الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
العيد خجول يا حبيبي! Print E-mail
مقالات - مقالات سياسية
Written by سمية شيخ محمود   
Wednesday, 23 June 2010 11:05

نسيت وجه العيد يا حبيبي، فمنذ وقت لا أذكره لم يزر بيتنا، غير أنّي أذكر جدّتي وهي تضفّر جدائلي، وأمي وخالاتي يحضّرن الحلويات، وأنا سعيدة جذلى، أتباهى بين بنيّات الحيّ بثوبي الأخضر الجميل، ونذهب لنأخذ العيديّة من الجيران والأقارب.

منذ زمن لا أذكره ضاع العيد يا حبيبي، كبرنا ... لا أنت تذهب إلى مكتبك للعمل كما كان أبي يفعل، ولا أنا أقدر على تحضير حلوى العيد، فهذا زمن القحط والنزوح، لم أتعلّم أي وصفة للأيام الحلوة. وابنتنا لا تلبس الجديد، وجدتها لا تجدل شعرها، هذا زمن الحزن حتى للأطفال مثل حلوتي البريئة مريم.

منذ آخر عيد ونحن نقلق عندما نسمع صدى ضحكة أو شبح ابتسامة، تجمّدت ملامح أصدقائي ولم يعدّ وجههم يجيد التعبير، ولا رغبة لدينا للحياة، أذكر ابنة جارنا (فرتون) كانت تحترف الفرح، وضحكتها تنشر السعادة بيننا، ولكنها يوم ضاع العيد الأخير فقدت القدرة على الضحك وعجز الأطباء عن معالجتها. أما صديقنا (ليبان) ... هل تذكره؟ كان بيتهم خلف السوق وكان يتسلق الأشجار ونناديه ( القرد الجميل)، رأيته يمضغ القات وعيناه غائراتان وبين ساقيه كلاشنكوف!

لمن أتحدّث عن مصابي الجلل؟

جاءت حلوتي مريم وجاء معها قليل من الأمل، كنت أقول لك دائماً( بكرة أحلى)، جيل مريم أكثر حظّاً منّا، الفرح يموج في قلبي وأدعو لك كل فجر عندما تذهب سعياً للرزق، وفي المساء تعود مرهقاً وقد كلّـت قدماك، وتمتلئ نفسك بالقهر، فأصرُّ على الأمل والغد الأجمل.

كبرت مريم، سألتني:" ماذا الآن؟"

تجاهلت نبرة اليأس في صوتك، وقلت لك:" سنأكل الآن. استحمّ الآن!"

 لعقود طويلة أنا أتشبث بالأمل، وأنت تتشبث باليأس، أشحذك بالرجاء، وتدفعني للضياع، مسكونة بالخوف منذ سنوات لا أذكرها، ولم أخبرك ... كنت أحميك من خوفي، كنت أرتعش في داخلي حين يقصفون الأحياء الشعبيّة، كنت أبكي عندما تعود مرهقاً ومحبطاً، وحرصت دوماً على ألا ترى سوى ابتسامة التصقت مع مرور الأيام على شفتيّ..

وأطلّ العيد الخجول هذا العام، وانسحب دون أن يشعر به أحد كالعادة، وكأنّه جاء ليرى هل تغيّرنا؟ هل سمحنا للشمس أن تلفح أحلامنا؟  هل استعادت (فرتون) ضحكتها؟ هل عاد (ليبان) وسيم الحيّ إلى وعيه؟

   انسحب بخجل هذه المرّة أيضاً يا حبيبي، وتمنيت يوماً أن يأتي وقد وفيت وعدي بأن أتمسّك بإيماني العميق بالغد الأجمل... وبالأمس سألتني:" من أين لك هذه الطاقة والقدرة على الأمل وسط الحرائق؟  قتلوا (عبد الله) مؤذن مسجد الحيّ، شرّدوا ( حامد) أستاذ المدرسة،  أغلقوا مصانع المدينة، ومازلت مصرّة على الغد الأجمل؟"

احترت كيف أداري دمعي، وأنا أنظر إلى مريم، وقلت لك:" أنت ومريم مصدرا طاقتي، وابننا القادم..."

قاطعتني بغضب:" ابن قادم؟ لا ... يا مجنونة! لا أريد أن يأتي طفل آخر إلى دنيا بلا عيد ... زواجنا كان غلطة... إنجاب مريم غلطة... وأنت غلطتي!"

تركتك يا حبيبي، لماذا تريد أن تسحب هذا الأمل الضئيل مني؟ وهمت على وجهي وبين يديّ وجعي، وعلى الخدين تكرج دموع لم تجد يداً حنوناً تكفكفها، ومشيت حتى منزل الطفولة، هنا قتلوا (زهرة) ذات العشرين عاماً، صديقة خالتي، وتحت هذه الشجرة مثّلوا بجثة (عمر) أفضل شباب الحيّ، وأغمضت عيني عن كلّ شيء يقيناً منّي أنّ (الفرح قوة)، ولأتحدّى من يحاولون غرس شجرة اليأس الخبيثة في قلوب الناس.

جلست على حجرة متكئة على حديقة العمّ (عبدي) المهجورة وبكيت بحرقة، ويدي على بطني، يا الله أمدني بالأمل وألهمني الصبر على عشّاق اليأس! يا الله... لماذا يعتبرني حبيبي وزوجي غلطته؟ أنا لم أفعل شيئاً سوى أنني كنت أعطيه أسباباً للسعادة وطاقة للاستمرار؟ أنا اليوم حزينة... أنا اليوم أبكي أملي الذي أوشك على النفاذ!

عجزت عن البعد عنك ... وعدت إليك... واليأس رفيقي.. واندحر الفرح والأمل والعيد لمّا يزل خجولاً يا حبيبي!!!! 

تمـّـت

تعليقات حول الموضوع

avatar سمكاب
الله سطور اكثر من رائعة اسلوب جميل في الكتابه
تحياتي لك اختي
الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
avatar ALISHIINE
THANKS MUNA I LIKE THE WAY U THINKING
الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
avatar آمنة معلم أحمد
محقة يا حبيبة، لكن لا نفقد الأمل مهما بدا في وطننا الغالي ومن شعبنا من غرائب الأفعال
لنا أمل في استقرار السفينة ولنا أمل في السرور والحبور في الأعياد القادمة مهما طال الزمن ،
أرجو ألا تترك إبتسامتك الحلوة فوق شفاك
الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
avatar فاطمة الزهراء علي الشيخ أحمد
سميــة..شكرا على هذه التحفة الأدبية..أتوق لأن أراك تنشرين باكورة قصصك الأدبية..يومها ستوقعين لي على كتابك..وسأزينه في مكتبتي..شاعرة بالفخر لأن أنامل ابنة بارة بالوطن، محبة لأهله..رجالا ونساءا.. سطرته بكل بنبل إحساس وعميق فكر وأنيق حرف. لا حرمنا الله من رائع كتاباتك
الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى