|
أرض الصومال .. ونهاية المشوار الانفصالي (2) |
|
|
|
مقالات -
مقالات سياسية
|
|
Written by محمد أحمد عبدالله
|
|
Sunday, 04 October 2009 13:57 |
في الجزء الأول من هذا المقال تحدثنا أن جمهورية "أرض الصومال" تواجه مأزقا سياسيا متمثلا في ندرة الخيارات وإنعدامها بين:انفصال مستحيل (لغياب المسوغات) حيث باآت كل الجهود التي بذلت خلال ثمان عشر سنة مضت لبحث الاعتراف لصوماللند بالفشل.وحدة بلا شريك (لإنغماش الجنوب في مستنقع الحرب الأهلية) صعوبة الاستمرار في حياة البرزخ بين الوحدة والانفصال.
وذلك نتيجة لأسباب منها: دخول المناطق الجنوبية بما فيها العاصمة دوامة عنف لا تنتهي، كما أن الانفصال والاستقلال عن بقية الصومال تمّ أخذه في محمل الجد لدى كثير من أبناء الشمال؛ حتى أصبح الحديث عن الوحدة أو التعامل مع الجنوب خط أحمر يهدد أمن واستقرار هذه المناطق؛ إضافة إلى دور المجتمع الدولي المعجب بالتجربة الديمقراطية الوليدة في هذا الجيب الصومالي ؛ والذي بدأ يغدق الاقليم بالدعم المادي والمعنوي؛ لكي يحافظ على مكتسبات السلام والاستقرار.لماذا توقف مشوار الانفصال؟وفي هذا الجزء سنتناول أسباب انسداد طريق الانفصال وسنختتم بالحلول التى نراها قد تساهم في الخروج من المأزق السياسي وعدم الانزلاق في الفوضى السياسية والأمنية والتي تطل برأسها بين الفينة والأخرى.الفشل في التحول من النظام القبلي إلى دولة القانونأن الخطوات التي خطاها هذا النظام خلال ثمانية عشر عاما مضت في تكوين نظام حكومي قائم على المؤسساتية وتطبيق القانون إنتهت إلى إقامة مظاهرهيكلية فارغة عن محتوى النظام الحكومي المبني على الدستور والقانون؛ وأن سلطة الأعيان ورؤساء العشائر لا تزال تحتفظ حيويتها ونشاطها في أرض الصومال؛ وتمثل جهود الأعيان وسلاطين العشائر العمود الفقري لأمن واستقرار هذه المناطق فإبتداء من المشاكل الدستورية ومرورا بالحوادث الجنائية وانتهاء باصطدام السيارات فإن المرجع الأساسي هو دور ونفوذ الأعيان والسلاطين؛ وتمثل المشاكل السياسية والدستورية أحد التحديات الرئيسية لإستقرار هذا الاقليم وكلما يفشل النظام الحكومي في التوصل إلى حل لها فإنها تصبح من اختصاصات الأعيان ورؤساء العشائر والذين غالبا ما يقومون بتخديرها لتسكت فترة ثم تطل رأسها من جديد.سطحية العقيدة الانفصاليةإن مثل هذه المشاريع تحتاج إلى ثورة شعبية مغذية بالقضية حتى النخاع ولا تتأثر بميول بعض السياسيين فيها ولا التحركات غير العميقة في محيطها؛ لكن ماذا تظن في مشروع انفصالي يعلن رئيسه الأول وفي نهاية فترته الرئاسية بالتراجع عن مشروع الانفصال في هذا الاقليم؟! وماذا تفسر برفع العلم الصومالي الأزرق ذي النجمة الخماسية البيضاء في مدينة بورما معقل رئيس الجمهورية الحالي احتجاجا على أحداث عيل بردالي في شهر يوليو المنصرم؟! وماذا تعني التحركات المكوكية لسياسي الاقليم في الانضمام او الانسحاب في المجالس السياسية في كل من أرض الصومال وبونتلند والحكومة المركزية؟ فاليوم كان مسئولا بارزا في بونتلند فيذهب بسهولة إلى أرض الصومال فيتقلد منصبا رفيعا وآخرا يكون مسئولا في أرض الصومال ثم تراه وزيرا أو نائبا في الحكومة المركزية!!!فشل تعميم العملة المحليةأن الذهاب إلى آسيا وطبّاعة بلايين الشلن من العملة المحلية ليس دليلا على السيادة الحكومية فهذه الخطوة قد تقوم بها العصابات الاجرامية كما تقوم به الحكومات لكن المهم هو من يملك سلطة فرضها على الوطن والمواطنين كعملة وطنية رئيسية؟ وفي أرض الصومال وفي أسواقها المحلية يتعامل المواطنون بثلاث عملات مختلفة فالعملة الرئيسية (شلن صوماللند؛ $1=6000 شلن صوماللند) تصلح للاستخدام في هرجيسا العاصمة وبربرة فقط؛ وعندما تصل إلى مدينة برعو ونواحيها يتعامل المواطنون فيها (بالشلن الصومالي؛ $1=30000 صومالي)؛ ويتعامل بالشلن الصوماللندي كعملة أجنبية تذهب إلى الصرّافين وتطلب منهم تبديلها إلى الشلن الصومالي لكي تستطيع أن تشتري حاجاتك؛ أما منطقة بورما ونواحيها فالمواطنون فيها يتعاملون بالعملة الايثوبية (البر؛ $1=100 بر ايثوبي)، إذا أمامنا فشل سيادي واضح غني عن التعليق.استنفاد كافة الخياراتأن التوسط في الانفاق لا يعني فقط في المجال المالي وإنفاق الأشياء المادية الأخرى؛ وإنما هي حالة لا يستغني عنها مجال من مجالات الحياة المختلفة وفي مجال السياسية والدبلوماسية تكون الحاجة إليها أشد؛ وفي ملاحظة سجل الأداء السياسي والبلوماسي للجمهورية الانفصالية يكون أول ما يراه المراقبون كيف أفرط قادة هذا الاقليم باستخدام كافة الخيارات المتاحة واللعب بجميع أوراقه.نظام الحكم في الجمهوريةنظم الحكم في العلوم السياسية ليست على نمط واحد وأن اختيار نظام معين على بقية أنظمة الحكم المختلفة يتوقف على عدد من المتغيرات في ظروف هذا البلد، وأن النظام الرئاسي التي اتبعته هذه الجمهورية لم يكن صالحا – وحسب رأيي – لظروف هذا الاقليم فأولا يتطلب هذا النظام أن يتم اختيار الرئيس من قبل المواطنين مباشرة؛ وأنه يتمتع بسلطات وصلاحيات قوية، وبما أن ارض الصومال لا تسيطر على جميع مناطقها التي من المفروض أن تشارك في اختيار الرئيس؛ إضافة إلى الفشل في تجاوز النظام القبلي إلى النظام السياسي المبني على الديمقراطية وتعدد الأحزاب فإن القول بوجود رئيس يتمتع بصلاحيات واسعة لا يخضع لكثير من سلطات المجلس التشريعي فهو أمر غير مساعد للاستقرار وحسن سير الأداء الحكومي؛ كما أن هذا النظام للحكم في أرض الصومال يتطلب إجراء ثلاث انتخابات ( رئاسية؛ تشريعية وبلدية) خلال كل خمس سنوات، وهو أمر تعجيزي أخر لإحباط عزيمة هذه الجمهورية الوليدة لأنه أمر يتجاوز كل إمكانياتها المادية والفنية؛ ومشكلة تسجيل الناخبين القائمة حاليا بين الحكومة وأحزاب المعارضة ومنظمة انتربيس Interpeace دليل واضح على عدم صلاحية هذا النظام لهذه الجمهورية الوليدة.وبالنسبة لرأيي المتواضع فإن انسب نظام الحكم في هذه الجمهورية هو النظام البرلماني القائم بأن يولي رئاسة الحكومة رئيس وزراء قوي من حزب الأغلبية (منفردا أو مع ائتلاف) في البرلمان مع رئيس رمزي للجمهورية يتم اختياره من قبل مجلس الشيوخ في كل ستة سنوات مرة؛ وأن لا تقل عن فترة البرلمان والبلديات المحلية سبعة سنوات؛ وهو بالفعل سيرفع عن كاهل البلاد عبء اقتصادي ومشكلات دستورية.الابتعاد الكلي عن الملف الصومالي أن حق تقرير المصير للشعوب مبدأ أصيل في القوانين والأعراف الدولية؛ وفي حال اختيار مجموعة صومالية أن تستقل عن بقية الصومال فلا أظن أن هناك من يفرض عليها الوحدة بالقوة وتحت تهديد السلاح ؛ لكن استعادة الحرية والاستقلال لا يأتي عن طريق قيام مجموعة ما بسد أبوبها ونوافذها على نفسها واعلان جمهورية مستقلة من جانب واحد، وإذا كان أساس العلاقة بين الزوجين في الشريعة الاسلامية "إمساك بمعروف أو تسريح باحسان" وهما شخصان فقط فمن باب الأولى لإنفصال اقليم معين عن بقية جسد الأم – وذلك في حال استحالة الاستمرار في عصمة الوحدة – أن يكون الفراق والانفصال بتفاهم الطرفين؛ وقادة جمهورية أرض الصومال فوتو على أنفسهم فرصا ثمينة في مقاطعتهم لكل ما يجري في الصومال؛ لأنه لم يكن في الصومال سلطة قوية تعارضهم ميدانيا أو سياسيا؛ بل كانت الصومال ساحة مفتوحة ومختبرات لكل التجارب والفكار السياسية في المنطقة؛ فكان على قادة هذه الجمهورية ايجاد منبرا لهم من خلاله يشاركون في التحركات الاقليمية والدولية في الملف الصومالي وتحقيق فوائد منها: تفويت الفرصة للسياسيين الشماليين الوحدويين في تمثيل المناطق الشمالية؛ والسعي لإستصدار قرارا دستوريا من مؤتمرات المصالحة يسمح لهذا الاقليم وبقية المناطق الأخرى حق تقرير المصير؛ وهذه الخطوة سترفع الحرج عن الدول التي تتردد في اعتراف أرض الصومال مراعاة للاعراف الدولية في اعتراف دولة جديدة والتي تحدثنا عنها في الجزء الول من هذا المقال، لكن لغياب أي عقيدة انفصالية حقيقية لدى قادة هذه الجمهورية أصبح الحديث عن علاقة مع الصومال مصيدة يحاول كل طرف أن يقع فيها خصمه حتي يستثمر بها؛ وفي شهر فبراير الماضي قال نائب رئيس أرض الصومال أحمد يوسف ياسين في تعليقه على انتخاب الشيخ شريف الشيخ أحمد رئيسا للصومال بأنه شخصا يمكن أن نتفاهم عليه وبعدها كادت القيامة في أرض الصومال أن تقوم حتى اضطر هذا المسئول أن يتراجع عن قوله ويقول أنه كان يقصد بان شريف يختلف عن شخصية عبدالله يوسف.وفي الختام فإن لكل شيء عمر مقدر ولكل مشوار نهاية ولا نحب لأهلنا في الشمال إلا الخير والتطور والازدهار؛ وإذا كان هناك من يرى الانفصال في الشمال قبيحا ففيما يجري في الجنوب من تناحر وتقاتل أقبح ألف مرّة من انفصال منطقة نجح أهاليها في الاحتكام إلى العقل والشرع لحقن الدماء فيما بينهم، لكن ما يجري في المناطق الشمالية كجهد بشري من الطبيعي أن يكون له بعض السلبيات والتي تحدثنا عنها وحتى لا تغرق السفينة بسببها نقدم هذه الاقتراحات كعلاج لهذه السلبيات:القيام بمراجعة مسئولة لمسيرة المشروع الانفصالي ومبرراته الأصليةالتحول من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني مع تعديل الفترات الانتخابيةايجاد لوبي صوماللندي في الحكومة الصومالية المركزيةالحفاظ على الأمن والاستقرار وتقديمها على كل شيئ
*كاتب وصحفي صومالي
|
تعليقات حول الموضوع
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.