|
وهج الوسطية الإسلامية [14] |
|
|
|
مقالات -
مقالات سياسية
|
|
Written by أنور أحمد ميو
|
|
Friday, 15 April 2011 22:00 |
أدب الاختلاف بين التسامح والتفرق:الاختلاف شيء طبيعي في الحياة، وطبائع الناس وتوجهاتهم ومصالحهم ومطامحهم وأفكارهم وتصوراتهم كلها مختلفة، وهذا من حكمة الله عز وجل فالناس لم يخلقهم على نمط واحد كما قال تعالى:{ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم}، وقال تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم}وقال أيضا: { ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته}، وقال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم}، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه قال: " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف"، وأما حديث: " اختلاف أمتي رحمة" فهو باطل لا أصل له.ضوابط الاختلاف المحمود:الاختلاف في وجهات النظر والاجتهادات لا بأس بها، بل هي من صميم الدين، وقد اختلف الصحابة الكرام بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فعندما قال صلى الله عليه وسلم بعد أن رجع من غزوة الخندق وفُكّ حصار المدينة : " لا يصلينَّ أحدكم العصر إلا في بني قريظة" اختلف الناس حول فهم هذا التوجيه من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال فريق: كان يعني أن نذهب إلى معاقلهم مبكرا ولا يعني أن تفوتنا الصلاة ونحن في الطريق فهؤلاء صلَّوا في الطريق، وقال فريق: بل كان يعني أن نصلى العصر في هذا المكان بعينه، فلا تصح الصلاة إلا فيه، وهؤلاء ل م يصلوا العصر في الطريق حتى فاتهم العصر، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم بخبر الفريقين فلم يعنف أحدهما وأقر بالاختلاف في وجهات النظر، ومثل هذا جميع الأقوال المختلفة في الفقه الإسلامي من المذاهب المختلفة في المسألة الواحدة، فالله عز وجل أجمل القرآن ولم يفصِّل آياته رحمة بالأمة، وكذلك السنة النبوية التي فسرت القرآن لم تفصل كل شيء بالتفصيل الدقيق، نَعَم: الدين الإسلامي مفصل وكامل كما قال تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي}، وقال: {وكل شيء فصلناه تفصيلا}، وقال: {ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء}، وقال {ما فرطنا في الكتاب من شيء}، غير أن هذا التفصيل إنما هو في الأمور المهمة من الشريعة الإسلامية، ولكن لكل مسألة دينية أو سياسية أو اقتصادية أو فكرية فيها مسائل وفروع كثيرة جدا، تحتاج إلى اجتهادات ووجهات نظر مختلفة، وهذا غير معدود في الاختلاف المذموم، وقد رسم الله لهذا الاختلاف ضوابط نذكر أهمها:الأول: التحاكم إلى القرآن الكريم، قال تعالى : { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله}.الثاني: التحاكم إلى السنة الصحيحة، قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}، وقال أيضا: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}.الثالث: التحاكم إلى العلماء وأهل الحل والعقد، قال تعالى: { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم}.الرابع : الاجتهاد في الأمر وتعدد وجهات النظر ولو كان خطأ، قال تعالى: { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما} إلى آخر الآيات، نزلت في طعمة بن أبيرق وإخوته وكان قد سرق درعاً من دار جارٍ له يقال له قتادة وودعها عند يهودي يقال له يزيد بن السمين ،ولما اتهم طعمة وخاف بنو أبيرق رموا بها اليهودي وقالوا هو السارق ، وأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلفوا على براءة أخيهم فصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قولهم أنه السارق ، لشهادة بني أبيرق عليه فنزلت، ومثل قول الله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة} نزلت في أن النبي صلى الله عليه وسلم تشاور مع كبار الصحابة في شأن أسرى بدر فتعددت وجهات النظر، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم رأي أن يؤخذ من كل أسير فدية.الاختلاف المذموم:أما الاختلاف في أصول الدين فهو مذموم شرعا، مثل الاختلاف في أسماء الله وصفاته، وذات الله سبحانه جل شأنه، والاختلاف حول القرآن هل مخلوق أم غير مخلوق، والاختلاف حول صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هل كانوا فساقا أم أخيارا، ومثله الاختلاف حول حجية الأحاديث النبوية الصحيحة، وقد وقع اختلاف بين تلك المسائل، وتعددت الآراء والمذاهب، وكل من اتبع الصواب من هذه الأقوال سمي باسم أهل السنة والجماعة، وكل من خالفه سمي بأهل البدع والأهواء والفرقة، ومن أوجه الاختلاف المذموم أن يدعو الشخص إلى كيان يوالي عليها ويعادي عليها، ويفرق الناس بسببه، فكل من أسس تنظيما أو كيانا يريد أن يفرقه بين المسلمين كأن يجعل العضو فيه مقربا وغير العضو مبعدا يدخل في الاختلاف المذموم، ومع الأسف الشديد بعض الحركات الإسلامية تشتغل على هذا النمط، غير أن هناك تفاوتا في الأمر فهناك حركة إسلامية غير متعصبة لأفرادها وأهدافها وتريد الاندماج في المجتمع والعمل المشترك، وهناك حركة أخرى أكثر تعصبا وانغلاقا وهكذا، ومن أوجه الاختلاف المذموم أن يأتي شخص في دولة أو كيان إسلامي مجمع عليه بين المسلمين فيدعو إلى كيان آخر أو إسقاط الكيان فهذا يدعو إلى الشقاق والفتنة والفوضى وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم فاقتلوه"، وفي رواية "فاضربوا عنقه كائنا من كان"، رواه مسلم، يعني اقتلوه ولو كان متظاهرا بالصلاح والتدين، لأن الضرر الذي يدعو إليه أخطر من قتله، والفتنة أشد من القتل، وقد وردت نصوص كثيرة جدا في ذم الاختلاف المذموم قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} وقال تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ . فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}والآيات والأحاديث في هذا المعني كثيرة مشهورة.قاعدة: نعمل فيما اتفقنا عليه؛ ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه:هذه القاعدة قالها الشيخ الإمام حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين بمصر، والذي حاول – رحمه الله – أن يؤصل منهاجا للحركة الإسلامية التي انطلقت في أيام حالكة من الاستعمار الغربي وشيوع الفكر العلماني واليساري في العالمين العربي والإسلامي، وقد كان مراد الشيخ – حسب اعتقادي – أن يجنِّب الحركة الإسلامية من التطرق إلى النقاشات والمجادلات التي كانت موجودة – قبله وبعده - في مسائل العقيدة والسلوك والمنهج، كالنقاش حول مسائل الأسماء والصفات بين الأشاعرة والسلفيين (الحنابلة)(1)، والنقاش حول التصوف والكرامة للأولياء والمولد النبوي وغيرها من المسائل المشهورة في الفكر الإسلامي، وكان يقصد الشيخ أن يضم في الجماعة الإسلامية أكبر عدد من الإسلاميين ذوي التوجهات الفكرية المختلفة، وقد بيَّن هذا القصد عندما قال: "إن الإخوان المسلمين دعوة سلفية، وطريقة سنّية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية وثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية"، وكان قصده أن يصرف العناية من الاشتغال في المجادلات الداخلية إلى التركيز على بناء قوة إسلامية كبيرة تقدر أن تواجه الاستعمار الأوروبي وتراثه الثقافي والمخطط الصهيوني، وتواجه الرواسب الثقافية التي تركها الاستعمار بين أبناء المجتمع الإسلامي كالتوجهات القومية التي نادى بها كل من تأثر بالثقافة الأوروبية التي بدأت من أوروبا- الدويلات العرقية، والحروب العنصرية التي اجتاحت في قارة أوروبا إبان سقوط الأمبراطورية الرومانية المقدسة، وكانت مصر أرضا خصبا في ازدياد الفكر العلماني والقومي الذي حمله كل من تعلم في أوروبا. وهذه قاعدة جيدة على العموم لكن ينبغي أن تُبني هذه القاعدة على هذا التأصيل الذي أصَّلناه في هذه الحلقة، ما هو الاختلاف؟!! وما هو الفرق بيني وبينك في الأصول؟!! وما هي المصالح المشتركة بيني وبينك؟!!، هل أنت مسلم سني يحب أبا بكر الصديق وعمر وعثمان وعليّ؟!! وهل أنت مواطن صومالي تؤمن بوحدة الصومال والدفاع عنه من المؤامرات الخارجية؟!! هل أنت مسلم صومالي معتدل لا يريد سفك الدماء وتكفير المخالف والتحاكم إلى البندقية؟!! هل أنت علماني تريد الانسلاخ من منهج الإسلام وسيرة الصحابة والتابعين، والطعن في الأحاديث النبوية ومظاهر التدين؟!، هل أنت تسعي إلى حكم رشيد يسع الجميع بالعدل والمساواة،؟!! هذه الأصول لو اتفقنا عليها فلا بأس بالاختلاف في وجهات النظر، ولا بأس أيضا بالتعدد التنظيمي لكن بشرط إذا خلا من التعصب والتمييز والعنصرية والاستغلالية، أما أن نقول: مَن ليس معنا فهو ضدنا وعدوُّنا، من ليس على فكرنا فليس بمسلم، بل ليس بسني ولا سلفي، بل هو خارج عن الملة، وخارج عن أهل السنة، فهذا ليس من أدب الاختلاف والتسامح والتعايش.وإذا كان هناك تنوع في الاعتقاد والدين داخل المجتمع فلا ينبغي التعصب للطائفية بل هناك قواسم مشتركة بين المواطنين وهو الحكم الرشيد الذي يسع الجميع بالعدل والمساواة، والإسلام أولى دين يحكم بالمجتمع المتنوع دينيا، لأنه يحمي الأقليات من الظلم والجور، وهذا شرحناه في حلقة قادمة.وبهذه الحلقة انتهت سلسلة وهج الوسطية الإسلامية، والحلقة القادمة الحلقة الختامية.والسلام عليكم ورحمة الله.
|
تعليقات حول الموضوع
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.