في السادس والعشرين من شهر يونيو من العام الجاري، توجه أبناء الأقاليم الشمالية في الصومال إلى صناديق الاقتراع، وذلك لانتخاب رئيس جمهورية يمثِّل كيانهم السياسي، والمعروف باسم أرض الصومال أو "صومالي لاند"، هذا الكيان السياسي ظهر إلى الوجود منذ الثامن عشر من شهر مايو عام 1991، وذلك بعد الإطاحة بحكم الجنرال محمد سياد بري، الذي حكم الصومال بقبضة حديد
ية طيلة عقدين من الزمان.
كان صديق - من أبناء "صومالي لاند"- قد اقترح عليَّ أن أكتب شيئًا عن تجربة الديمقراطية في "صومالي لاند" من وِجهة نظر جنوبية، وجاء الاقتراح أولًا قبل الانتخابات، ثم كرَّرَه بعد أن تم التصويت واستخدم في ذلك جميع أنواع الاتصال من مكالمات هاتفية ورسائل نصية عبر المحمول والبريد الإلكتروني، وفي كل مرة كنت أَعِد صديقي العزيز خيرًا، حتى أصابه اليأس مني على ما يبدو فتوقف عن الإلحاح.
وجهة نظرٍ عاطفية
والحقيقة أنني لم أتأخرْ عن وضع الاقتراح موضعَ التنفيذ؛ بل إنني أعترف أنَّني أمسكت بالقلم عدة مرات، ولكنني كنت أتراجع في كل مرة.
كنتُ أتراجع لإحساسي بأن كلماتي سوف تأتي عاطفيةً بعيدة عن الحِيَاد الموضوعي، ولا ترقى إلى مستوى الحدث الذي قد يكون أحد أخطر المنعطفات في تاريخ الصومال الحديث، لقد أحسستُ أنني أمام حاضر سيشكِّل علامة فارقة في تاريخ هذه المنطقة، ولذلك آثرت الانتظار حتى يخرج الحدث من دائرة الضوء المسلَّطَة عليه ويقترب أكثر من دائرة التاريخ.
ذكرى صَباح الانْفصال
في صبيحة الثامن عشر من شهر مايو من عام 1991، ذهبتُ لزيارة والدي د. محمد حاج أحمد، في مكتبه الكائن بحي "زوبيه" بالعاصمة الصومالية مقديشو، ولكنني فوجئتُ بدموع صامتة تترقرق في مقلتَيْه، وعندما استفسرت عما حلَّ بالشيخ الذي علمني التجلُّد في أحْلَك الظروف، علمتُ أن الشمال الصومالي قد أعلن انفصَالَه عن الجنوب، والحقيقة أنني دهِشتُ وقتها لردّ فعل والدي على الموضوع، واعتبرته مُغاليًا فيه، فالصومال كلها كانت تمرُّ آنذاك بمرحلة فوضى عارمة منذ الاندِحار المفاجئ وغير المتوَقَّع لحكومة سياد بري العسكرية، والمليشيات المسَلَّحة كانت تجوبُ أرجاء البلاد بالطول والعرض، مدمرةً في طريقِها كلَّ مقوِّمَات الحكومة الصومالية، وانهارت جميعُ مرافق الحياة من صحة وتعليم وأمن وتلاشى الحلمُ الوردي الذي داعبنا للحظات أن نستبدل بالنظام الديكتاتوري آخر ديمقراطيًّا، بعد أن تبين لنا أن الجبهات القبلية المسلحة كانت لديها القدرة على إسقاط الحكومة، ولكنها كانت عاريةً من أي برنامج لتشكيل أي حكومة من أي نوع.
لذلك استغربتُ حزن والدي، فالأمر في نظري لم يكن يعدو صورة أخرى من صور الفوضى وعدم التخطيط التي سَادَت البلاد، ولكن الرجل بشفافية حسه وبحكم خبرته كدبلوماسي قضى في العمل السياسي أكثر من 27 عامًا كان يَعِي أن هذه الخطوة لم تكن انفعاليةً كباقي الخطوات، لقد كان يرى ببُعْد نظره انهيارَ الكيان الذي أمضى في خدمتة أكثر من ربع قرن.
حقيقة لا يمكنُنا تجاهلُها
لعلَّ الفارق الوحيد بين الأقاليم الشمالية في الصومال وشقيقاتها في الجنوب، هو اسم الدولة الأوروبيَّة المستعمرة بريطانيا في الشمال وإيطاليا في الجنوب، وباستثناء ذلك فلن تجد أيَّ اختلاف بين الطرفين، سواء في اللغة أو الملامح أو العُرْف السائد أو حتى في المذهب الديني، مما يؤكِّد وحدة أبناء المنطقة وانتماءهم إلى أصل واحد، وحتى التركيبة القبلِيَّة ليست خالصة في أي منهما، فالكثير من أبناء الأقاليم الشمالية يقيمون في أقصى الجنوب الصومالي، في حين تُقيم عشائر جنوبية في عُمق الأقاليم الشمالية.
إذن فالحقيقة التي لا يمكنُنا تجاهلها هي أن هذا الجزء من العالم لديه من مقوِّمَات الوحدة أكثر مما عنده من أسباب الانفصال، وهنا سؤال يَطرح نفسه بإلحاح وهو لماذا تم الانفصال إذن؟
رغم أن جميع الأقاليم الصومالية قد تعرَّضَت بصورة أو بأخرى للظلم الناتج عن سوء الإدارة وفساد الأجهزة الحكومية، ورغم أنها جميعًا وإن تفاوتت الدرجات قد عانتْ من البطش والتعسُّف وانعدام أبسط الحقوق المدنيَّة والسياسية إبان الحُكْم العسكري السابق، إلا أن الأقاليم الشمالية كانت ترى أنها حَظِيَت بنصيب الأسد من كومة المظالم التي تفنَّن نظام سياد بري في صبِّهَا على رأس الشعب الصومالي.
وإنصافًا للحق فإن هذا الاعتقاد له ما يبرِّرُه، فالشمال الذي كان لديه من الخبرات الإدارية الكثير مما اكتسبه من الاحتلال البريطاني الذي كان يمتلك العديد من الكوادر الإدارية المؤهَّلة تعرَّض للتهميش الإداري، وتم تصفية مؤسساته العاملة.
كما أن الحركة الوطنية الصومالية SNM التي ناهضت الحكم العسكري في الشمال، تعرَّضت للقمْع بوحشية يكفي أن نذكر منها أن الطائرات الحربيَّة التابعة لسلاح الجو الصومالي قصفت مُدُن هرجيسة وبرعو وبربرة وغيرها من مدن الشمال، دون اعتبار لأرواح البشر من المدنيين، ووجَّه نظام سياد بري جميع ما في ترسانته العسكرية لقمع التمرُّد في الشمال، مما نتج عنه مقتل وتشريد وتهجير الآلاف من أبناء تلك المناطق، وخلَّف شعورًا بالأسى والمرَارَة لا يمكن نسيانُه، ولكن هل هذا هو السببُ الوحيد وراء قرار الانفصال؟
الإحساس بنُكران الجميل
ترى الكاتبة الصحفية الصومالية "فرتون شفد" أن أبناء الشمال الصومالي لديهم شعور بالتميُّز والتفوُّق على غيرهم من الشعب الصومالي لأسباب عديدة، منها ارتفاع نسبة التعليم في الشمال عن الجنوب، كما أن الثراث الصومالي من شعر وقصص شعبية وأمثال ينتمي معظمه إلى الشمال، ومن الأسباب أيضًا أن مقاومة الاستعمار الأوروبي كانت أبرز في الشمال الصومالي، فضلًا عن اقتراب الشمال من مواطن الحضارات الإنسانية، عن الجنوب الأقرب إلى الثقافة الإفريقية، كل هذا وغيره جعل الشمال يشعر بحاجته إلى كيان سياسي منفصل.
ولكن الباحث الأكاديمي والخبير في الشئون الشرق إفريقية الأستاذ حسن ديرية لديه وجهة نظر أبسط بكثير؛ فهو يرى أن "الصومالي لانديين" كانوا صادقين في عرضهم الوحدةَ على الجنوب إبان الاستقلال، ولكن الظلم الذي تعرضوا له جعلهم يشعرون بأنهم قد غُبنوا في هذه الصفقة المسماة بوحدة الأراضي الصومالية.
وأعتقد أن كِلا الرأيين يستحقُّ الأخذ بعين الاعتبار، فتميُّز الشمال عن الجنوب في جوانب من الرقي الحضاري مسألة تحمل الكثير من الصحة، كما أن حقيقة أن الشمال الذي تحرَّر قبل الجنوب بأربعة أيام وحمل علم الوحدة إلى مقديشو وجُوبِه بالكثير من التعنُّت والظلم، مما جعله يشعر بأنه تعرَّض لنُكران الجميل هو أمر لا جدال فيه.
مطمحٌ شعبي
قد يعتقدُ البعض أن قرَارَ الكيان السياسي المستقل لجمهورية أرض الصومال ناتج عن طموح بعض الساسة من أبناء الشمال، ولكن الحقيقة هي أن الانفصال يعتبر مطمحًا شعبيًّا، ومما يؤكد عزم أبناء الشمال على عدم تكرار تجربة الماضي المرير هي الخطوات التي اتخذوها في سبيل تكْريس انفصالِهم عن الجنوب، فقد عملوا بجهد على استتباب الأمن في ربوع إقليمهم، ناجين به من التشتُّت والدمار الذي حَاقَ بالجنوب وانتصروا في معركة النزاع الحدودي بينهم وبين إقليم بونتلاند المجاور، اتَّخذوا لأنفُسِهم علَمًا ونشيدًا خاصًّا وصكُّوا عملتَهم النقدية، وأنشئُوا مؤسسات على قدرٍ كبيرٍ من الكفاءَة والمهنيَّة إلا أن مشكلة الشمال أو بالأحرى مشكلة جمهورية صومالي لاند تتلخَّص في نقطتين:
أولًا: شُحّ الموارد الطبيعية بالمقارنة مع الجنوب الخصب والغني.
ثانيًا: عدم حصول كيانهم السياسي على الاعتراف الدولي رغم مُضِي ما يقارب العشرين عامًا على إعلان الاستِقلال.
تجربة الديمقراطيَّة
بعد عدَّة عقَبَات ومناورات سياسية، نجحت جمهورية "صومالي لاند" في تنظيم انتخابات رئاسية شَهِد بنزاهتها العدو قبل الصديق، ويكفيك شاهدًا على شفافيتها أنها أطاحتْ بالحزب الحاكم ورئيسه طاهر رياله كاهن -وهو أمر نادر الحدوث في انتخابات العالم الثالث- وأسفرت عن فَوْز عريض ومستحَقّ لحزب التضامن KULMIYE وزعيمه أحمد سيلانيو، والرجل بغَضّ النظر عن برنامجه الانتخابي ودون أن نعطيَ لأنفسنا حقَّ التَّكَهُّن بما ستئول إليه حال إدارته، يُعَدُّ من السياسيين البارزين في الصومال ومن المؤمِنين بقدسية استقلال "صومالي لاند".
والسؤال الذي يَفرِض نفسه الآن هو ما الذي تعْنيهِ هذه الانتخاباتُ بالنسبة لمستقبل هذا الإقليم؟
تكريس أم تأصيل
لا شك أن الكثيرين يَرَوْن أن هذه الخطوة سوف تقضي على أي أمل في أن يرجع الصومال كدولة واحدة من جديد، فالشماليون وبعد نجاحهم في رسم خارطة المستقبل السياسي لمنطقتهم وبعد إضافتهم لهذا الإنجاز إلى العديد من الإنجازات التي حققوها سابقًا، سوف يشعرون بأنهم قد اقتربوا أكثر من ترسيخ فكرة استقلالهم، وأن العالم سوف يرى عاجلًا أو آجلًا أنه من الظُّلْم الربطُ بين الشمال المستقر أمنيًّا وسياسيًّا والنامي اقتصاديًّا واجتماعيًّا وبين الجنوب الذي اختلطَ فيه الحابل بالنابل، وأضحى من أكثر مناطق العالم توتُّرًا والتهابًا بل وجنونًا.
في حين يرى آخرون أن ما يحدثُ في أرض الصومال ليس انفصالًا عن الجنوب بقدْر ما هو تأصيلٌ لحقوق ضائعَة وتصحيح للمسار الذي التوى في الأول من يوليو عام 1960.
تعليقات حول الموضوع