الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
يقتلون الأبرياء ويجدون من يدافع عنهم ! Print E-mail
مقالات - مقالات سياسية
Written by عبد الله عبد الرحمن محمود   
Monday, 26 July 2010 08:18

"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما، واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما، ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوّانا أثيما"[1]، نزلت هذه الآيات في بيت من الأنصار سرق رجل منه درعا لأنصاري آخر، ولما افتضح الأمر أو كاد جعل السارق[2] ومن كان معه من أهل بيته الدرع في بيت يهودي، وتوجهوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، يجادلون عن ابنهم، ويثبتون أن اليهودي هو السارق بحجة أن الدرع عنده، وقد اقتنع الرسول عليه الصلاة والسلام بمقولتهم، وجادل عنهم، وبرّأهم أمام الناس، ومسح عنهم العار بيده، وغلّظ اللهجة على المدعي صاحب الدرع الذي اتهمهم، فأنزل الله هذه الآيات والتي بعدها؛ تثبت حقيقة الأمر، ناصرة لهذا اليهودي البريء المظلوم المأبون الذي انتهكت حرماته أمام الناس، وتفضح هذا السارق ومن شارك في المؤامرة، وتأمُر النبي صلوات الله وسلامه عليه أن يستغفر الله من مجادلته عن هؤلاء الخونة (حسب التسمية القرآنية)، وأراد الله أن تبقى فضيحة هؤلاء ما بقي كتاب الله، فتأمل أخي القارئ وأختي الغالية كيف هي عدالة هذا الدين وأنه ضد الظلم دائما و مع الحق أبدا حتى وإن كان مع يهودي!![3].

            فالله سبحانه وتعالى لا يحابي[4] أحدا من الناس، ولا يجامل، فهو الذي يقول في شأن آدم عليه السلام، أبو البشر، الذي أسجد له الملائكة المقربين "وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى"[5]، وفي سيد ولد آدم ، محمد صلى الله عليه وسلم المعصوم، يقول الله عز وجل" وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ، لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ،ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ "[6] "وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ، بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ"[7]، وفي صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم "مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ"[8]. إنها عدالة لا تعرف المحاباة، و إنصاف لا يعرف المجاملة، حتى مع أعز الخلق عند الله.

            وهكذا الحال في جميع النصوص القرآنية والسنية الآمرة والناهية، يسودها العدل والإنصاف، ولا تعرف المحاباة لجنس دون جنس، ولا لجماعة من الناس دون أخرى، ولا لأحد دون آخر، وليس أدل على ذلك من الحديث النبوي الشهير الشريف الذي يقول فيه المصطفى عليه السلام "و أيم اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَة بِنْت مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا"[9]، وفي حديث آخر مخاطبا لابنته " يا فاطمة أنقذي نفسك من النار"[10]، إنها من أحب الناس إلى قلبه عليه السلام ومع هذا فإنها لن تدخل الجنة محاباة لكونها بنت المصطفى.

            من هذا العرض السريع ، نلاحظ طبيعة هذا الدين الذي ارتضاه الله لهذه الأمة، حيث أنه لا يخضع لسلطة سلطان، ولا يتأثر بقرب قريب ولا بعد بعيد، ولا يركن لمصلحة شخص أو جماعة من الناس على حساب الآخرين، ولا يجامل أحدا مهما كانت مكانته، ولا يسكت عن ظلم أو خطأ مهما عظم مقام صاحبه و كثرت مناقبه، و لا يجافى أحدا إلا لفعلة شنيعة فعلها، ولا ينكر عمل عامل ذكرا كان أو أنثى"فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ"[11].

            ومع هذا، فقد اختلف الناس في فهم النصوص، واستنباط القواعد والأحكام، من السنة والقرءان؛ للحكم على الأشياء، وعلى الأفعال والأقوال، وأفتى كل عالم أو مدعي علم متأثرا بعلمه، وعقله، وظروفه، وهواه- والأخير أخطر- حتى ظهر من بين من تصدروا للفتوى من يدافعون عن الظلم، والجور، وعن الظلمة[12]والمجرمين.

            ولما كان قتل النفس التي حرمها الله إلا بالحق من أكبر صنوف الظلم والجور جرما، ولانتشار هذه الجريمة انتشارا يفوق الوصف في بلدنا الحبيب، وبين أبناء شعبنا وشيوخه وعلمائه، آثرت الكتابة عن هذه الجريمة والتي وجَدَت في الآونة الأخيرة من يدافع عنها في المنابر، حيث ظهر علماء- وأشباه علماء في الأكثر- يفتون بجواز قتل المسلمين الأبرياء، زَرافات و وحدانا، معتمدين على علمهم العليل أو الضحل القليل، و على عقولهم الجامدة السقيمة، متأثرين بظروفهم وبيئتهم الداخلية والخارجية، و التي تلتهب بنيران حرب أضرموها بأيديهم، ولم يستطيعوا إطفاءها، فآثروا أن يكون الكل في خضمها، و تقودهم أهواؤهم وأطماعهم الدنيوية إلى إجازة سفك دماء الأبرار، وخيار الناس والأحرار.

            لقد كانت لا إله إلا الله تعصم دم قائلها،وهناك الحديث المروي عن أسامة بن زيد حيث يقول: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- سرية ... فأدركنا رجلا فلما غشيناه قال لا إله إلا الله فضربناه حتى قتلناه فذكرته للنبى - صلى الله عليه وسلم- فقال " من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ". فقلت يا رسول الله إنما قالها مخافة السلاح. قال " أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا، من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ". فما زال يقولها حتى وددت أنى لم أسلم إلا يومئذ[13]. هكذا كانت الكلمة عاصمة حتى لرجل كان في صفوف المشركين، ويغلب الظن فيه أنه قالها تعوذا كما فهمه سيدنا أسامة رضي الله عنه، فما الذي أجاز قتل المسلمين المصلين في المساجد بحجة أنهم خوارج أو أهل شرك زورا وبهتانا؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إني نُهيت عن قتل المصلين"[14]، ونهى عن الخروج على السلطان الجائر ما أقام الصلاة.

            إن الذي يبيح ذلك هو الذي أباح دم سيف الإسلام المسلول، وزوج فاطمة البتول، علي رضي الله عنه، قتلوه بعد أن حكموا عليه بالكفر، قتلوه تقربا إلى الله بزعمهم، وقالوا في مدح قاتله:

يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكــره يومــا فأحسبــه ... أوفــى البـرية عنـد الله ميـزانــا

            إن الفتاوى التي تبيح قتل الأبرياء من أبناء شعبنا وشيوخه وعلمائه، و التي تُدافع عن هدم بيوتنا بدبابات ومدافع الكفار وأعداء الأمة والإسلام على رؤوس الأطفال، والعجزة والنساء ، و عن تفجير المصلين في المساجد كما حدث في سوق بكارو كمثال، و تلك التي تجوّز استهداف خيرة المجتمع وصفوة رجاله وقادته في المساجد خاصة؛ مبررة بأنهم أهل شرك أو خوارج أو عملاء أعداء، لهي الفتوى بفائها التي أفتت بإباحة دم ابن الإسلام الذي لم يسجد لصنم قط كرّم الله وجهه، " أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ"[15].

            لقد نهى الله سبحانه عن قتل النفس التي حرمها بصفة عامة، وعن البريء بصفة خاصة، وعن المسلم- إلا بحق- بصفة أخص، فالسلام الإسلامي الذي هو شعار المسلمين وحده كفيل بعصمة دم قائله، اقرؤوا إن شئتم "يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا"[16]

            أخرج البخاري عن عطاء عن ابن عباس، قال، قال ابن عباس: "كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك[الآية السابقة]"[17]... وحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته إلى أهله ورد عليه غنيماته. واختلف في تعيين القاتل ... فالذي عليه الأكثر ... محلم بن جثامة، فدعا عليه السلام على محلم فما عاش بعد ذلك إلا سبعا ثم دفن فلم تقبله الأرض ثم دفن فلم تقبله ثم دفن ثالثة فلم تقبله، فلما رأوا أن الأرض لا تقبله ألقوه في بعض تلك الشعاب، وقال عليه السلام: (إن الأرض لتقبل من هو شر منه[أو] إنها تحبس من هو شر منه ولكنه وعظ القوم ألا يعودوا).[18]

            وكما وصفت الآية، فما أكثر في بلدنا من أولئك الذين يدّعون أنهم يضربون في سبيل الله، ويقولون لكل من لم ينتهج نهجهم ولم ير رأيهم: لست مؤمنا، ويقتلون المسلمين قبل أن يتبينوا ويتثبتوا، مع أن إسلام مجتمعنا وحرمة دماء أبنائنا لا تحتاج إلى تثبت ولا إلى دليل يُطلب، فشعائر الإسلام ظاهرة في كل بيت وقرية ومدينة، وأصداء الآذان تدوي في كل بقاع البلد، وآثار السجود واضحة في جباه أفراد مجتمعنا، ولله الحمد، ومع هذا  تُستحل دماؤنا بغية عرض الحياة الدنيا من مال وجاه وسلطان، والأسوأ من ذلك أن هذا الظلم الفادح والقائمين به يجدون من يدافع ويجادل عنهم في المنابر، في المساجد والإذاعات المسموعة منها والمرئية ومختلف وسائل الإعلام." هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا"[19].

            لقد باع المدافعون عما يجرى في بلدنا من هتك لأعراض الأشراف، وسفك لدماء الأبرياء والأبرار لأمتهم، وترويع للمسلمين، وتجويع الجائعين البائسين، وإخراج المستضعفين من النساء والولدان الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا من بيوتهم التي ألفوفها إلى البراري القاحلة، يقصفهم الحر والبرد، ينهكهم العطش، ويقضى عليهم الجوع، ويسخر عليهم الأعداء، و من ثم يكال لهم الضرب من أجل لبسة لبسوها، وتستحل دماؤهم من أجل لعبة شافوها، ويجد كل هذا وذاك من يدافع ويجادل عنه أو يسكت عنه على الأقل، والسكوت علامة الرضي في الأصل، لقد باع المدافعون عن هذا آخرتهم بدنيا غيرهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" إن شر البرية عند الله يوم القيامة من أذهب آخرته بدنيا غيره"[20].

    إن الأصوات التي تعج وتمج بها كثير من وسائل الإعلام من قبل الجماعات المتناحرة المتصارعة في بلدنا، المتجاهلة عما تقوم من اعتداءات على حرمات المسلمين الأبرياء والظلم لهم، المدافعة عن أفاعيلها الشنيعة بتأويلات كلامية لا يقبلها الشرع والعقل، إن هذه الأصوات لا بد أن تجد من يتصدى لها من أبناء الوطن والأمة الغيورين.

" لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة[إغاثة للمحتاجين الجائعين] أو معروف[تنمية من تعليم وتربية وصحة... ]أو إصلاح بين الناس[مصالحة وشمل شتات] ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله[مخلصا لوجه الله] فسوف نؤتيه أجرا عظيما"[21].

الكاتب: عبد الله عبد الرحمن محمود



[1] سورة النساء، الآيات 105-107.

[2] ويروى أنه كان منافقا يقول الشعر يهجو الأصحاب وينسب شعره إلى غيره، وفي رواية أنه ارتد عن الإسلام في النهاية.

[3] انظر تفاصيل القصة في الظلال عند تفسير السيد لهذه الآيات، وفي القرطبي أيضا.

[4] سيختلط عند قليلي البضاعة من اللغة، وسيخلط بعض اللذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا فيما بين المحبة التي هي صفة من صفات الله العلى، وبين المحاباة، فليتأملوا الدلالات اللغوية واللسانية للكلمتين قبل أن يتقولوا.  

[5] سورة طـه، الآية 121.

[6] سورة الحاقة، الآيات:44-47.

[7] سورة الزمر، الآيات:65-66.

[8] سورة آل عمران، الآية152.

[9] أخرجه الشيخان.

[10] أخرجه مسلم.

[11] سورة آل عمران، الآية 195.

[12] بفتح الظاء واللام والميم.

[13] أخرجه أبو داود.

[14] أخرجه أبو داود ، والبيهقي.

[15] سورة الذاريات، الآية 53.

[16] سورة النساء، الآية 94.

[17] أخرجه البخاري.

[18] أنظر تفسير القرطبي للآية.

[19] سورة النساء، الآية109.

[20] أخرجه الخرائطى فى مساوئ الأخلاق .

[21] سورة النساء، الآية114.

تعليقات حول الموضوع

avatar djiboutawi
با ركك اللة وسدد خطاك يا استاد عبدالله .قمة الشجاعه في هذا الزمن بذات
الدي تحاول الحركات تصفية كل يقف امام هذه الهجمه الظالمة التى تمارس
على الشعب وان شاءالله لن يحقق الله دوله اسلامية با يديكم لانكم الظلمة
وحادثة عامل {wfp}ليست ببعيد حيث تم اطلاق عليه تسعة طلقة ثم اغتصبوا المراة التى كا نت معه ويصفونها -انها من الغنا ئم .وانهم يكذبون في تصريحاتهم سبحان الله
الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
avatar محمد علاء جمال الدين عبد الوهاب مصطفى الطريجى
بارك الله فيك يا أخ عبد الله ولا يصح الا الصحيح محمد علاء من مصر القاهرة
الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
avatar صومالي أصيل
بارك الله فيك ورد الله الظالمين من أبناء جلدتنا الينا ردا جميلا
اللهم أرزقنا الأمان والإطمئنان في وطننا الحبيب الصومال، ووحدنا ولا تفرقنا و اكشف الغشاوة والجهل عنا و فقهنا في ديننا

حفظ الله الصومال وأهله من كل مكروه
الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
Bismillah. maasha Allah maqaal qayyim ,. Alle ayaan weydiisaneynaa inu naga yeelo kuwo maqla oo ku camal fala waanada uu noo soo jeediyey sheeikh c/laahi . sheekhana Alle waa waafijiyery inuu ummada somaaliyeed u cadeeyo waxa ka dhacaya Somaliya .
الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
الأخ عبدالله ربنا يبارك فيك .. نشكرك جزيلا .. .
حقا سوف يندم من يظلم الآحرين ...
شكرا
الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
avatar عبدالحكيم
ان الناس ينقسمون الي قسمين صالح وشرير وليس هناك تقسيم اخر لاعلي اساس اللون والدين والعقيدة يجب علي الشعوب العالم نشر الفضيلة والتسامح الدين لان البشر يشتركون في كثير من امور وان السياسة تفسد الدين كما تفسد السياسة الدين
الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى