الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
جلمود صخر على هيكل عظمي .. في يوم الوحدة ! Print E-mail
مقالات - مقالات سياسية
Written by شافعي محمد   
Wednesday, 30 June 2010 17:41

سمعوا فجأة صوتاً يصدر من بعيد ، وصداه  ينساب إلى مسامعهم .. الحقوق المسلوبة رُجعت إلى أهلها ..الغني يصافح الفقير ، وحديث واحد يجمعهم في ساحة الوحدة والحرية  ، الجيمع يتوهم أن أمراً خطيراً وقع أو على وشك الوقوع ؛لأن الدعوات بمثل هذا لاتحدث إلا نادراً .. الكبار والصغار يتساءلون عن سبب الاستدعاء والصوت المدوي الذي يسود الأجواء .

فقائل : هذا من أثار صوت قديم بُعث إلي السماء في العصر الحجري .ورّد الفضاء الينا فأبي أن يحملها بعد هذه العصور المتعاقبة .

ـ وأخر يؤكد أن صخرة كبيرة تواجه البشر ، وتدُوس علي صدر هيكل عظمي مفتول العضلات .

وثالث يقول بجرأة : أن هذا جلمود صخر يخرجنا من سياق التاريخ القديم والمعاصر .

وعندما اكتمل الحضور انبرئ الجميع بصوت أخر شجي يقترب رويداُ رويداً نحوهم ويقول :

ـ أنتم تعلمون أيها الأعزاء أننا نواجه صخرة تشكل خطراً على وجودنا ، ولابد من وأدِ هذه الصخرة قبل أن تخرج من بكرة أبيها .

أهاااا فكرة رائعة .. الجميع وافقوا على وأدِ الصخرة قبل أن تكتمل عدة الشهور القليلة  التى بقيت لها من سن الشباب والقوة ..وضعت الصخرة في نعش الموت رغم أنها كانت تحاول أن تثور  .. لكنها دُفنت في قاعٍ سحيقٍ تستريح منه ونَستريح منها .

... وبعد سنون فوجئنا أن الهيكل العظمي يشكو ويئن على وطأة جلمود صخر جاثم ٍ على صدره ، ويحاول رفعها ، مستخدماً بكل قوة وبكل حيلةٍ .. يخوض في صراع مرير مع الصخرة ، يغلب عليها تارة ، وتارة أخرى تنقلب عليه .. وأخيراً جمع قواه ، لكن كل قوة ببأسها تخُور ... السنون مرت والشهور انصرمت .. والهيكل العظمي يصرخ ..ويردد " مافي اليد حيلة " .

بدأ الهيكل العظمي يسترجع الذاكرة ، ويعيد للأذهان سيرة الأبطال الخالدين الذي دفنوا الصخرة .، يتذكر مشهداً فريداً من مسرحية غنائية في المسرح الوطني ، وهو أن المغنين يلقون العتاب على أصحاب الصخرة ..وفقرة عجيبة تقول " لا أحد يشاهدك فاملأ فاهك ..لا أحد يشاهدك فاجنح إلى أعمامك " .

لا أحد يعلم أنه على قيد الحياة ... أو حتى موجود على الأرض ، لكن هناك من يراقب حياة الهيكل العظمي وهم الذين قدفوه فيه الصخرة منذ نحو عقدين، لقد جفّ جسمه وناحتة الصخرة في بطنه ،وذلك بمقاومته الشديدة المتواصلة للصخرة الجاثمة على صدره حتى حين .

.. أهٍ أهٍ أهٍ ... أصوات أليمة تصدر من الهيكل العظمي وكأنه يحتضر وينتفس رمقه الأخيرة، يداه النحيفتان ترتعش ، والأقدام ورمت ، والعيون غائرة ،وكل مافي جسده غرائب وعجائب وانبهار وخوف وهلع ... لأن الصخرة تمر في زهو عمرها ، والهيكل العظمي يربو إلى سن الشيخوخة والعجوزة .

وصحيح أن من وضعوا الصخرة على الهيكل العظمي لايريدون التخلص منه نهائياً او حتى قتلة ، واستنساخ أمعائه وغدده ، بل يقصدون أن يقتاتوا جبين عرقه ، واعلنوا بعد عام من الصراع المحموم بين الصخرة والهيكل العظمي عن أنهم يستحدثون أحدث التقنيات والآلات لرفع ذلك الحجر الثقيل .. بدا الهيكل العظمي لأول مرة يتنفس هموم الفرح ..ويبدي قبولاً نحو هذه الفكرة الناقصة .

اقتنع الهيكل العظمي بأن زمن المآسى والعذاب وقد ولى ، وهذه بداية نهاية لجلمود الصخرة ، وأنها ستكون مرفوعة عن صدره بعد ان تطور العلم  مع الآلات والوسائل التى لم تكن معروفة من قبل .. ويردد وهو يقنع نفسه " الآلة تسقط الدهشة ، وتبطل العجب".

وبعد الغرابة والعجب ... فإن الآلة لم تفلح برفع الحجر ، واستدعت الأمور إلى حضور كوكبة من العباقرة ، والباحثين ، والأطباء ، لتشخيص بقايا جسم الهيكل العظمي المنهك ، حتى يتم رفع أو ازاحة الحجر الملصق صدره على الأقل .

الخبير والعالِم في الأمراض الباطنية يقول " إن أمعاء الهيكل العظمي بدأت تتعفن ، وأن البنكرياس زاد انتفاخه واحْمر على شِدة وطأة الحجر الثقيل ،وبعد سنون ، لايمكن للهيكل العظمي المقاومة ، وبالتالي يطيل عمر الحجر الثقيل " .

بينما العالِم في الجيولوجيا يقول بنبرة حاسمة " بعض الأجزاء  بدأت تثور ، وتعلن الانسلاخ عن ذلك الجسد المتهور المقهور بطبيعة حالها كامنة كل مالذ وطاب من نفطيات وأثريات تحكي قصصاً غابرة " .

أأهااااا .. بدأ العالِم في الجغرافيا السياسية يهز رأسه علواً وسفلاً لمصداقية عالِم  الجيولوجيا ، لأن الجغرافيا هي الوصلة بينهما .

لكن العالِم في العلوم السياسية بدأ يرفض ويمتعض كل هذه الإدعاءات الخالية من عبر التاريخ ، مؤكداً : أن التعفن الذي طرأ على الأمعاء لم يكن من قبيل الفطريات الضارة ، لأن المعلوم الفطر كله  نافع ، بل هو صيد ثمين ، نافياً كل الأقوال التافهة عن انسلاخ الأجزاء الرئيسية من جسم الهيكل العظمي .

الهيكل العظمي بدأ يحتسب ويصبر على مأسى الأيام ، وهذا بعد أن حضروا له علماءً ترضي وتوصي له بأن يصبر على وقع الحر الشديد الذي يبيته ، وتحت ثقل الأوزان المتراكمة على صدره التى يزداد زنها وطنها سنة بعد أخرى .

وأصحاب الصخرة يتبادلون الضحكات والقهقهات في كل مرة يرون أن الهيكل العظمي يفقد توازنه ، وأن رأسه كَبِر بشكل غير مناسب بينما الأطافر كبرت أيضاً كالمفترس في الغابات ، أما الشعر فبدأ يتساقط  ، والجزء الأمامي من الراس بات ساحة لملعب فسيح لحشرات الأرض إن لم تكن جرداء قحطاء .

 

أصحاب الصخرة اختلفوا في كيفية معالجة واحتواء الأمر والريح الكريهة المتصاعدة المنبعثة من جسد الهيكل العظمي وتلك الدود والحشرات التى تفتك معالم جسده .


أولئك المتامرون عقدوا مؤتمرات وندوات لاحتواء الموقف المتأزم ، بأراء ومقترحات ، ولجان ،وخطط مستقبلية ومصيرية ، واقتصاد ، وتجارة حرة ، وغلاء ومهور ، واتفاقيات كلامية ، وأراء ، ورأي ، وشعارات اخرى ، أكثر من رأي !!! ووعود جبلية.  

 هذه هي  المظاهر العادية المتكررة على مؤتمرات أصحاب الصخرة ، بينما الهيكل العظمي لم يقدر التجرؤ على طرح همومه وأفكاره ، بل كان يصارع الموت مع الزمن في فقص كذا وكذا ..

 

مرت الذكريات الأليمة ويوم الوحدة يفترق الهيكل العظمي ، والأجزاء تثور من جديد وقامت ولن تقعد أبداً مالم ترفع الصخرة على الجسد كله .

وبعد خمسين عاماً من ذكرى الحرية والوحدة ، وبينما كان الهيكل العظمي يفكر في عالم خيالي وهو صاحب قوة وبأس شديد ، تركع وتخضع له الدنيا الحديثه ، وتصطف الدول القوية خلفه ، شعر بضربة كبيرة فاقته من الغفلة وحلمه التعس، واذا دار إلى اليمنى فرأى كهولاً حوله  في الخمسينات والستينات والثمانيينات يطمئنونه ، ويرددونهم وكأنهم يرثونه .

أترك الحزن والألم

                                  واستفق وعيك من جديد .

أما الهيكل العظمي فيردد هو الأخر .

 

أي أحزن أتركه ؟؟؟!

                         وهل لحزن بقي لي؟؟

   وكأن الأحزان خلقت إلا لي .

                                 وهذا سيل من الأزم .

شعروا أنه في حالة يأس وقنوط ، لا رجعه فيها ... ابتعدوا قليلاً ، لكنهم التفتوا هنيهة وسألوا متى سقطت عليك الصخرة ؟.

يجيب وهو لايتحمل استنشاق الهواء العليلة، وفاه يرتعش من شدة العذاب " في عام 1991".

 

كاتب صومالي

تعليقات حول الموضوع

اسلوب جديد على الصومالين
تستحق التحية عليه
الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
avatar عاشقة وحدة الصومالل
مقال رائع وتشبية اجمل
حقا تعتبر الصخرة سنوات عذاب الحرب الاهلية
ان شاء الله ينزال سنون الحرب الاهلية مظلمة وتعود الصومال كاقوى دولة
شكرا على تميز وخيال الواسع
الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
avatar محمد كاهيه
محاولة قيمة نشكر الكاتب عليها، مع ملاحظة مهمة هي أن ينتبه أكثر لمعاني المفردات العربية ومدى ملائمتها للجمل المختلفة
الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
avatar معروف محمد
التحية الى الاخ الكاتب والروائى الجليل فى اثناء قراءة مقالك اضحك واتساءل بماذا ينتهى هذا المقال الغريب لدى الصوماليين وكانك صورتنا صورة شخص نحيف قدسقط فوقه صخرة كبيرة يحاول بكل ما اوتى من قوة ان يرتفع هذا الصخرة يبكى ويصرخ والدمو تسيل من جبينه واصحاب الصخرة يفرجون من بعيد يضحكون بضعفه وعدم حيلته , مشهد غريب محزن يبكيك قبل ان يضحكك
كانك اخذتنا الى المسرحيّة, الامة تحتاج من امثالك تعرض الصور الخيالية بطريقة سهلة عذبة
الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى