|
مع الأزمـة الصـوماليـة الـراهنـة..وقفـات منهجـيـة |
|
|
|
مقالات -
مقالات سياسية
|
|
Written by عبد الله عبد الرحمن محمود
|
|
Friday, 04 February 2011 07:13 |
انطلاقا من فرضية مفادها أن الصومال أرضا وشعبا يعيش في أزمة حقيقية أكثر من عقدين من الزمن، نضع أمامنا عددا من تساؤلات فرعية تجزّئ الموضوع وتقرّب من الحُكم على الفرضية السابقة، ومنها:1. هل المدلول اللغوي للفظة الأزمة ينطبق على الوضع في الصومال؟2. هل الأزمة كمصطلح - وإن لم يُتفق على مفهومه- يجوز استخدامها لوصف حالة الصومال؟3. في حالةِ منطقيةِ إطلاق مصطلح الأزمة على الوضع الراهن في الصومال، ففي أي مرحلة من مراحل الأزمة تمر أزمة الصومال حتى نتحقق من أن الصومال يعيش في أزمة حقيقية أم لا؟ وإلى أي صنف من أصناف الأزمة تنتمي إليه؟ وما هي الأبعاد التي أخذتها حتى الآن؟ 4. أليس من الغريب المستغرَب أن نشك اليوم ونتساءل – نحن الصوماليون- أننا نعيش في أزمة حقيقية أم لا؟ أم أن الشك يفضي إلى اليقين كما أشاد به حجة الإسلام الغزالي ونادي به ديكارت في أوروبا حتى خرجت من ظلمات الأزمات؟للإجابة من هذه التساؤلات نقف معها أربع وقفات:الأولى: يأتي القاموس العربي المسمى بـ "لسان العرب" لابن منظور في مقدمة المصادر اللغوية الأولية التي اهتمت بالحديث عن الجذور اللغوية لكلمة (أزمة) ، ويبدو أن أكثر المراجع اللغوية المتأخرة أخذت منه أو حذت حذوه، ولذا نقف عند الفقيه اللغوي ابن منظور مع مادة "أزم". يقول:"الأزْمة الشدّة والقَحْط وجمعها إِزَمٌ... وأزمتهم السنة أزما استأصلتهم... وفي الحديث اشْتَدِّي أَزْمَة تنفرجي... وفي حديث مجاهد أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال، والأوازم السنون الشدائد كالبوازم، وأزم عليهم العام والدهر يأزم أزما وأزوما: اشتد قحطه وقيل اشتد وقلّ خيره... وأزم على الشيء يأزم أزوما واظب عليه ولزمه، وأزمت الحبل والعنان والخيط وغيره آزمه أزما أحكمت فتله وضفره... والمأزم المضيق مثل المأزل... والمأزم كل طريق ضيق بين جبلين، وموضع الحرب أيضا مأزم... وكل مضيق مأزم ... وأزم الباب أزما أغلقه"[1]. ولو تأملنا ما أورده الفقيه اللغوي ابن منظور مما تدل عليه مادة (أزم) نلاحظ وكأنه يصف ما نعيش فيه من وضع مأساوي، ألا نعيش في شدة وقحط استأصلنا، وفي بوازمَ أوازمَ أزمت علينا؟ ألا يبدو وضعنا الراهن المحكم فتله وضفره بمؤامرات أحكمت بمنتهى الدقة والخبرة من قبل أعدائنا التقليديين يشبه إلى حد كبير ذلك الحبل أو الخيط الذي أشار إليه فقيهنا؟ ثم ألم يصبح الصومال بما رحُب مضيقا لا يسع لأبنائه ففاضوا منه وهم يعانون اليوم ضيق الغربة وحمى الحنين في بقاع الأرض؟ وأخيرا ألا نعيش نحن الصوماليون في وسط مغلق ليس له مخرج إلى بر الأمان، وكلما لاح في الأفق منفذ أو شبه منفذ سده اللاعبون الحقيقيون في المشهد الصومالي الراهن حتى يكون الباب مغلقا على الصوماليين ما دام هناك من يفكر في استعادة مجد الصومال التليد؟! إن المدلول اللغوي للفظة أزمة يبدو أنه ينطبق تماما على الوضع في الصومال.الثانية: مع عدم وجود مفهوم متفق عليه للأزمة، إلا أن هناك محددات عامة لمختلف الأزمات يوردها أكثر أولئك الذين تناولوا موضوع الأزمة، ومن أهم تلك المحددات أن الأزمة: لحظات حاسمة حرجة ومصيرية، موقف مضطرب، وقت عصيب، خلل يؤثر ويشمل النظام كله، نقطة تحول أو فترة انتقالية. وعلى أساس تلك المحددات الرئيسة، يصدق القول بأن الصومال يعيش في أزمة حقيقية فهو يمر بلحظات حاسمة وحرجة ومصيرية من تاريخه، تُشكّل ملامح مستقبله وتحكم فيما إذا كان الصومال سيحتفظ موقعه ومساحته وموارده من الكرة الأرضية أم لا، كما أنه يقف في موقف مضطرب اختلط فيه الحابل بالنابل لا يُعرف فيه الصدوق من الكذوب ولا المواطن المسلم من العميل المنافق، ولا أحد يستطيع التنبؤ بما ستئول إليه الأمور في المستقبل القريب بسبب الاضطراب المذهل والتغيرات المتتالية التي يشهده البلد، وفعلا فإن الصومال الحبيب يمر بوقت عصيب من حياته، وأصابه خلل شمل نظام الحياة من كل نواحيه، كما يمكن وصف وضعه الراهن بنقطة تحول أو فترة انتقالية ندعو الله سبحانه أن تكون إلى الحسن فالأحسن لا إلى السيئ فالأسوأ، ومع أن الفترة الانتقالية التي يعيشها الصومال طالت بمقياس عمر الإنسان، إلا أنها ما زالت في حدود المعقول، فتاريخ الأمم والتحولات الجذرية أو ما يسمى في أدبيات العلوم الإستراتيجية والمستقبلية بالميلاد الجديد للشعوب لا يُقاس بالسنين وإنما بالعقود كأدنى مقاس.الثالثة:إن أزمة الصومال كغيرها من الأزمات الحقيقية عبارة عن أزمات مركبة ومتداخلة، ومن هنا يصعب تحديد المرحلة التي تمر بها الأزمة الحقيقية والصنف الذي تنتسب إليه، والأبعاد الآنية الواقعية والمستقبلية المتوقعة التي يمكن أن تأخذها؛ لأن الأزمات الداخلية المكونة لها تختلف من حيث أنواعها ومراحلها وأبعادها ودرجات تأثيرها، لكن ما يبدو لي هو أن أزمة الصومال تخطّت المراحل الثلاثة الأولى من المراحل التي تمر بها الأزمات، وهي مرحلة الإنذار المبكر، مرحلة النشوء والتبلور، مرحلة تطور الأزمة وانتشارها، فهي الآن في المرحلة الرابعة وهي مرحلة الانفجار أو قمة النضج، كما يجب استحضار أن الانفجار الذي نتحدث عنه ليس بالصورة الأولية التي تتبادر إلى الذهن، انفجار واحد يحدث في لحظة معينة وفي مكان محدد، لا، إنما هو انفجار يستغرق فترة زمنية تطول أو تقصر ويحمل في طيّاته انفجارات أخَر في لحظات مختلفة وأماكن متعددة.وفي التصنيف، فأزمة الصومال عامة من حيث المجال، ووطنية إقليمية دولية في آن واحد من حيث النطاق الجغرافي، و طويلة الأجل من حيث المعيار الزمني، وكبيرة من حيث الحجم، وعميقة جوهرية هيكلية التأثير من حيث العمق، وشديدة للغاية من حيث الشدة، ومعقدة من حيث الهيكلة، وبشرية من حيث السبب، وصريحة علنية من حيث السلوك.كما أنه ليس هناك مجال من مجالات الحياة في الصومال إلا وقد تضرر بالأزمة التي شهدها البلد، ففي المجال السياسي لم تعد في الصومال سلطة مركزية فاعلة تدير شئون البلاد، وانقسم البلد إلى كيانات سياسية متناحرة تقوم على أسس قبيلة تمثل خلايا أولية لتقسيم الجمهورية ومسح خارطة الصومال من القرن الإفريقي أو تشويه صورتها من جديد على الأقل، إضافة إلى بروز قوى سياسية تائهة، لا تعرف وجهها من ظهرها، ولا هدفها من وسيلتها، ولا عدوها من صديقها، ولا تجيد اللعبة السياسية في بلد اجتمعت قوى الشر في تخريبه، واحتضن عوامل الضعف والفشل في نخاعه، ويعيش في ظل تغيرات إقليمية ودولية تتطلب ممن اختار العيش فيها الحنكة والعقلية المصلحية وحسن التدبير.وفي الحياة الاجتماعية، تسربت الأزمة إلى خلايا المجتمع(الأسر)، ففكّكت روابطها، وشتتت عناصرها، كما قضت على أواصر القرابة وروح العصبية المقبولة بين أبناء القبيلة الواحدة، وتقاتل أبناء العمومة، وذبح الابن خاله بحجة أنه ليس من قبيلته، ومن ثم انصهرت شبكة العلاقات بين شرائح المجتمع الصومالي فذهبت ريحه وأصبح غثاء كغثاء السيل.وفي المجال الاقتصادي جعلت الأزمة الصومال بما وهبه الله من نعيم الدنيا جحيما لا يطاق ومن أفقر بلدان العالم، وأصبحت مواردنا الاقتصادية الوفيرة درّة في يد فحّام يموت الإنسان الصومالي جوعا في أخصب بقاع الأرض، وظل الإنسان الصومالي مشهورا بالجوعان المحتاج، ففقدنا الهيبة وتكففنا الناس وتقاسمتنا الأهواء المستغلة لظروفنا.وفي المجال الأمني قضت الأزمة على مظاهر الأمن نهائيا، ولا يعيش صوماليو اليوم إلا بحبل من الله، فالأمن الإنساني في الصومال تحت أدني مستويات الأمن في العالم، والأمن القومي(حسب المفهوم التقليدي) مستباح، فالحدود البرية والبحرية والجوّية فقدت حرمتها، وباتت سهلة الاختراق، وصارت أراضينا مدفن النفايات السامة ومختبر الأسلحة المشعة الفتّاكة.وهكذا امتدت أبعاد الأزمة الصومالية الراهنة إلى هذه المجالات وغيرها من مختلف مجالات الحياة الرئيسة ونواحيها الفرعية؛ الأمر الذي جعل من الصعوبة بمكان تحديد ماهية الأزمة الصومالية، حتى تخبط كثير ممن كتبوا عنها في وصفها وتحليلها وطرح سبل إنهائها.الرابعة:نعاني نحن الصوماليون من أن الفكر عندنا تابع للعمل وناتج عنه وليس مبدعا أو منتجا له وبالتالي لا يكون موجها ومرشدا له، ويتجلى ذلك في مواقف كثيرة من مسيرتنا التاريخية، ونكتفي بالوقوف على موقف واحد من تلك المواقف وهو إسقاط النظام العسكري الذي حكم البلاد في الفترة مابين(1969-1991م)، إن هذا الحدث الكبير الذي غير مجرى التاريخ الصومالي المعاصر، والذي قامت به الجبهات الصومالية وساندها الشعب في الشمال والجنوب بكل تأييد، بغض النظر عن الأيادي الخارجية فيه، لم يكن قائما على أسس فكرية تغييرية، ولم تكن عند صانعي هذا الحدث الجلل أطروحات ما بعدية تقوم على سيناريوهات دقيقة؛ الأمر الذي قاد الصومال أرضا وشعبا إلى أتون الأزمة الحقيقية التي يعيشها اليوم، ولكن الملفت للنظر هو أن رأي من بقي اليوم من صانعي ذلك الحدث إضافة إلى الرأي العام الصومالي الذي يمثله مفكرو الشعب وقياداته الاجتماعية يشير اليوم - وبعد فوات الأوان- أن إسقاط النظام بمساوئه كان خطأ إستراتيجيا فادحا بكل المقاييس، وجريمة ضد مصالح الشعب الصومال الدينية والدنيوية. إن هذه الفكرة الصائبة لم نتوصل إليها إلا بعد أن أحدثنا الحدث وذقنا مرارة نتائج التخبط والارتجالية، وجاءت بعد العمل ولم تكن سابقة له، ويبدو أن هذه علة فكرية في المجتمعات العربية عامة وهذا ما يشير إليه المفكر السوداني البرفسور عز الدين عمر موسى الذي يقول"الفكر عندنا ردة أفعال لا إبداع، والعمل عندنا عادة سابق للفكر الذي يأتي مبررا أو رافضا له بأسلوب عاطفي غير ممنهج"[2].