|
العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق |
|
|
|
مقالات -
مقالات سياسية
|
|
Written by سعيد حاشي ورسمه
|
|
Wednesday, 14 July 2010 09:19 |
الصومال... العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق كما يطرد أشرار الناس أخيارهمتحدثت في مقالي السابق عن التدهور والانحطاط الذي لحق باقتصاد الصومال بصفة عامة وبالعملة الصومالية بصفة خاصة وأشرنا إلى أن ما سبّب ذلك هي الحــروب المستمرة طيلة هذه المدة . واليوم نلقي الضوء على جانب آخر من جوانب الحياة وهي مآساة المثقف الصومالي ومدى انطباق القانون المذكور أعلاه على واقع الصومال المرير. بداية أود أن أعطي القارئ العزيز فكرة سريعة وموجزة عن قانون جريشام – مقولة ذلك الخبير الاقتصادي الانجليزي الذي منحته الملكة البريطانية وسام الاستحقاق نظير ما قدمه لوطنه - ومفادها: "العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق كما يطرد أشرار الناس أخيارهم " . فكما يتبين للقارئ العزيز أن هذا القانون له شطران ، الشطر الأول يعالج نظريات اقتصادية بحتة وبالذات الأنظمة النقدية التي يعرفها طلبة الاقتصاد. أما الشطر الثاني ، فهو يعالج قضايا اجتماعية واخلاقية. ويقال أن الفيلسوف اليوناني أرسطو قد سبق وأن قال هذا القانون قبل جريشام إلا أن أرسطو ركز في كتاباته فقط على الشطر الثاني من القانون المذكور "... كما يطرد أشرار الناس أخيارهم" وكان مقتنعا بأن الأخلاق لا تتجزأ عن الاقتصاد وكلاهما يهدفان إلى تطويرالبشرية. أما جريشام فكان يهمه الجانب الاقتصادي. > والمتتبع للساحة الصومالية يرى صحة ومصداقية هذا القانون على الرغم من أن جريشام قالها منذ القدم. "العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق كما يطرد أشرار الناس أخيارهم". وبالاختصار الشديد فإن الشطر الأول من هذا القانون يتلخص في أنه إذا ما تم طباعة أو سك نقود أقل جودة من النقود الجيدة المتداولة في السوق فإن الناس يقومون سداد إلتزاماتهم أو مدفوعاتهم بالعملة الرديئة وذلك ليتخلصوا منها ويكتنزوا العملة الجيدة لديهم بعيدا عن التداول في السوق. ومع مرورالوقت تختفي العملة الجيدة من السوق. وهذا ما تعنيه مقولة جريشام . والجدير بالذكر أن التدابير الاحترازية التي أتخذتها حكومة بونت لاند حيال قضية العملة الرديئة التي وردت مؤخرا إلى مطار جلكاعيو والتي اصدرت تحذيرا رسميا عن قبول هذه العملة في التداول كان قرارا وقائيا وصائبا لتلافي حدوث خلل في عجلة اقتصاد المنطقة. والكل يعلم كيف تأثر الوطن والمواطن من جراء جلب النقود الرديئة التى قام على طباعتها كل من الحكومات المتلاحقة في الصومال وكذا أمراء الحــــــرب وما زال هذا الشعب المسكين يدفع الثمن غاليا نتيجة هذه الممارسات الخاطئة. وبصراحة لم اكن شخصيا افهم ما كان يقصده أرسطو بقوله "... كما يطرد أشرار الناس أخيارهم" إلا حينما تمعنت النظر بما يدور في الساحة الصومالية.
ومما جعلني أستحضرهذا القانون واعتناقي الكامل بصحة ما يحويه ، ذلك الحوار الذي دار بيني وبين أحد أساتذة جامعات الصومال القدامى والذي قدم من مقديشو (لؤلوة المحيط الهندي كما سماها ابن بطوطة) مؤكدا لي هجرة الكثير من المثقفين والعقلاء وأخيار الناس عن الصومال ودخول الأشرار وأصحاب الأهواء في المدن الرئيسية و تمسكهم في زمام الأمور والذي أدي إلى المعاناة والدوامة التي تعيشه الصومال في الوقت الحاضر. وأرجو أن لا يفسر من ذلك أنه لا يوجد حاليا في الصومال اخيار ، فهناك أناس نعدهم من الأخيار ذوي مؤهلات عليا مقيمين حتى هذه اللحظة بين قنابل قوات الأجانب ورصاصة القناصين الملثمين لكنهم مكتوفي الأيدي غير قادرين على فعل أي شىء لأنهم ليسوا صناع القرار. وهكذا فإن صناع القرار في الساحة الصومالية أشرار الناس الذين لا يريدون أن تخرج الصومال عن هذا النفق المظلم. ونخاف أن يستمر هــــذا الوضع حتى تمحو الصومال عن الخارطة و يتحول موقعها إلى بقعة حمراء تدل على أنها مستعمرة (لا سمح الله ) وهو ما تخطط له الأطراف الخفية التي تنسج قضية الصومال من وراء الكواليس إن لم يتدارك الصوماليون أنفسهم قبل فوات الأوان.
بدأ هذا الاستاذ وبيده كتاب اكاديمي عن الإدارة والتخطيط والاستراتيجيات يسرد لي قصص مليئة بالاحزان والمآسي حتى قلت في نفسى ليته سكت. علما بأنه هرب مؤخرا من مقديشو خوفا من رصاصة القناصين الملثمين بعد أن ظل فيها طيلة سنوات الحرب. فقد ذكر لى وهو في حالة يأس (وأكده كثيرون) أنه منذ إنهيارالحكومة المركزية بدأ أشرار الناس وحثالتهم يسيطرون علي زمام الأمور في الصومال وبدأ الفساد الأخلاقي والانهيار القيمي الاجتماعي والفوضى يحتل مكان الصدارة وكأنهم في العصورالمظلمة حيث قانون الغاب والحق للأقوي. كذلك احتلت العادات السيئة محل العادات الفاضلة والتقاليد والاعراف المتوارثة وامتهنت العقيدة السمحاء وعمت الفوضى في كل مكان واصبح السارق وقاطع الطريق والمرتشي والمجرم والظالم والمرابي سادة القوم تدعمهم جحافل من عشيرتهم من أشرار الناس لحمايتهم واصبحت إيرادات الدولة كالضرائب ودخل المطارات والموانئ التي كانت تفترض أن تدخل في خزينة الدولة تذهب إلى حسابات شخصية وتوزع الفتات منها على جحافل هؤلاء الأشرار. أما المرافق العامة فحدث ولا حرج حيث اصبح كل شارع محجوز لقبيلة معينة ولا يمكن عبوره الا بدفع أتاوات (جزية). ومن الغرائب! حتى المحاكم الشرعية لم تسلم من النظام الأبوي حيث أسست محاكم تحمل اسماء قبائل. وهكذ ، لا يوجد مرفق عام في مقديشو إلا وتابع لأمير حرب أو قبيلة. والله المستعان.
وصدق الشاعر أحمد الشوقي حين قال: "وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت.... فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا". ولما تمكن إشرار الناس من سيطرة الوطن وعثوا في الارص فسادا ودمارا لم يستسيغ المثقفون والأخيار عموما ما يجري فاضطر البعض منهم أن يلزموا منازلهم تجنبا للاصطدام بينما أضطر الأخرون للفرار والهجرة خلسة حتى وصلوا إلى معسكرات اللاجئين من نجا منهم من الموت. وللأسف الشديد تلك الهجرة لم تكن لصالح الصومال بل أفسحت المجال لهؤلاء الأشرار لتعبث كما تشاء في البلاد والعباد ويذكرني هذا الوضع بأبيات الشاعر: يا لك من قنبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري ... قد رحل الصياد عنك فابشري ورفع الفخ فماذا تحذري ... لا بد من صيدك يوما فاصبري الأبيات للشاعر طرفه بن العبد ، وكان في سفر مع عمه فنصب فخا للقنابر (نوع من الطيور) ونثر حبا فلم يصد شيئا طول اليوم فلما أرادوا الرحيل ورفع الفخ رأى القنابر يلتقطن الحب الذي نثره لهن فأنشد هذه الأبيات. ولعل القارئ العزيز يشاطرني الرأي أن أي تغيير يطرأ في الصومال مرهون في طرد هؤلاء الأشرار من المجتمع وتسليم زمام الأمور لمن هو أهل له من أخيار الناس. إزاء ما تقدم نرى صحة مقولة " العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق كما أن أشرار الناس يطــرد اخيارهم " و مدى مطابقتها لوضع الصومال . سعيد حاشي ورسمه - ماجستير البنوك والتمويل الإسلامي
|
تعليقات حول الموضوع
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.