الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
وهَج الوسطية الإسلامية [13] Print E-mail
مقالات - مقالات سياسية
Written by أنور أحمد ميو   
Thursday, 17 March 2011 21:35

التعامل مع وسائل حديثة مختلفة عليها فقهيّا:

 الإسلام – كما ذكرته في حلقات عدَّة – صالح لكل زمان ومكان، وليس هناك تضارب بين التعاليم الإسلامية وبين الثورة المعلوماتية والتكنولوجيا المعاصرة، بل إن القرآن الكريم أشار إلى بعضها كما شرحتُه في الحلقة الحادي عشر، وعليه فلا منافاة بين الإسلام الوسطي وبين الوسائل الحديثة التي أصبحت من صلب الحياة اليومية، وهناك خلاف بين العلماء المسلمين حول التعامل مع بعضها، ما بين محرِّم ومحلِّل ومقتصد، ونذكر أهم تلك الوسائل:

1- التصوير الفوتوغرافي والتسجيل المصوَّر:

 جاءت في الأحاديث النبوية الصحيحة أحاديث كثيرة في تحريم التصوير مطلقا، معظمها في صحيحي البخاري ومسلم، منها ما روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله"، وبينه ابن عمر في روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " أشد الناس عذابا يوم القيامة : المصوِّرون يقال لهم : أحيوا ما خلقتم"، أخرجه أحمد، ووافقه عليه ابن مسعود أيضا وحديثه في الصحيحين، وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم"، وفي رواية عنه: " من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح ، وليس بنافخ"، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : « قال الله تعالى : ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ، فليخلقوا ذرة ، أو ليخلقوا حبة ، أو ليخلقوا شعيرة"، انظر صحيح البخاري كتاب اللباس، الأرقام (5953و5954و5963) وصحيح مسلم كتاب اللباس، الأرقام (2110و2111و2112).

 وقد اختلف العلماء حول التصوير الشمسي المعروف بالتصوير الفوتوغرافي (الكاميرا) والتسجيل المصور المتحرك والمتلفز، هل هو داخل في هذه النصوص النبوية أم لا، فقال بعضهم: نعم يدخل في هذه الأحاديث، وقال بعضهم: التصوير الفوتوغرافي والتسجيل المصور المتلفز ما هو إلا انعكاس شمسي للأجسام على حقيقتها، كما تعكس المرآة الأجسام على حقيقتها، وليس صورا مجسَّمة مظلَّلة، فالنصوص الواردة في تلك الأحاديث إنما هي في الصور التي تصنع باليد إما بالنحت أو التصوير بالرسم اليدوي، وهذا القول هو أقرب إلى الراجح، لأن التصوير الفوتوغرافي والصور المتلفزة أصبحت اليوم ضرورة ملحة جدا، فالملايين من المسلمين الذين يحملون جوازات السفر والوثائق لا بدَّ وأن يستعملوا التصوير الفوتوغرافي، وكل وثيقة سواء كانت شهادة جامعية أو ثانوية أو بطاقة هوية أو بطاقة وظيفة لابدَّ وأن تشمل التصوير الفوتوغرافي، فالعالم اليوم عالم تصوير وبصمات وحمض نوويَّة،!! والملايين المسلمون اليوم يتابعون أحداث العالم على شاشة التلفزيون والمظاهرات والثورات الشعبية، ويدلون بتصريحاتهم أمام الوسائل الإعلام المصورة، وهناك برامج إسلامية متلفزة في قنوات إسلامية كالرسالة والمجد واقرأ وغيرها، وتبثُّ شعائر صلوات التراويح والقيام ومشاعر الحج من الحرم المكي مباشرة لكي يستفاد منها، ، كل ذلك أصبح من ضروريات الحياة في هذا العصر، فهذه الصور لا تدخل في الأحاديث النبوية التي حرمت التصوير.

2- الأغاني والأناشيد والموسيقي:

 هناك أيضا خلاف بين العلماء حول الأغاني التي تذاع من الإذاعات والقنوات المسموعة والمرئية، وذلك بالطرب والموسيقي، وقد ورد حديث صحيح يحرّم المعازف  أخرجه البخاري في كتاب الأشربة من صحيحه عن أبي عامر الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف"، وهذا الحديث هو أصح حديث في الغناء، وقد حاول بعض العلماء تضعيفه كالإمام ابن حزم ومن تبعه من المتأخرين، ولكنه صحيح كما بينه الشيخ الألباني في رسالة تحريم آلات الطرب، وأما ما عداه من الأحاديث فإما أنها غير صريحة أو فيها ضعف، وهناك أحاديث تبيح الغناء في أيام الأفراح كالأعياد ومناسبات الزفاف وغيرها،  ففي الصحيحين عن عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بُعاث فاضطجع على الفراش وحوَّل وجهه، ودخل أبوبكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم؟!!، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دعهما، فلما غفل غمزتهما، فخرجتا، وكان يوم عيد، وفي رواية: " دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا"، وقال النسائي في سننه: باب ضرب الدفّ في يوم العيد، ثم أورد هذه الرواية بلفظ: دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تضربان بدفين.. إلخ، ثم قال النسائي: باب الرخصة في الاستماع إلى الغناء وضرب الدف يوم العيد، ثم أوردها أيضا.

 أما في أفراح الزفاف فقال البخاري في كتاب النكاح: باب ضرب الدف في النكاح والوليمة، ثم روى عن الرُّبيِّع بنت مُعَوِّذِ بْنِ عَفْراء قالت: جاء النَّبي صلى اللَّه عليه وسلم فدخل حين بُنِيَ عليَّ، فجلس على فراشِي كَمجلسكَ منِّي، فجعلت جُوَيرِيَات لنا يَضرِبْن بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْن مَن قُتِل مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْر إِذْ قالت إحْداهن: وفينا نَبِيٌّ يَعْلم ما فِي غَدٍ، فَقَال: دَعِي هَذه، وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِين.

أقول: من تلك النصوص نستلهم  الآتي:

الأول: أن الغناء في أيام الأفراح كالأعياد ومناسبات الزفاف لا بأس بالاستماع إليها وذلك بالدّف والمعازف، ويلحق بالموسيقيا وآلات الطرب الحديثة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستمع إلى ما يقلنه تلك الجاريات المغنّيات بالدفوف، ومنَعَ أبا بكر رضي الله عنه أن يوصفه بأنه من مزامير الشيطان، وقال: بل هو إبداء الفرحة في عيد، ولكل قوم عيد، وقد فرَّق بعض الدعاة ما بين الصغير والكبير، فجوًّز للصغير دون الكبير، غير أنه ليس لدينا نصٌّ يخصِّص بذلك، والله أعلم.

الثاني: أن الغناء كالكلام، حسنه حسن، وقبيحه قبيح، ونستلهم من ذلك منع النبي صلى الله عليه وسلم الجارية التي قالت في أغنيتها: "وفينا نبي يعلم ما في غد"، فزجر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الجملة، لأنها تتنافى مع ما جاء في القرآن حيث قال تعالى: { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لا ستكثرت من الخير وما مسني السوء}.

الثالث: أنا أعتقد أن استماع الغناء إذا كان يصدُّ عن ذكر الله وعبادة الله وفعل الخيرات فهو محرَّم، وإذا لم يصدّ ذلك فلا بأس بالاستماع إليه إذا خلا من المحرمات كالنظر إلى العورات وممارسة الفسق والفجور واللهو والصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وقد وجدتُّ في القرآن الكريم آية تدلّ على ما أشرتُ إليه، قال تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا}، وقد فسرها جمع من السلف الصالح بأنه الغناء، فهذه الآية ذكرت أن كل ما يضلّ عن سبيل الله ويشغل عن ذكر الله من لَهو الحديث سواء كان غناء أو شعرا أو قصصا أو مسرحية أو لعب شطرنج وغيرها يدخل من المحرمات، ولا شك أن كثرة استماع الأغاني لاسيما الماجنة منها تلهي الناس عن العبادة وتجعل القلوب قاسية وبعيدة عن ذكر الله بخلاف الأغاني الوطنية أو ذوات الحكمة منها وغيرها، والله أعلم.

3- مشاركة النساء في الإذاعات وإلقاء المحاضرات:

من الوسائل المنتشرة في العصر الحديث أن النساء يشاركن في القنوات والإذاعات وإلقاء المحاضرات في الجامعات والندوات، حيث يرى بعض الدعاة أن صوت المرأة عورة بالكلية، وهذا فيه نظر، فالمحظور هو إذا كان فيه ترخيم وتخضيع لكي لا تفتن الناس كما قال تعالى: {فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا}، فلا بأس بالكلام العادي، غير أن الظهور في القنوات من غير لبسة إسلامية فهذا لا يجوز وليس من تعاليم الدين الإسلامي، وإنما هو تقليد محض للغرب في الهيئة، ومن هذه الوسائل الحديثة قيادة المرأة للسيارة وهي مسألة تعود إلى الاجتهاد والقياس، ومنها مشاركتهن في المجلس التشريعي والوزاري ومجالس البلديات، فعلى الرغم من انتشار العولمة الأمريكية والهيمنة الغربية على الظواهر الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في العالم، إلا أن الإسلام لا بدّ وأن يجمع بين الانفتاح والتعامل مع المستجدات العصرية وبين المحافظة على الثوابت والتقاليد الإسلامية.

4- الوسائل الحديثة في العبادات:

ومن هذه الوسائل استعمال المكروفونات في الصلوات والأذان وغيرها، ووضع الخطوط على السجادات في المساجد لكي يستقيم الصفّ، وقد وصف بعض الدعاة هذه الوسائل بالبدعة، وقال: المكروفون يؤذي الجوار من الأطفال والضعفاء والنائمين، والخطوط على السجادات لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الصف أحسن استقامة من الصفوف التي نرى الآن في السجادات المخطوطة، غير أن هذه وسائل؛ وليست جزءاً من العبادة وذلك لأن التكنولوجيا سهلت جميع الأمور الدينية فالمكتبة الألكترونية الشاملة تحتوي على آلاف مؤلَّفة من الكتب التي كانت تملأ غرفا كثيرة، وأنت تحملها في جهاز كمبيوتر خفيف محمول، والإنترنت يحتوي على كل محاضرة مسجلة كانت تملأ أشرطتها غرفتين أو ثلاث، ويحتوي على كل ما تريده من الأخبار والأفلام والإذاعات والصحف والجرائد والبحوث والكتب، بل هو عالم مصغَّر بين يديك، فكل الدُّينا بأجمعها في الإنترنت.

 ومن هذه الوسائل ظاهرة طبع الإمساكيات في الدول العربية في موسم رمضان حيث يعتمد الناس على تلك المطويات التي تحدد وقت الإفطار ووقت الإمساك والشروق وغيرها، ولا بأس بالتعامل مع تلك الإمساكيات إذا اجتهدت وزارة الأوقاف في تحرّي الأوقات وبذلت في ذلك جهدا كبيرا، لأن العلم تطوَّر جدا، فترى على شاشات القنوات ما سيكون الطقس في مدينة كذا بعد يومين، فيكون الطقس على ما تنبأت به تماما، وقد حذَّر بعض الدعاة من هذه الإمساكيات لما فيها من مخالفات زمنية، ففيها تقديم أو تأخير في وقت الإفطار في المغرب والإمساك في الفجر، لكن ينبغي التحرِّي في ذلك، وهذا مسؤولية وزارات الأوقاف في الدول الإسلامية.

والسلام عليكم.

تعليقات حول الموضوع

Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى