الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
عيش في سفاري بارك، يوميات في كينيا (1-2 ) Print E-mail
مقالات - مقالات سياسية
Written by نوح شيخ عبدي جافو   
Monday, 05 October 2009 14:14
نوح شيخ عبدي جاف باحث بمركز التميز البحثي لتطوير تعليم العلوم والرياضيات جامعة الملك سعود – الرياض

في اليوم 18 من يوليو تموز عام 2009م غادرنا مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة على متن الخطوط السعودية، وكادت الرحلة أن تفوت عنا ونحن منهمكين في الحوار البيزنطي في الشأن الصومالي، ولم نشعر حتى نبهنا الموظف بالنداء على اسمي وطالبين من الجامعة الإسلامية بالمدينة وآخر من جامعة أم القرى، ودبلوماسي صومالي  جمعتنا به الرحلة المتجهة إلى مطار جموكنياتا الدولي  بنيروبي،فأدركنا الطائرة قبل الإقلاع بدقائق وذلك في 08:30 صباحا.

 اصطحبت معي الكتاب الشيق" جرأة الأمل" لمؤلفه الرئيس الأمريكي باراك بن حسين أوباما،لأقرأه في الرحلة، وأذكر منه العبارات الجميلة من الفصل الخامس" الفرصة" متحدثا عن الطيران الخاص يقول:

" .. والطائرات بديعة مريحة. في المرة الأولى، ركبت طائرة (خاصة)  من طراز سيتيشن  أكس، وهي طائرة صغيرة ولامعة، هيكلها الداخلي مغطى بألواح مزخرفة من الخشب، ويمكن جمع مقاعدها الجلدية لتشكل سريرا تأخذ عليه غفوة متى شئت. في المقعد الخلفي وضعت أطباق سلطة القريدس والجبنة... أحد أفراد الطاقم اخذ معطفي ليعلقه، وعرض علي الصحف لأختار منها وسالني هل تشعر بالراحة.كنت مرتاحا تماماً"!! .

أما طائرتنا فلم تكن توازي طائرة أوباما لا شكلاً ولا مضمونا، بل كانت من أضيق الطائرات التي نقلتني من السعودية في جملة رحلات  قد تصل إلى 30 رحلة خلال 13 عاما عشت في المملكة العربية السعودية.

 وإليكم المختصر المفيد أو غير المفيد المباح، من يومياتي في كينيا بعض مما هو في الذاكرة متاح:

(1)  الجفاف والمجاعة

تشهد منطقة شرق إفريقيا عامة وكينيا خاصة، جفافا حاداً أثر على الحياة من جميع النواحي، ولعل كثيراً منكم شاهد الصور المؤلمة التي التقطت من شرق إفريقيا على وسائل الإعلام  عند الحديث عن المليار الجوعى في العالم  حسب تقديرات برنامج الغذاء العالمي .

عند خروجنا من المطار لم نشعر بالبرد المعهود في نيروبي مثل هذا الموسم من العام في شهر يوليو،ولم نر أثراً للنباتات الخضراء على مدرج الطائرة ولا على جانبي الشارع، فأنكرنا صورة عاصمة إفريقيا الخضراء علما بأن" الشجرة الخضراء عنوان المدينة الجميلة" واختفت أبقار قبائل سنبرو، ومساي عن الأنظار بعد أن نفق معظمها وعبرت البقية الباقية عن الحدود نحو إثيوبيا  طلباً للكلأ، وهربا من القحط الذي يضرب المنطقة.

 كما غارت آبار المياه الجوفية ووقعت مواجهات دامية بين الرعاة بسبب النزاع في السقى ، و تعاني العاصمة نيروبي من أزمة نقص مياه حادة بسبب تأخر المطر؛ رغم أنها تقع على هضبة مرتفعة غنية بالمياه العذبة.

 خلت المخازن المركزية في بعض المناطق من الحبوب بأنواعها، وتشاهد الأكياس من الذرة الحمراء التي خصصت للاجئين الصوماليين تنقل من الحدود الصومالية إلى نيروبي ومنها إلى بقية المناطق الكينية!.

 وحصل اتحاد وحلول  في الأطعمة  بين الحيوانات العاقلة وغير العاقلة حيث تعلف البهائم الحبوب الحية أو العصيدة المطبوخة، كما أكل البشر في بعض مناطق كينيا أوراق الأشجار كما العصر الحجري جراء الجوع!.

  تعرضنا لزحمة شديدة في طريقنا إلى الحي الصومالي إيسلي، ولم نصل إليها إلا بعد ثلاثة ساعات من المطار كما لم نحصل أي فندق من الحي المكتظ بشبه اللاجئين إلا بعد بحث واتصالات استمرت  قرابة ساعة أخرى.

ولم تكتمل فرحتنا بحصول الغرفتين بسبب انقطاع  المياه عن الفندق فتوضأنا من عبوات المياه المعدنية التي أعاد العمال الكادحون تعبئتها

وبعد استراحة قصيرة نزلنا إلى المطعم الملحق بالفندق للغذاء والعشاء جمعاً، ففوجئنا بأسماء ألأطعمة العربية في سابقة هي الأولى من نوعها في نيروبي: اللحم المندي واللحم البخاري والرز البخاري والدجاج البخاري. نعم لحم بخاري!ودجاج بخاري! واستغربنا التقليد والتلفيق معاً، فعش رجباً ترى عجباً!.

(2) الخمس الكبار في كينيا

 كينيا بلد الطبيعة الخلابة  ذو الشهرة الواسعة في السياحة الدولية، وتمتلك عددا من المواقع الأثرية المدرجة ضمن لائحة التراث العالمي لدى اليونسكو، وتبذل المنظمات المعنية بحماية الحياة البرية جهودا جبارة  لإنمائها والمحافظة عليها؛ لجذب اكبر عدد ممكن من السياح الأجانب الذين لم يروا الثعلب البري طيلة حياتهم فضلا عن فيل هادئ  يمشي على قارعة الطريق، أوزرافة أليفة ذات قوائم ممشوقة وجيد طويل تعلوا بها إلى ورق السلم.

 ولا غرو في ذلك فإن معظم البرامج الوثائقية التي تشاهدونها على القنوات التلفزيونية عن الحيوانات المفترسة والأليفة- وخاصة الخمس الكبار: الفيل،ووحيد القرن، والأسد ،والنمر، والزرافة-  تصور معظمها من سرنجتي بارك التي تقع بين كينيا وتنزانيا، كما أن كثيرا من الطيور الإفريقية الجميلة تعيش في شواطئ بحيرة ناكورو الكينية،

 وتعتبر حديقة سفاري بارك في كينيا  أفضل قبلة للسياح الغربيين، بجانب وجود القمم الشاهقة نحو كلمنجارو، وجبل كينيا، والمدينة الساحلية ذات الحضارة الإسلامية العريقة ممباسا التي تضم الكثير من المواقع الأثرية.

وتحوي أرفف المتاحف الكينية عددا كبيرا من الوثائق المصورة والمنحوتة من حضارة القبائل الكينية وعلى رأسها ثقافة ماساي مارا المسلية وغيرها.

غير أن هذا العام لم يعد عاما سياحيا بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية،  ولا للخمس الكبار ذكر في كينيا حيث حل محلها الحديث عن BIG-VEVE أخرى وهي: الجفاف، والمحكمة الجنائية لمرتكبي الجرائم بعد أحداث الانتخابات في نهاية عام 2007م، وتعديل فقرات من الدستور، والإحصاء السكاني المثير للجدل لاشتماله  على فقرات حساسة تتناول العرق والانتماء القبلي، والانتخابات النصفية للمجالس المحلية" البلدية".

 كانت تلك هي القضايا الكبرى التي تشغل بال الكينيين هذا العام، بجانب الملف الأمني وانتشار الفساد الإداري والمالي .

 حاولت أن أرصد عن كثب مجريات الانتخابات النصفية للمجالس المحلية في كل من منديرا، ووجير، وسمعت عن قاريسا وإجارا وتاناريفا، فوجدت أبلغ وصف للمدلين بأصواتهم "KA CUN OO KA CODEEY".

 أما الفساد الإداري فقد أكون مشاركاً؛ إذ احتجت بأخذ البصمات من الأدلة الجنائية لدى مكتب البحث الجنائي في الشرطة الكينية فرأيت أفعال القوم في الكربشن وأخشى أن أكون متورطا فيه؛ إن لم يكن لدي دليل من باب عموم البلوى،!كما استغربت شفافية الفساد المالي هناك حيث ساعدني ضابط  المباحث الذي يلعب دور المعقب "مخلص" أمام مرء ومسمع من الحشود الكادحة التي تنتظر دورها من أخذ البصمات للظفر بوظيفة أمنية بعد صدور براءتهم من الجرائم، ولا أظن أن كثيرا منهم سيصل إليهم الدور إلا بعد نهاية الدوام، أما أنا فلم تأخذ مني العملية سوى بضع دقائق؛ وذلك بمفعول الفلوس التي قد تغير النفوس.

(3)   الحدود المثلث

  في الحدود المثلث بين الصومال وكينيا وإثيوبيا وعلى بعد مسافة رمي رصاصة من الجميع – كما يستخدم البعض كمقياس- وذلك لكثرة إطلاق النار فيه- تقع  مدينة منديرا الكينية في الضفة الغربية لنهر داوا وفي الضفة الشرقية منه تقع مدينة صوف الإثيوبية، وتقع مدينة بلد حواء الصومالية جنوب شرق منديرا من الضفة الغريبة لنهر داوا، وهو مثلث أشبه بمثلث برمودا الخطير، وبما أن النفوس مفطورة بحب بلادها فقد يسمي بعض أبنائها بـ" المثلث الذهبي" وهي فعلاً منطقة متميزة وإستراتيجية تجاريا وسياسيا ًيعكر صفوها عدم الاستقرار في الصومال.

  والعلاقة ما بين إدارة منديرا الكينية وإدارة الشباب المجاهدين في بلد حواء فاترة جداً بعد اختطاف ثلاثة من عمال المنظمات الدولية من منديرا قبل شهرين ، كما أن العلاقة ما بين إدارة صوف في الولاية الصومالية الخامسة من إثيوبيا، وإدارة الشباب المجاهدين في بلد حواء تتسم بالعدائية، أما العلاقة ما بين كينيا وإثيوبيا فهي علاقة طبيعية؛ وبإمكان الأهالي التنقل بالبطاقة الشخصية فقط أو حتى بدونها ما بين حدود البلدين.

 هذا على المستوى الحكومي أما على المستوى الأهلي والشعبي فالعلاقات سمن على عسل؛ إذ القوم كلهم من أصول صومالية، فالقبائل ذاتها تسكن كل المدن الحدودية أو تنتقل من الصومال إلى إثيوبيا وكينيا والعكس، ويتسمون بالسلم الاجتماعي رغم ما يشوبه من تنافس غير شريف أثناء الانتخابات.

 ومن الطرائف أن مدينة منديرا كانت سباقة في إتباع  طريقة أشبه بطريقة 4.5 الصومالية لتقاسم السلطة؛ إذ لديهم طريقة أخرى هي التقاسم  بثلاثة قبائل كبرى وقبيلة تجمع الباقي.!

(4) أهل السنة والجماعة

 أرسلت عثمان ومؤمن وهما طالبان في المدرسة إلى صوف في إثيوبيا لقضاء حاجة لي هناك، فعادا مسرعين ومرتبكين، فلما استفسرت عما أفزعهما أفاداني بأنهما شاهدا المدينة معسكرة بالجيش الإثيوبي، ومليشيات صومالية تلبس زيا موحداً كتب على ظهره أهل السنة والجماعة باللغة الصومالية تجوب شوارع المدينة الصغيرة، مبديان استغرابهما بعلاقة السنة بالكفر والجيش بالجماعة حسب تعبيرهما!.

 شرحت لهما الموضوع وبأن الأمر ليس جديدا فقد شاع سابقا في تلك المنطقة أناسا يمتهنون باسم الدين لأغراض دنيوية، وقد كنا نشاهد في الصغر رجالا يدعون أنهم من الأشراف وليس لهم من الشرف صلة نسب ولا مهنة، كما أن هناك حكايات شعبية قديمة تفيد بان المستعمر دس فينا عشرات من غير المسلمين.

كما تذكر بعض المراجع الأجنبية بأنه وجد في البلاد أيام الاستعمار من تسمى بالشيخ عبد الله من الانجليز ووجد يوم جنازته وهو غير مختون وهذه دلالة على عدم إسلامه وإدانة كافية على عظم جرمه.

قلت والعكس صحيح فإن كثيرا ممن يتسمّون بالا سلامين  اليوم يوجد فيهم مندسين أومنتفعين،بعد أن دخل فيهم كل من هب ودب، وفصل له قميص من مقياس  فري سايز دون أن يتخلى عن مبادئه ولم يتب عن جرائمه، وضربت لهم أمثلة من جماعة  أهل السنة والجماعة، ومن حركة الشباب المجاهدين وهما هرم طرفا الغلو الضارب في المنطقة، وكم ساهموا في توريط أهل الدين الصحيح، وكيف شوهوا صورة المتدينين؛حيث يقول أحد المسافرين بين لوق ومقديشو بأنه ركب  السيارة مع مجموعة من الرجال تظهر عليهم آثار التدين فساوره القلق عن مسيره مع وجودهم في السيارة، فلما قطعوا مسافة عن "بيدوا" أشعل أحدهم السيجارة فتنفس الخائف المترقب الصعداء!.

(5)  نسخة الشباب المعدلة في كينيا

    الشباب لقب جميل طالما تمنى الشيبان عودته: ألا ليت الشباب يعود يوما.. أما وقد أصبح مصطلح الشباب اسما حركيا فقد يتوجس كثير من الدارجين إطلاقه على أنفسهم.

 وفي حالة تماثل الأفكار أو توافق الرؤى بين مدارس الفكرية فعلى إحداهما أن تكون أصلية، والثانية مقلدة.

 ففي كينيا تجد نسخة من الشباب المعدلة جينيا ويظهر بذلك جليا من خلال تناولهم في القضايا الكبرى وطريقة تفكيرهم ومحاولة تفسيرهم للكون، والاعتداد برأيهم واستلاب الأمور دون النظر بعواقبها، وطريقة أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر من تقديم الإنكار باليد على الإنكار باللسان.

نموذج توضيحي: كان حفل الزفاف الصيدلاني المتدرب في مدينة منديرا على كريمة أبيها يوما للفرح والمرح؛ شارك في الوليمة عشرات من أقاربه وزملائه بالحضور والتهنئة، و طالب زملائه في المهجر بتوثيق الحفل بالتسجيل على شريط فيديو، فاستأجر المنظمون للحفل فرقة "D.J" للتصوير، وبدأ الفتيات يكلن المديح للعروسين طوال المساء؛ إلا أن ما كدر تلك الفرحة كان طريقة فهم بعض الشباب لتحديد المنكر وطريقة إنكاره في آن واحد، حيث غزى مجموعة من الأحداث الصغار من مسجد الحي  المجاور فأوسعوا الضرب على بعض منظمي الحفل بما فيهم أخو الفتاة العروس وفرقوا الفتات المنشدات بالقوة ، ولما لم يرتدع مرتكبو المنكر لم يتوقف مرتكبو الجرم عن الغزو؛ ففصلوا تيار الكهرباء عن منزل العرس بأكمله بحجة عدم جواز التصوير بالفيديو، إلا أن المنظمين لم يقفوا مكتوفي الأيدي فهاجموا على مؤذن المسجد وهو من فصّل المنزل عن تيار الكهرباء كما قالوا بأمر من شيخه - فوثبوا عليه وثبة رجل واحد حتى كاد أن يغمى عليه.

 وقدّم المؤذن لعلمه هذا مسوغان: أولاهما أنه ينفذ أمر شيخه طاعة لله ورسوله، والثاني أن المنظمين اشغلوا المصلين في المسجد عن الجماعة. ويقول لي شاب آخر شارك في المعركة أن المنظمين خالفوا الشرع والعرف؛ للبس الفتاة العروس ناموسية شفافة "shandarwo" حسب تعبيره ويعني به التاج الأبيض الذي تلبسه العروس ليلة العمر!!. يتبع

 

 

تعليقات حول الموضوع

Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى