير، لكن استشف "المفكر" بأن بقية أمل تحدوه، وأن هذه الكلمات تنبع من نفس واثقة، وما عليه إلا أن ينتظر عندما سيكشف المستور عن قناعه.

كثيرا ما يعضّ "الكاتب" شفتيه استياء من الإحباط الذي أوقعوه في فخه، كان جريئا ومفعما بالحماسة عندما طرح عليهم "المشروع" في الأول من يونيو، لكنه أخطأ الهدف، وما كان له أن يبوح أسراره لمثلهم.

أتي الليل بكل ما يحمله من قدر، وقد دبر الكاتب فكرة في منتهى السرية، يودُّ أن يقوم برحلة استكشاف لمشروع "القراءة والقلم" وبدأت معنوياته تتحسن عندما جمع ملفات المشروع بأكملها في حقيبته، وقطع تذكرة السفر، واستعد للرحلة في صباح غد الثاني من أكتوبر.

وفي ذات الليل التقى الاثنان "الكاتب والمفكر" في مقهى "النجوم" وتناولا أطراف الحديث.

الكاتب: هذه الليلة ستكون تاريخية، الخروج عن محيط الخاملين والمحبطين والمتعنتين، المشروع على وشك التحرر من الأسر والتحلل من الأسلاك.

المفكر: [مبستما] غير معقول.. ما الذي فعلته يا أخي؟ هل فجرت بيت المتآمرين بالقنابل الذكية؟

الكاتب: لا، بل سأرحل غدا، وكل ما يتعلق بالمشروع في حقيبتي حالياً، ولن نشتكي يوما بعد هذا من فعلهم، اليوم، هي ثورة "واحد أكتوبر" لمشروعنا العملاق.

المفكر: [شدّ يد الكاتب بقوة] وهذه صفقة بيني وبينك، يجب علينا أن نبني دائما ونخرج من الكلل والملل والاستسلام، نتحرر من المتطفلين، ونتطلع إلى أفق واسع، وبعدما أودعك في المطار سأنتقل إلى بيت رحب واسع، تزينه الحدائق، وأكون الوكيل الوحيد للمشروع في هذه المدينة، وليبكوا هم على الأطلال.
*كاتب صومالي - نيالا

تعليقات حول الموضوع

Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى