|
الشيخ عبدالقادرمحمد عبدالله كما عرفته |
|
|
|
|
Wednesday, 21 October 2009 00:03 |
ابسم الله الرحمن الرحيم لحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى أما بعد ، فقد قال الله تعالى في محكم التنزيل ( كل نفس ذائقة الموت ، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيئ عنده بمقدار، إنا لله وإنا إليه راجعون . غادر دنيانا هذه الفانية ضحى يوم أمس الأحد الموافق 29/10/1430 (18/10/2009) الشيخ الدكتور، والداعية المخضرم ، عبدالقادر محمد عبدالله نسأل الله أن يسكنه فسيح الجنان، وأن يحسن العزاء لأهله وأحبابه والمسلمين أجمعين ويرزقهم الصبر والإحتساب، إنه ولي ذلك والقادر عليه. عرفت الشيخ عبدالقادر منذ أكثر من ثلاثين عاما، وبالتحديد عام 1978 في الحجاز حين فر كثير من شباب الدعوة في ذلك الوقت الى خارج البلاد الصومالية من نيرالنظام الثورى الإشتراكي الذي كان في عنفوان قوته وسطوته في بدايات السبعينات، وألقي عدد كبير منهم في السجون، ومعظم الذين قدر لهم أن يصلوا إلى الحجاز في تلك الأيام إلتحقوا بالجامعات السعودية بين كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في مكة والتى كانت تتبع جامعة الملك عبدالعزيز بجدة قبل أن تتحول إلى جامعة مستقلة باسم جامعة أم القرى، والجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وجامعة الملك عبدالعزيزبجدة التى إلتحق بها من أتجهوا إلى تخصصات الهندسة والصحافة والإدارة والإقتصاد، وذلك في عهد وكيلها ثم مديرها في ذلك الوقت صاحب القلب الحنون، والنفع العميم، ابن بيت الجود، الدكتور عبدالله عمر نصيف حفظه الله. وكان الشيخ عبدالقادر رحمه الله ممن ألتحق بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، قسم العقيدة، وتتلمذ على أعلام الدعوة في العصر الحديث الذين كانوا يدرسون في الكلية أمثال الشيخ سيد سابق صاحب فقه السنة، والشيخ محمد قطب ، والشيخ محمد الغزالي، والشيخ محمد متولي الشعراوي، والشيخ محمد علي الصابوني، وغيرهم من الأعلام رحم الله من توفي منهم وحفظ من بقي منهم كما زامل الشيخ بعضا من طلاب الجامعة النابهين الذين أصبح لهم شأن بعد ذلك وجمعته بهم صلة وثيقة منذ ذلك الوقت ومن أبرزهم الشيخ الدكتور سفر بن عبدالرحمن الحوالي شفاه الله وحفظه صاحب كتاب (العلمانية) رسالة الماجستير، (والفكر الإرجائي) رسالة الدكتوراة، والشيخ الدكتور محمد بن سعيد القحطاني صاحب (الولاء والبراء) رسالة الماجستير، والشيخ الدكتور على بن نفيع العلياني صاحب بحث (أهمية الجهاد) وهو بالمناسبة من أفضل ما كتب في الجهاد في العصر الحديث، وكثير من المشائخ الذين صار لهم صيت عريض في ساحة الدعوة بعد ذلك. كما زامل عددا كبيرا من طلبة العلم والدعاة الصوماليين في جامعة أم القرى، نظرا لطول بقاء الشيخ في أم القرى أكثر من عشرين عاما حيث أكمل المرحلة الجامعية ثم الماجستير ثم الدكتوراة، من أبرزهم الشيخ الدكتور أحمد محمد ماح، المدرس في دار الحديث الخيرية بمكة، والشيخ الدكتور أحمد حاج عبدالرحمن رفيقه في جامعة شرق إفريقيا، والشيخ الدكتور أحمد عبداللطيف وغيرهم كثير. ونظرا لهذه السابقة في الدعوة، والأقدمية في مكة وفي الجامعة، والعلاقات المتنوعة، والهم الدعوي الكبير الذي كان يحمله في صدره رحمه الله، كان من أبرز بل أبرز وجهاء الدعوة الصوماليين في مكة، ومقصد طلاب العلم الجدد، والراغبين في الإلتحاق بالجامعات.لقد عرفت الفقيد رحمه الله طوال هذه السنين عن قرب، وجمعتنا رحلة الدعوة في صحبة وديه، وعاصرنا سويا أحداثا مريرة و مزلزلة خاصة بعد إنهيار الدولة في الصومال في بداية التسعينات وتصدع صفوف الدعاة، وشاركنا سويا في كثير من الأعمال الدعوية، ليس هذا موضع تفصيلها، ولكني في هذه المناسبة أحب أن أنوه هنا بعض الصفات والخلال البارزة التى عرف بها الشيخ رحمه الله وكانت سمات واضحة للعيان في حياته لكل من اقترب منه قليلا. ومن أبرز هذه الصفات:(1) سلامة الصدر عرفت الشيخ عبدالقادر رحمه الله سليم الصدر للمسلمين، لا يحمل حقدا ولا خيانة لأحد، مأمون الجانب، واسع القلب، لا يفتك، ولا يعرف الإنتقام، حتى من الذين يسيئون إليه، وقد كان صدره وبيته يسع الجميع دون أدنى تمييز، بل ينثر المحبة والود والوئام في كل إتجاه، وهذه خلة قل من يدركها وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. لذلك كان الشيخ رحمه الله محبوبا من الجميع في أحلك الأيام، وأمرّ الساعات، التى كانت تتباعد فيها القلوب، وتشتد فيها النزاعات ، وتدلهم فيها الخطوب. (2) خدمة الناسكان من أبرز صفات الشيخ رحمه الله التفانى في خدمة إخوانه المسلمين لاسيما طلاب العلم والقادمين إلى أرض الحجاز، أو المارين بها إلى بلاد أخرى، وقد كان جل وقته يذهب في ذلك، حيث إنه لا يرد أحدا يطلب منه خدمة، حتى أثُر ذلك في حياته الشخصية وبيته وأولاده ودراسته، وأذكر أنه حين طالت مدة رسالة الدكتوراه، وتعثر البحث، وإنتهت المدة المقررة، جلسنا معه قلنا (محكوم عليك يا شيخ عبدالقادر أن لا تخرج من المكتبة وإنك تعفى من أي عمل دعوي آخر) فيقابل ذلك ببسمته الدائمة، وروحه المرحة الخفيفة، وتجده غدا يقود سيارته بمجموعة من الطلاب أو الدعاة، إما إلى جامعة، أو إلى شيخ لأخذ تزكية لهم، أو إلى دار الإفتاء والشيخ إبن باز للشفاعة في توظيفهم، أو إلى مستشفى للعلاج، كان أمة وحده يقوم بكل الأعمال، ولا يوكل أحدا مما كلفه ذلك.وأظن أنه لم يمر طالب علم أو داعية في الحجاز طوال هذه السنين الطويلة إلا وللشيخ عبدالقادر رحمه الله في عنقه منة صغيرة أو كبيرة، كما أظن أن كثيرا ممن جاءوا إلى الجامعات خاصة في أم القرى والمدينة إلا وقد كان للشيخ رحمه الله سبب في إلتحاقهم إما بالتزكيات أو الشفاعات أو القبول أو غير ذلك. وأعرف أن الشيخ رحمه الله كان بوابة من بوابات الشفاعات لتوظيف الدعاة، أو مساعدتهم ماليا، لدي إدارة البحوث والإفتاء ومكتب الشيخ إبن باز رحمة الله عليهم جميعا، وكان الشيخ وكيلا لكثير من هؤلاء الدعاة يستلم لهم الرواتب ثم يرسلها لهم إلى الصومال، وبيته في مكة دائما معمور بالضيوف من الدعاة وطلبة العلم من كل الجهات.هذه كانت سجية للشيخ رحمه الله بلا تكلف، يؤديها بروح عالية ونفس مطمئنة راضية، وبصمت وبلا ضجيج ، بل يستعذب هذه الخدمة لإخوانه الدعاة وطلبة العلم، وقد اعتادها منذ أن انخرط مبكرا في سلك الصحوة في الصومال في بداية السبعينات، وكان في وقت من الأوقات الموظف الوحيد من بين شباب الصحوة وكان راتبه الدخل الوحيد لهم جميعا.(3) العفة والحياء من أبرز صفات الشيخ التى عرفتها فيه رحمه الله عفة اللسان، لا يجرح أحدا، ولا يتهكم عليه، ولا يسب أو يشتم، حتى لو اشتد النقاش أحيانا، أو توتر الجو، وهو رجل حيي كريم المعشر ، من أشد من عرفتهم حياء، لو تحدث إليك، أو هاتفك، أو طلب منك شيئا، أو كلفك بأمر، تسبقه الإعتذارات، والعبارات الدافئة، وهو دائم الإبتسام، حتى في أشد الأوقات صعوبة. (4) الكرم والزهدعرفت الشيخ عبدالقادر رحمه الله رجلا كريما سخيا لا يدّخر شيئا، متوكلا على الله، زاهدا تمر عليه الألوف ومئات الألوف ولا يلتفت إليها ولا تغير منه شيئا، بل هو هو لا تغره الدنيا بزخرفها، وهو ممن يمكن أن تصدق عليه عبارة أنه لم يرد الدنيا ولم ترده، فخرج منها رجمه الله دون أن تثقل كاهله بحطامها. (5) الشجاعة والإقدامعرفت الشيخ عبدالقادر رحمه الله شجاعا في كلمته ورأيه، لا يهاب في المواقف الشديدة التى تحتاج الى المقارعة، وقد عايشته في كثير من المواقف كان هو الرجل الذي يتقدم بلا تردد أو خوف. كان يتمتع رحمه الله بإرادة صلبة وتصميم نادر في المواقف، مع طبع هادئ ولطيف وسهل، رحمة الله تعالى عليه.وكان صبورا بصورة عجيبة، وفي أيام مرضه الأخير كان الناس الذين لا يعرفونه جيدا يتعجبون من صبره وتجلده رحمه الله. وكنا نعرف ذلك من خلال مسيرة حياته الحافلة، حيث نشأ يتيما، مواجها شدائد الحياة منذ نعومة أظفاره، عصاميا ينحت النجاح من الصخر، لا يعرف الشكوى ولا يسمع منه أنين. الأيام الأخيرةمنذ بداية شهر رمضان وصل الشيخ مع رفيقه الدكتور أحمد حاج عبدالرحمن شفاه الله، الى الحجاز للعلاج . وكان أول ما رابني وأفزعني هو صوت الشيخ رحمه الله حين سمعته عبر الهاتف منذ وقت طويل، لقد كان صوتا متغيرا لم أعهده من هذا الجبل الأشمّ. كان صوتا يأتي من بعيد، رغم إنه يتجلد ولا يبدى شيئا من التأوه. وحين ذهبت إليه ووقعت عيني عليه أصبت بشيئ من الصدمة.. لقد كان أمامي رجل أنهكه المرض، وضمرت فيه تلك البنية القوية، وحين ذهبنا بسيارتي الى مكة المكرمة وتناولنا الفطور في ذلك اليوم في بيتي، شاهدت أكثر وضع الشيخ الذي آلمني وأثّر في نفسي كثيرا... لقد كان العملاق في روحه، وإبتسامته، وشجاعته، وحياءه، كما هو ، وكما عرفته منذ عشرات السنين، إلا أن هذا الجسد الذي أمامي يفصح عن ثقل المرض الذي يتجلد له الرجل المعروف بالصبر والتحمل.وبعد صلاة العشاء من ذلك اليوم ذهبنا للكشف عليه عند طبيب إستشاري في أمراض الباطنية، وبعد الكشف أخبرنا الطبيب أن الشيخ يعاني من تليف في الكبد متقدم، وهذا ما أدى إلى إنتفاخ البطن وتورم الرجلين بصورة غير عادية، وكلفنا بإجراء الفحوصات المخبرية لتحديد بعض العلاجات غير أنه أضاف أن العلاج الوحيد لمثل هذه الحالة هو زراعة كبد جديدة إن كنتم تستطيعون ذلك. ومنذ ذلك اليوم بدأت الفحوصات المختلفة للشيخ في عدد من الأطباء الإستشاريين، في كل من مكة وجدة، مع السعي أيضا إلى توفير التكاليف اللازمة لعملية الزراعة إن تطلب الأمر في بريطانيا أو ألمانيا. وإلى أن تتم هذه الترتيبات أدخل الشيخ في مستشفى الملك فيصل التخصصي في جدة وهو من أرقي المستشفيات التخصصية، حيث أجريت له العلاجات اللازمة خاصة عملية إخراج المياه المتجمعة في جسده نظرا لعدم عمل الكبد، وكان الشيخ صابرا محتسبا طوال هذه الرحلة.لقاء خاصقبل يوم من خروجه من المستشفى إتصل بي الشيخ وقال إنه يريد رؤيتي بشكل خاص. وحين ذهبت إليه في المستشفي وجلست بجواره وهو جالس على السرير، أخبرني بأنه يدرك الجهود التى نبذلها لمحاولة نقله إلى لندن للعلاج، ولكنه في الحقيقة يريد أن يخبرني بأن قلبه غير مطمئن ولا ساكن للذهاب إلى تلك البلاد، وإنه لا يثق بهولاء، وأن عداءهم معروف مشهور، ورغم أنه إستخار كثيرا وقلّب الفكر، إلا أن قلبه غير مطمئن بالمرة إلى الذهاب إلى تلك البلدان، ثم قال بطبيعته وأدبه المعروف وحياءه الجم، طبعا الرأي بيننا، وأنا لا أسر على شيئ، ولكن إن كان هناك بدائل أخرى فأرجو أن ننظر. وقلت له: إن هذا هو المنتظر من مثلك يا شيخ عبدالقادر، وأنت أستاذ في العقيدة، ونحن ندرس كل البدائل، ونستشير الأطباء المسلمين الأمناء، ومنهم بعض الأطباء الصوماليين، والذي يقدره الله سيكون.ورغم هذه الظروف الصحية التى كان فيها، كان يسألني: ما هي آخر الأخبار، عن الصومال، وعن الدعوة، وعن المسلمين عموما في المناطق الساخنة. وكان يشارك في الحديث إذا وجد خفة . لقد كان الشيخ غير راغب في فكرة السفر، وإن كان إخوانه وأحبابه المنتشرون في أنحاء العالم لم يقصروا في نجدة أخيهم ، وبذل كل ما بوسعهم لعلاجه في أي مكان مهما تكلف الأمر، وعندما صعبت علينا التأشيرة الى بريطانيا في جدة، تقرر نقل الشيخ إلى جيبوتي لطلب التأشيرة من هناك حيث إنه يحمل جواز سفر جيبوتي، كان آخر عهدي بالشيخ ليلة الخميس حين ودعته في مقر إقامته بجدة، وقد انقطع صوته في آخر يومين له معنا، وسافر يوم الخميس 15/10/2009 الى جيبوتي حيث عاش فيها يومي الجمعة والسبت ووافته المنية في الثامنة صباحا من يوم الأحد 18/10/2009 ودفن بها عصرا في جنازة مهيبة، شارك فيها جمع غفير من العلماء والدعاة وطلبة العلم وعامة المسلمين رحمه الله رحمة واسعة. رحم الله الشيخ الدكتور عبدالقادر محمد عبدالله، وأسكنه الفردوس الأعلى ، وألهم ذويه الصبر والسلوان، وجمعنا به في جنات النعيم إنه نعم المولى ونعم النصير. * كاتب وداعية شهير
|
تعليقات حول الموضوع