|
اليمن السعيد لم يعد سعيداً(1) |
|
|
|
مقالات -
مقالات سياسية
|
|
Written by عبد العزيز عرتن
|
|
Saturday, 03 April 2010 22:13 |
تمهيد
للأشياء عادة نصيب من اسمها جماداً كان أم حيواناً ، وهو ما ينطبق على البلدان والمدن ، حيث يترجم اسمها عن شيء من تاريخها مثلاً أو لقوم سكنوا فيها أو صفة يتصف بها أو بعض من خيراتها أو مؤسس حكم فيها أو مكتشفها إن كانت بلاداً مكتشفة حديثة وهكذا .فالألمان والإنكليز والفرنج قبائل جرمانية هاجرت من شمال أوروبا واستوطنت في البلدان التي تحمل اسمها اليوم ما بين القرنين الرابع والخامس الميلاديين ، وأمريكا تخليداً لاسم أمريكو فيسبوتشي البحار الإيطالي ( ت 1512 م ) الذي قام بين عامي 1497 و 1504 بأربع رحلات إلى العالم الجديد وترك وراءه تفاصيل رحلاته وأسرارها وخفاياها مدونة ، والسعودية نسبة إلى السعود الكبير وهو سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود ( ت 1816م ) مؤسس الدولة السعودية الأولى، وباكستان تعني أرض الأطهار، واليابان بلاد الشمس ، وعلى هذا المنوال تسري أسماء البلدان والمدن في العالم .عودة إلى العنوان ، فاليَمَن تعني التيمن أو التيامن أي الأخذ ذات اليمين أو الذهاب إليها، ومن معانيها أيضاً اليُمنٍُ وهو الخير والبركة وتعني العيش الرغيد ، أطلقها العرب قديماً على هذا الجزء من الجزيرة العربية والتي يعتبرها البعض أصل العرب جميعاً ، دلالة على ما كان يتمتع به من أسباب الحياة الكريمة في تلك الأزمان الغابرة . وعندما زار منطقة الشرق القديم بعض مؤرخي الإغريق ورحّالتهم في القرن الخامس قبل الميلاد وهم الذين أطلقوا بعض الأسماء الخالدة في المنطقة كبلاد الرافدين وإثيوبيا لم تصدق أعينهم ما رأوا من رفاه الحياة ورخاء في اليمن متمثلاً بتطور عمراني فريد وفنون زراعية مدهشة وسدود متطورة جداً وتجارة عابرة للقارات تقطع البراري والبحار ، عندها بحث هؤلاء الرحّالة عن اسم أو لقب يناسب هذا البلد وشعبه فأطلقوا عليه " بلاد العرب السعيدة " إلى جانب بلاد العرب الصحراء وهي معظم الجزيرة العربية وبلاد العرب الصخر قاصدين بذلك شمال الجزيرة العربية ومملكة الأنباط التي كانت عاصمتها البتراء (الأردن الحالية) وأصبح اليمن مشهوراً منذ ذلك الحين بهذا اللقب " اليمن السعيدة " ، وأطلق عليه آخرون باليمن الخضراء .والجدير بالإشارة هنا أن العرب لم يخطئوا بهذه التسمية ولا الإغريق بهذا اللقب ، إذ شهد الله لهم عز وجل في القرآن الكريم حيث قال عن اليمن ( لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور) وتراءى للبعض لقب اليمن بأرض الجنتين انطلاقاً من هذه الآية . هذه حال الأرض ، أما أهلها فيكفيهم مدحاً وثناء قول الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم ( أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوباً الإيمان يمان والحكمة يمانية ) بخاري 4388 ، والنقاش جار ومحتدم بين بعض أهل الحديث إذا كان للحديث خصوصية زمنية مع عدم وجود قرينة لذلك . إذاً فبطيبة الأرض مع طيبة أهلها يزدان اليمن السعيد وأصبح سعيداً أكثر بالإسلام بعد انتشاره في الجزيرة العربية ويكسب ويستحق دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جانب الشام ( اللّهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا ) بخاري 1037. في يناير من هذا العام (2010) قدر الله لي زيارة اليمن لأول مرة ، وكانت رحلة أضافت معلومات جديدة على معلوماتي السابقة عن هذا البلد ، ولكنه يمن جديد مختلف عن القديم وبعيد عن السعادة بل هو في البحث عنها جاد ، أما أنا فأحببت نقل بعض مشاهداتي إلى القراء الكرام فليتقبلوا مني مشكورين . ومع أنها على غرار ما فعله الأخ والزميل نوح شيخ عبدي كمقاله "وعن جيبوتي أحدثكم" في هذا الموقع إلا أنها لا ترقى لمستواه . ولكن مهلاً أيها القارئ الكريم فأنا لا أحدثك عن اليمن عموماً ، عن يمن الحضارة والتاريخ ، التاريخ القديم آثاره وأطلاله ودوله كمعين وسبأ وريدان وقتبان وحضرموت وغيرها ، وكذلك يمن التاريخ الإسلامي ودوله الكثيرة كالزيادية واليعفرية والنجاحية والصليحية والرسولية والظاهرية والزيدية. كما لا أحدثكم عن يمن العلم والعلماء ، يمن عبد الرزاق بن همام الصنعاني صاحب المصنف الذي قيل بسببه عن صنعاء " لا بد من صنعاء وإن طال الزمن أو السفر" ، يمن محمد بن إبراهيم الوزير صاحب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، ويمن صالح بن المهدي المقبلي صاحب العلم الشامخ ، يمن محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني صاحب سبل السلام ، ويمن مرتضى الزبيدي صاحب تاج العروس ، ويمن محمد بن علي الشوكاني صاحب النيل والفتح والسيل الجرار وغيرها من الكتب . وكذلك لا أحدثكم عن اليمن وتاريخه المعاصر كصراعه المرير مع الدولة العثمانية والاستعمار الانكليزي فيما بعد ، والثورة ضد الإمامة وأخيراً استعادة حريته ثم وحدته قبل عشرين عاماً .وإنما أحدثكم عن اليمن الحالي ، يمن 2010 ويمن القرن الواحد والعشرين بشكل موجز وطريقة ذكر البارز من الأشياء ، وما يلفت النظر والانتباه ويثير الملاحقة فقط ، وهل هذا اليمن سعيد كما أطلق عليه قديماً وكما كان في الأيام الخوالي ؟ أم أن هناك ما ينغص هذه السعادة ويعكر صفوها؟ وما مصير هذا اللقب في الوضع الراهن ؟ ملاحظات ثلاث قبل الخوض في الموضوع : الملحوظة الأولى : قرأت في أحد كتب الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله مقولة مفادها (لا تدعي معرفة دمشق دون زيارة مصايفها ) وعليه فأنا لا أدعي هنا معرفة اليمن التي قضيت فيها قرابة شهر واحد وفي صنعاء وحدها ، وبالتالي فعذراً للقراء الكرام من نقائص وهفوات ربما ستشوب هذا المقال ، ومع ذلك فأعتقد أن العاصمة تصلح أن تكون نموذجاً للبلاد وتعطي عنه صورة ولو كانت غير متكاملة .الملحوظة الثانية : كون كثير من التقاليد والأعراف وأنماط الحياة لا تختلف كثيراً في البلاد الإسلامية والعربية بحكم تعاليم الإسلام وبحكم الجوار كاليمن والصومال ، فلن أتعرض إلى جميع مشاهداتي ولكني سأقتصر على عدة مشاهد شدّت انتباهي وهي الدوافع لكتابة هذه السطور .الملحوظة الثالثة : إدراكاً مني للمثل القائل " أهل مكة أدرى بشعابها " لن أخوض في الأمور السياسية والأحداث الجارية في البلاد إلا بالإشارة العابرة وأتركها للزملاء اليمنيين أو المقيمين فيها لقلة إلمامي بها .والى اللقاء في الحلقة القادمة باذن الله
|
تعليقات حول الموضوع