وبعد هذا العرض المخل، نأتي إلى جوهر هذه الوقفة الأخيرة، ويتمثل في أن أزمة الصومال الراهنة تحتاج إلى تحديد ماهيتها، ودراسة أبعادها المختلفة وعلى مستويات وفي مجالات متباينة، و بأيدي صفوة من رجال الفكر والمعرفة المواطنين ذوي الآفاق الواسعة والعقول المرنة غير الجامدة، وطبيعي أن تستوجب المواجهة الشكَ أولا في حقيقية وجود الأزمة الحقيقية في الصومال؛ حتى لا تبدأ دراساتنا بطرفية مقدمة وأحكام مسبقة، والشك من شيم المفكرين المبدعين وقادة التغيير المستنيرين على مر العصور، فالمفكر الحقيقي هو الذي يشك دائما حتى في قلمه الذي يكتب به ولا يحكم أنه قلم إلا بعد أن يشك في ماهيته ويقف منه عدة زوايا وينظر إليه من أبعاد مختلفة ويبحث عن ماهيته حتى يصل إلى حقيقته، وهذا ما أكده الغزالي حجة الإسلام القائل " إذ الشكوك هي الموصلة إلي الحق ، ومن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر ، ومن لم يبصر بقي في العمي والضلال"[3]، وأصبح هذا المنهج فيما بعد لبنة أساسية بُنيت عليه حضارة اليوم، وهذا هو ما تفتقد إليه أزمة الصومال اليوم قبل أي عمل عملي، شكٌ، ثم بحثٌ، ثم طرحُ بدائل متعددة لإخراج الصومال من مأزقه، ثم عمل عملي وتطبيقي يكون تابعا للفكر ومسترشدا له."إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" بقلم: عبد الله عبد الرحمن محمود، كاتب وصحافي صومالي.
[1]ابن منظور، لسان العرب،مادة (أزم).
[2]موسى، عز الدين عمر، بين حوار الحضارات وتصادمها رؤية مغايرة، ص3.
[3]شرَح الغزالي منهجه هذا في كتبه وخاصة: المنقذ من الضلال، وميزان العمل، ومنه اقتبس الأوربيون ووظفوه لفكرة الإلحاد، حتى ظنّ كثير من المسلمين أن منهج الشك يتصادم مع الفكر الإسلامي الأصيل، والعكس هو الصحيح.
شكرالله لك يااخي ، لاشك ولا اعتقد أن هناك من يشك في وجود أزمة حقيقية في الصومال ، وهي غنية عن التعريف والوصف إنما تحتاج الى حلول جذري ودائمة ،وكما يقول الوطنيون الحقيقيون لا المخادعون المزورون، أن حل الأزمة وتجاوزها إلى الأبد يكمن في فهم أبناء الصومال أن الحل بيدهم وبهم لا بيد غيرهم . والله الموفق .
أشكر للكاتب والمفكر الصومالي الأخ عبد الله عبد الرحمن بوقفاته المنهجية مع الأزمة الصومالية، وأريد أن أناشد الإخوة المعلقين أن ينتبهوا إلى الفكرة الأساسية التي يدور حولها المقال وهي الأسس المنهجية التي يجب أن تعتمد عليها في حالة مواجهة الأزمة، وقد لخصها الباحث في آخر سطرين من مقاله، ولم يتطرق إلى الخطوات العملية أو التطبيقية لحل الأزمة لأن العنوان لا يحتملها ، والمقال بعرضه وفكرته الأساسية تحفة فكرية تستحق أن يكتب بماء من ذهب، وجزى الله مفكرنا كل الجزاء.
الأخ الكاتب عبد الله عبد الرحمن محمود أشكرك جزيل الشكر على هذا البحث الرائع الذي لفت عنوانه انتباهي لقراءته، والحق يقال فقد استمعت بقراءته، إنه أطروحة جميلة وننتظر منك الاستمرار... وقد يدفعني الفضول إلى سؤالك هل أنت خريج جامعة مقديشو - كلية الآداب - قسم الحضارة والتاريخ، لأنني أشك في أنك صديقي في الدراسة الجامعية، والشك هو السبيل إلى الحقيقة!
أشكرك يا أستادي المحترم عبدالله عبدالرحمن نستأنس مقالاتك الحلوه فالعنوان كان جميل وأتمنى منك الإستمرار
أصابت الصومال عديد من الأزمات .
ويش نكدر نأل له ؟ نقول لازم ان تغيرو بانفسكم . "اللهم اجعل هدا البلد آمناً" الصومال بلد الأنس والجمال.
|
تعليقات حول الموضوع
لابد من الرجوع الى الوطن وان يتم التغيير من الداخل .. شاب يتحلى بالوطنية وليس بالقبلية .ز لابد انا ننشر تلك الأهداف
وفقك الله .