|
إشكالية التشخيص ونقص المعلومات في الأزمة الصومالية |
|
|
|
مقالات -
مقالات سياسية
|
|
Written by محمد عمر أحمد
|
|
Wednesday, 23 June 2010 14:59 |
التغيرات الاجتماعية ليست مثل الكوارث الطبيعية التي تحدث فجأة وبدون سابق إنذار أو مقدمات (كما يبدو لنا)، والحدث الاجتماعي الواحد يكون سببا ونتيجة في آن واحد . الحالة الصومالية لا شكَّ أنها محصلة عوامل كثيرة أبرزها التظالم والاستبداد، وفشل مؤسساتنا التربوية في بناء شخصية سوية، وتجاذب المصالح المختلفة للجهات الخارجية والتآمر الدولي على مقدرات الشعب المغلوب على أمره.وتكتسب القضية تعقيدها على الصعيد النظري من ندرة الدراسات الوصفية –الكمية والكيفية- التي تتصدى لتحليل أبعاد الأزمة ،وتحديد مكوناتها وأطرافها–وهو عمل الإعلام ومراكز البحوث –مما يجعل المصلح كمن يتحرك في أرض مجهولة المعالم ،ويجعل مهمة اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي سواء من الداخل أو من الخارج عملا غاية الصعوبة .اكتشاف جذور الأزمة–لا شك- مهمة فلسفية شاقة ؛لكنها تقودنا في النهاية إلى الخروج بتصور تقريبي لمحركات الأزمة وتجلياتها مما ينير الطريق لمهندسي الإصلاح . وعليه،فالبحث فيها ليس من قبيل الترف الأكاديمي بل مدخل ضروري لكل علاج لإزالة" الغموض النظري"- كما أسماه المفكر المصري حسن حنفي – الذي يكتنف العديد من أزمات المجتمعات النامية ، وكما يقال التشخيص نصف العلاج.أو كما يقول الكاتب السوري د. عبد الكريم بكار :"يبدو لي أن التقدم الحضاري ظل على مدار التاريخ مرتبطاً بما يمكن توفيره من أرقام وإحصاءات؛ فالتخلف صديق الجهل وربيب الغموض، أما التقدم فإنه مع الوضوح والتحديد والدقة".تجليات الأزمة.. ومقاربات التشخيصتتجسد الأزمة الصومالية الراهنة في مشاهد عديدة أبرزها فشل النظام الضابط ،وانعدام ضرورات الحياة ،وانتهاك حقوق الإنسان ،والهروب صوب المهجر بامتطاء قوارب الموت للدخول الى أوروبا او بالموت على أسوارها ،ونزيف العقول إلى جانب المشاكل البيئية،والانحدارات الاقتصادية،وضياع الهوية الوطنية الجامعة.وبالجملة فإن هناك دراسات إعلامية واجتماعية حاولت تلمس أسباب الأزمة ،والتي ساهمت في بروزها وتفاقمها. فعلى الصعيد السياسي: جاء الحديث عن أثر المواريث الاستعمارية، وفشل التجربة الديمقراطية البرلمانية، ودكتاتورية الحزب الواحد والاستئثار بالسلطة، وتراجع قوة الدولة وسيادتها على إقليمها في ظل تصاعد الصراع على السلطة. وعلى الصعيد الاقتصادي: تواتر الحديث عن فقر الصومال وضعفه الاقتصادي ومؤشرات ذلك في القطاعات المختلفة (زراعية - صناعية - تجارة وخدمات ..) .وعلى الصعيد الاجتماعي: ركزت التحليلات على أسباب مثل: تفشى الروح القبلية، وإعلاء الولاءات التحتية على الولاء للدولة، وغياب الهياكل الاجتماعية اللازمة لقيام واستمرار الدولة الحديثة(1). وفي أيامنا هذه قد انضاف إلى تلك الأبعاد أبعاد أخرى مثل الانشقاقات الدينية والتفكك الجغرافي، والهجرة والتشرد والقرصنة. وفيما يتعلق بفشل الدولة الحديثة في الصومال تجدر الإشارة إلى أن "الدولة" كمفهوم عصري يتطلب العمل الجمعي لأجل مصلحة مشتركة وغاية كلية أمر جديد على الصوماليين .فالدولة الحديثة شهد تطورات متلاحقة في بلادها الأصلية،وتوسعت صلاحياتها لتصبح بمثابة الأم الحاضن يتضاءل معها دور المؤسسات التقليدية مثل القبيلة ورابطة الدم ، وبمثابة الإطار الذي تتم بداخله كل التفاعلات داخل المجتمع الحديث.ومع التجارب البشرية تأسست معايير ،ومؤشرات أداء للدول، وبناء عليها تم إدراج بعض الدول في خانة ما يطلق عليه بـ" الدول الفاشلة" وفق معايير تنصب معظمها حول التنمية وحقوق الإنسان ومدى قدرة الدولة على سيطرة أراضيها . وإذا أخذنا بعض الأمثلة لمحاولات فهم وتحليل الأزمة الصومالية على الصعيد النظري نستشهد مقاربة الدكتور حسين عبد الله بلحان –رئيس جامعة هرجيسا حاليا- وأستاذ علم النفس السابق في جامعة بوستن الأمريكية في كتابه " سياسة قابيل"(1) (politics of Cain ) حول ظاهرة فشل الدولة الحديثة في الصومال ،وقد أدرك أن جوهر الأزمة الحالية تعود جذوره إلى عوامل من أهمها :آلياتُ الحكم في الدولة الصومالية الحديثة لم تأت عبر التطور،ولم تكن ملكا للصوماليين، وإنما كانت إرثا من الاستعمار؛ فالأحزاب الصومالية حين كانت تطالب برحيل المستعمر لم تكن تعي حجم المخاطر التي هي مقبلة عليها ،وكان همها الوحيد هو الاطاحة بالاستعمار، والجلوس على كرسيه والعيش كما يعيش دون أن تتشكل طبقة سياسية ذات خبرة ،مما يعني أن الهياكل الإدارية في الدولة –أي دولة- عديمة القيمة إذا لم توجد الرؤية المحلية التي تحافظ عليها ..كما يعني هذا أنه في مراحل النضال ضد "الاستخراب"(الاستعمار) يخرج المزاج العام عن حالة الاعتدال ،ويكثر البكاء والتشنج والغضب وتختلط الأولويات ،وترفع شعاراتٌ كثيرة تبعد البلاد عن تبصر مواطن الخلل. الفساد المبكر ،فقد استأثرت قلة من المثقفين بثقافة المستعمر بالتركة ،واشتغلت بجمع الثروات متخذة الحكومة بمثابة (الناقة الحلوب) ،وأصبح تولِّي المنصب الحكومي طريقا للمشاركة في النهب المشروع، في ظل الفساد الإداري وانعدام الرقابة التي تحد من جرائم الاختلاس أو سرقة الأموال العامة. وأخيرا يشير إلى دور " القبليَّة المسيسة" المنفلتة من ضوابط "الأعراف المهذبة" بتأثير المستعمر الذي عمد إلى زرع الألغام بين مكونات المجتمع ،ثم اتخذ النفعيون القبيلة ناقة ذلولا للوصول إلى مآرب شخصية وفئوية.
الفقر والبداوةبعض الخبراء الغربيين والعرب رأوا في كتاباتهم أن مفهوم الدولة غريب على الصوماليين البدو الرحل وأن دولتهم بين عامي 1960-1991 كانت حالة استثنائية استمرت بفضل المعونة الخارجية والقوة العسكرية لنظام سياد برى .ويرون أن الكيانات الإقليمية والمحلية غير قادرة على إدارة البلاد ، ويجب أن توجه إليهم المساعدات الخارجية . ويستدلون أن الناتج المحلي لا يكفي لتثبيت دولة عصرية ،وأن دولة كهذه ستكون عالة على المجتمع الدولي.ولكن أصحاب الرأي يتجاهلون أنَّ أغلبية الصوماليين أخذوا استقلالهم قبل دول إفريقية كثيرة،ولا يرون استحالة في إثبات سيادتهم المنهارة مرة ثانية مادامت كل الدول الإفريقية محتفظة بكياناتها وسيادتها (2) الدكتور نصر إبراهيم العميد الأسبق لمعهد الدراسات الإفريقية في القاهرة لا يبعد عن تلك المقاربة حيث يقول ردا على سؤال: لماذا يعاني الشعب الصومالي هذه الصراعات طالما أنه موحد إثنيًّا كما ذكرت؟قال :قد نجد تفسير ذلك في سيادة الحالة القبلية على الحياة السياسية، كما أن هناك تفسيرًا تاريخيًّا، حيث كان هناك تمييزٌ ضد الشمال أثناء فترة سياد بري، لكن التفسير الأقوى أن الشعب الصومالي لم يعرف كيان الدولة باعتبار أنهم رعاة، وهنا قد يثور التساؤل-والكلام ما زال للدكتور نصر- : لماذا قبل الصوماليون الدولة عام 1960م؟ أقول: إنهم قبلوا لتكون وسيلةً وليست غايةً لتحقيق الوحدة الوطنية الصومالية في سبيل الحصول على الإمارات الخمسة، منهم جيبوتي، وإقليم نيفيد( N.F.D) وأوجادين، فلما تراجعت الدولة عن تحقيق هذا الحلم شاعت الفوضى بين فصائل قبلية وغيرها(3) وتأسيسا على ما سبق يجب الاعتراف بأن إدارة الدولة الحديثة يعني في مجمله"إدارة التناقض" باستخدام أذوات الضبط السياسي المختلفة لإدارة مجموعة من المصالح المتناقضة داخل مجتمع كبير، وتهيئة مناخ للصراع السلمي و" التعايش" بتفعيل"لغة الحوار" باعتبارها اداة فعَّالة لإدارة التناقض المجتمعي في بوتقة واحدة.التجربة الدكتاتورية..النموذج السيء إن طبيعة النظام السياسي والاقتصادي السائد في بلد ما هي التي تشكل الوعي المجتمعي فالنّظام الجائر لا يشعر فيه المواطن بالأمن والاطمئنان إلى عدالة تحميه من الظلم والعسف. وعليه ، فإن الصومال قبل انهيار الحكومة المركزية عام 1991 قد مرَّ بتجربتين للحكم أحداهما وصفت بأنها "تجربة ديمقراطية" 1960-1969 . والأخرى هي الثورة العسكرية الشيوعية 1969-1991م . والذي نراه يقينا أن الخبرة في الحقبة الاشتراكية كانت مؤلمة، فقد كانت فترة اتصف النظام بكل مساوئ الدولة التسلطية، وكانت فترة كافية لتشكيل وعي مجتمع صومالي على أسس موحدة ،ولكن الصومالي تشكل في ظلها شخصية مضطربة في ولائها متذبذبة في اتجاهها ، وقد برهن سياق الأحداث التي تلت سقوط النظام صحة هذا الحكم القاسي عليها..وقد تولد من القمع الذي مارسه النظام عنف سياسي ،وتطرف قبلي ،واحتماء بالخارج وتقوقع داخل القبيلة . وأصبح الصومال فيما بعد مكشوفا للمخاطرالخارجية،والتدخلات الأجنبية لأن الدولة ومؤسساتها انشغلت بابتكار أساليب للاحتفاظ بالسلطة، ونسيت تقوية وتنظيم مجتمعها الذي دب فيه الضعف والتشرذم والصراعات الأمر الذي جعله عاجزا عن اعانة وحماية الدولة التي ينتمي إليها. إن فرص الانسجام المجتمعي بين الصوماليين وعدم وجود فوارق على أساس الدين او الثقافة، لم تكن لصالحهم ؛إذ أن الدين واللغة والثقافة المشتركة تعد بعض العوامل المؤثرة فى هذه العملية ، ولكنها لا تعيش فى حالة ركود إنما فى حالة تفاعل مستمر ومتداخل مع العديد من العوامل الاخرى، ولذا فان تاثيرها وتأثرها يختلف ما بين السلبى والإيجابى حسب حالة الفئات الاجتماعية الاقتصادية المتداخلة فى عملية التفاعل.والآن وبعد أن طالت فصول الأزمة فقد الشعب الصومالي القدرة على التحكم في الأحداث أو البيئة أو حتى السيطرة على السلوك .وقد نتج عن الأزمة آثار غائرة في نفسية المواطن أدت إلى تغيير نظرته إلى الدولة نفسها ووظائفها، فلا يراها –كما هو الأصل -حارسة لمصالحه، بل ويعتبر عبثا مطالبتها بتوفير ضرورات الحياة، فمطالب الصومالي انحصرت على مطلب واحد هو البحث عن"الاستقرار"والحكومة أصبحت كيانا هامدا لا ينتظر منه الحماية المتكاملة.ظاهرة التفكك ..ومرحلة الوعي بالمشكلاتالصومال الذي نعم بوحدة إقليمين من أقاليمه بعد التحرر من " الاستخراب"( الاستعمار) 1960م بدأت الآن تعاني من "أزمة" تشرذم وانشطارات داخلية، لتصبح"عمليا" ثلاث مناطق كبيرة (شبه دويلات). والآن تثار مناقشات حول إقامة المزيد من الكيانات الفيدرالية ،ووجاهة مبررات الانفصال ( في الشمال)، وحول الشكل الأمثل لنمط الحكم : أهو الحكم المركزي أم الفيدرالي وبأي مضمون: أهو علماني أم إسلامي؟ والواقع الحالي يشير إلى قوة خيار التفكك والانفصال–ولو في ثوب الفيدرالية- نتيجة لتمادي حلقات الصراع في بعض الأقاليم الجنوبية من البلاد التي أصبحت حاضنة لجماعات متصارعة، بينما تشهد بعض المناطق مرحلة " التكيف مع الأزمة" مستعيدة بعض قدرات التحكم في الأحداث السياسية ،وجربت تجارب أولية في التنمية بشراكة المنظمات الأجنبية، وبتحركات مواطنيها، ووجدت أشكال من التنمية الاقتصادية، وتحسين آليات الحكم .ومن نافلة القول أن المجتمعات البشرية كالأفراد لا تكتسب اليقظة والوعي إلا بعد سلسلة طويلة من النكسات والتجارب .وعليه،فإن المجتمع الصومالي يدلف إلى مرحلة يمكن تسميتها بمرحلة " الوعي بالمشكلات" والاعتراف بها، والتعاطي معها بعقلانية وهي مرحلة ضرورية لتشكل الوعي السياسي الذي يمهد لمرحلة إدارة التناقض والتعايش بين مكونات المجتمع.الانطلاق من الذات..خطوة أولى في الحل لا يحتاج إلى تأكيد أن أي تقدم في المجتمعات لا يمر إلا عبر بوابة "الذات" باستيعاب المؤثرات الخارجية لتطويعها للموروث المحلي،وبدراسة عناصر التجانس الاجتماعى المفضى الى الاستقرار للوقاية من دورات الحروب ؛فالأزمة –أي أزمة- ظاهرة اقتصادية واجتماعية عادية مألوفة موجودة في جميع المجتمعات وفي جميع العصور،يمكن فهمها وضبطها والتحكم فيها.وفي الختام أرجو أن يشكل هذا المقال مدخلاً متواضعاً للتنوير حول موضوع الأزمة الصومالية.
يوجد من الصومالين أناس منذ إنهيار الدولة الصومالية الى الآن مازالوا على نفس العقلية
يا جماعه من 20 سنه وانتم على نفس التفكير يعني لازم الواحد فينا يراجع فكره وأيدلوجيته
على سبيل المثال الأخ (صومالي لاند) أصحى يا أخي بسبب الذي على فكرك وبسبب الذين على فكر الإرهابين والمخربين الصومالين سوف نبقى بدون دولة
إذا ما كنت أنت خارج الصومال وتأخذ راتب و تتلقى العلاج و التعليم اللازم فيجب بأن تعلم بأنه لك أهل في الداخل يفتقدون أدنى ما تتمتع به ولكن الى متى
ستضل أنت على هذا الحال .... 20 سنه ولم تصبح دوله فإلى متى ؟؟ لا تكابر وتنظر الى وطن بعين القبلية
الله يعينا على أنفسنا وشعبنا الجاهل
حفظ الله الصومال وأهله من كل مكروه
إنشاء الله سيكون هذا مدخلا مهما لفهم المشكلة السياسية والثغرات الإجتماعية والإقتصادية التي سببت الهشاشة في مجتمعنا، وهي مقدمة شاملة تحتاج إلي تبسيط من قبل الباحثين وتحتاج إلي تشجيع الجامعات علي إعطاء أولية لتفعيل مراكز البحث لديها وتشجيع الباحثين لتحليل المشكلات وتقديمها بصورة يفهمها الجمهور عبر كتيبات وبرامج حوارية في الإذاعات المحلية مع وضع آليات للنهوض تساهم في بناء البنية التحية للمجتمع والتي تأهله إلي إكتساب مفهموم المجتمع الحديث وهذا يتطلب إلتركيز علي بعض القيم الأساسية كثقافة الحوار والتفكير الجمعي وإحترام النظام وتقدير العلم والعمل وكذلك إختزال بعض الأمراض التي تغذي الوضع الحالي كالإحتماء بمظلة القبلية والمناطقية ، أري أنه لا بد من صياغة بعض المبادئ الأولية والتي يمكن أن تساهم في وضع ميثاق شرف للجيل الحالي وللمجتمع ككل ومن ثم يعمل المثقفون والدعاة وذووالتأثير في المجتمع علي نشرها وغرسها نحن بحاجة إلي المبادرات التي تساهم في إطفاء بعض حرائقنا ، فمقال الكاتب يمكن أن نقول عنه هو مبادرة الي الباحثين وذوي الرأي إلي إعطاء أولية في هذه المرحلة في تشخيص المشكلة وتنميية الوعي بالمشكلات
|
تعليقات حول الموضوع
اشكرك على هذا المقال الرائع الذى اعتقد انه يضع اللبنة الصحيحة فى محاولة الفهم العلمي والتشيخص الصحيح للازمة الصومالية.
كما اعبر عن اعجابى الكبير بهذا العميق التحليلى الذى يؤكد ن الكتاب الصوماليين امثال سيادتكم قادرين على خوض المنافسة وبكل اقتدار