الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
الفشل..التجرع السريع والتخَمَة القاتلة Print E-mail
مقالات - مقالات سياسية
Written by عبد الله عبد الرحمن محمود   
Monday, 05 July 2010 09:19

"نهج الفاشلين وطبيعة المنتحرين"

       الفشل في تحقيق الأهداف لا يكون مذموما بحد ذاته، فهناك عوامل خارجة عن تصرفات البشر، وظروف قد لا يستطيع الإنسان السيطرة عليها والتحكم بها لصالح غاياته، لكن كل الفشل لا يأتي بسبب العوامل الخارجية والظروف المحيطة بالإنسان والتي يعجز عن توظيفها لصالحه، إلا أن أكثر أسباب الفشل تعود إلى سوء تصرف الإنسان ورداءة فكره، بل يرى البعض أن الأمور كلها مسخرة للإنسان ويستطيع التغلب عليها إذا أحسن التدبير، وأن ما يلقاه من فشل وإخفاق ما هي إلا من نفسه "وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ"[i]. فما هي معالم نهج الفاشلين الذين ينتحرون وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا؟

معالم نهج الفاشلين المنتحرين

       يُعرف النهج الفاشل وأهله بـ: كثرة المغامرات، وخوض المخاطر الجسام، واللامبالاة، واللعب بالنار، والانقياد للعواطف، والبحث عن مثاليات، وعدم الاستفادة من التجارب، والتحدث عن أمور تفوق عن الأقيسة البشرية، وبعيدة كل البعد عن الواقع، ومتصادمة مع المأمول والمتوقع، وتسير في طرق كلها تتجه نحو مستقبل مظلم مجهول قاتم غير واضح المعالم، معاكسة لعقارب الساعة والزمن والتاريخ، مخالفة للسن الكونية والقواعد الربانية، وأسس الحياة السليمة، مصورة أن الموت هو هدف بحد ذاته، متجاهلة أو جاهلة بالتعبير الأصح أن الناس خلقوا لعبادة ربهم و ليعيشوا ويتمتعوا بنعم الله شاكرين له وحامدين بما أنعم عليهم من نعم ظاهرة وباطنة "اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ، وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ".

       وصفة أخرى يشترك فيها كل الفاشلين والمنتحرين هي إكراه النفس بما لا تطيق - هذا الحرج الذي رفع الله سبحانه وتعالى عن بني البشر -  " لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ... رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ"[ii]، حتى أن انتصارنا على الأعداء الأقوياء لا يأتي بمجرد الجهد والتضحية، وإنما بنصر من الله " فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ".[iii]

أنموذج فاشل منتحر

       يعج الأدب الصومالي بكثير من الحكم والأمثال، والتي تعالج جوانب متعددة من حياة البشر، ومن بين هذه الحكم حكمة تتعلق بصميم موضوعنا هذا ولو كتبنا وحدها لكفت، وهي القائلة ما مضمونه "الأمور التي لا تهضم جيدا عواقبها وخيمة دائما" وهذا هو نصها بالصومالية (Taladaan laruugin waa lagu rafaadaa)، إنها تشير إلى التجرع السريع للأمور دون هضمها، أو الشروع في التنفيذ دون خطط مسبقة، وأخذ بالأسباب، وتوفير كل المستلزمات والمتطلبات، بارتجالية وتفرد مشبع بالأنانية والعجب وحب السيطرة حتى على العقول ونتاجها (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)[iv].

       لقد كان هذا النهج سبب فشل الكثيرين في مختلف عصور تاريخ البشرية، ونتناول نموذجا من النماذج الفاشلة المنتحرة بسبب التجرع السريع وما تسببت به من تخمة أودت بوجود أصحابها فجعلتهم ينتحرون بأيديهم؛ لتكون عبرة لمن يعتبر، واخترت بنموذج سياسي عسكري؛ لكون السياسة والحرب من أخطر الأمور وأسوئها عاقبة إذا لم يحسن تدبيرها. 

النموذج : ألمانيا في الحرب العالمية الثانية

       لقد كانت ألمانيا هي المحركة الرئيسة لنشوب الحرب العالمية الثانية بسبب ما تبنته من نظرية "احتمال سيادة الأمة الأرقى على العالم" أو ما يعرف بجيوبولتيكا النازية. تصورت أنها تمثل أرقى الأمم وأنها هي وحدها المؤهلة لقيادة العالم، ونادت بشعارات الفشل والانتحار(ألمانيا فوق الجميع، ألمانيا تفرض حدودها ولا تفاوض،...) فقسمت العالم إلى أربع مناطق رئيسة على أساس خطوط الطول، وشرعت في الاستيلاء على العالم!! بدءً بأوروبا، فأشعلت الحرب، واكتسحت أوربا الغربية كلها واحتلت باريس، بل كان طيرانها الحربي يقصف لندن عاصمة بريطانيا، وتعددت الجبهات عليها بعدما فتحت جبهات أخرى في مناطق جديدة، فأشعلت النار حولها وتحت أقدامها وأصبحت في وسط من الأعداء. ومع أنها حققت الانتصار في مختلف الجبهات والميادين، إلا أنها لم تستطع أن تحتفظ به.

       فماذا كانت نهاية النصر السراب المفاجئ الذي حققته في الوهلة الأولى؟ بل ماذا كان مصيرها النهائي؟ لقد كان الفشل محتوما على تصرفات كهذه، و كان الانتحار مفروضا على أصحاب فكرة كهؤلاء، لقد كانت فكرة الأمة الأرقى تتصادم مع الواقع والمتوقع، وكان الاستيلاء على العالم الذي حاولت به ألمانيا يفوق عن الأقيسة البشرية، فلم تصبح فوق الجميع، بل صارت كالعدم، ولم تفرض حدودها، بل قسمت عاصمتها إلى شطرين، ولعبت بالنار فأحرقتها، و ما حققته ألمانيا في الحرب وما استولت عليه من مساحات شاسعة في الوهلة الأولى كان بمثابة تجرع سريع أصيبت بسببه تخمة جعلتها تنتحر، فقد أصبح الجندي الألماني الواحد يواجه المئات من الأعداء في ميادين القتال، وكانت المحصلة النهائية الفشل والانتحار بالنسبة لألمانيا وأبطالها المغرورين.

       إن النصر الحقيقي هو الاحتفاظ بالنصر كما يؤمن به الإستراتيجيون، والذي لا يستطيع أن يحتفظ بنصره يجب ألا يخوض حربا أو منافسة مهما كان نوعها.

        والشيء المهم هو، أنه من طبيعة الفاشلين المنتحرين أن نهايتهم تبدأ من بدايتهم، من انتصارهم وسيطرتهم على مكاسب مادية ومعنوية وفوزهم بالحظ السعيد، والسبب بديهي، لأنهم يتجرعون هذه المكاسب تجرعا، فيصابون بتخمة تؤدى إلى الفناء والزوال، و لأنهم لا تتوفر لديهم بذور البقاء في الساحات والميادين، ولأنهم كثيرا ما يتباهون بقوتهم وما في أيديهم من آليات، فيتصورون ما لا يمكن تصوره في العقل السليم غير المغرور، ولأنهم يفتقدون فقه الأولويات ولا يلتزمون سنة التدرج والتريث والتمهل، ومن ثم سيدفعون الفاتورة الكبرى لتصرفاتهم الهوجاء في النهاية.

بين التحدي واللعب بالنار

لعلك أيها القارئ الكريم تتساءل إذا كانت المغامرات والخوض في المخاطر من نعوت الفاشلين المنتحرين فماذا عن التحدي والاستجابة؟

ذلك العامل الذي يعود إليه الفضل في قيام الحضارات ونجاح الأمم والأفراد في تحقيق الغايات حسب رأي بعض فلاسفة القرن العشرين وفي مقدمتهم صاحب نظرية "التحدي والاستجابة" آرنولد جوزيف توينبي، حيث تعني الاستجابة الناجحة مواجهة التحديات والتي تتجسم في عدد من العقبات والمخاطر يجب على الإنسان أن يتحداها ليحقق النجاح وينجو من الفشل والإخفاق.

       حقيق على أن التحدى هو أساس النجاح، وأن التضحية هي وسيلة النجاح الأولى، وأن التحدى يتطلب نوعا من مواجهة المخاطر، إلا أن ما يعتبره إنسان من قبيل المغامرة والمخاطرة يراه آخر من صميم الحكمة وصلب الصواب، وهناك أيضا مشكلة المشاكل بل قضية القضايا في المصطلحات ومفاهيمها، وخاصة في الإنسانيات، لذلك لا أحد يستطيع وضع فواصل بين هذه الأمور، والذي أراه هو أن المعيار الصحيح في هذا الموضوع يتمثل في مدى الاحتكام إلى الشرع فالعقل والاعتماد عليهما، فكلما كان الفعل مستحسنا شرعا وعقلا، مقبولا منطقا، كلما كان إلى الصواب أقرب، ومن الفشل أبعد، وللبقاء مؤهلا.

       و الحقيقة أن الحياة كلها عبارة عن تحديات مركبة ومن يستطيع أن يستجيب لها بحكمة وسداد رأي هو الذي سينجو من الفشل والانتحار، والناجح ليس بالذي يساعده الحظ وتسانده الظروف، إنما هو الذي تلين له الظروف القاسية بحكمته وإستراتيجياته المخططة وتدبيره الموفق واستفادته من عقول الآخرين وتجاربهم.

"Taladaan laruugin waa lagu rafaadaa"

الكاتب:

عبد الله عبد الرحمن محمود، خرّيج كلية الآداب- جامعة مقديشو، وطالب ماجستير في العلوم الإستراتيجية حاليا، مقيم في الخارج.


[i] سورة الشورى، الآية رقم 30.

[ii] سورة البقرة، الآية رقم 28.

[iii] سورة الأنفال، الآية رقم 17.

[iv] سورة غافر، الآية رقم 29.

تعليقات حول الموضوع

avatar أحمد محمد
كل إناء بما فيه ينضح، شكرا لك أخي وزميلي عبد الله عبد الرحمن محمود، فكم يسعدني أن أرى أبناء جامعتنا وهم قد وصلوا إلى هذه الدرجة العالية من وسع الثقافة، وقوة التعبير، والقدرة على تحليل ومعالجة الأمور والقضايا الحالقة، وهذا ما لا حظته في مقالك هذا، فكم قرأته لاصل إلى غوره وكم استفهمته لأعيه، أدعو الله أن يكثر أمثالك في الأمة لنأمل في الخروج مما نحن فيه كصوماليين من فشل وانتحار.
الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى