|
عودة جماعة (الاعتصام) إلى الساحة الصومالية وتأثيرها على الإمارات المتناحرة. |
|
|
|
Sunday, 09 May 2010 17:23 |
في وقت تمر فيه الصومال بظروف حرجة اشتد فيها الاقتتال بين الجماعات الإسلامية التي كانت منضوية تحت المحاكم الإسلامية، وازدادت وتيرة التكفير والاستهانة بدماء المسلمين التي تراق يوميا ولأسباب تافهة؛ مما أدى إلى تشويه دور العلماء والدعاة فضلا عن الدور الذي قامت به المحاكم الإسلامية في مرحلتها الأولى من تحرير الشعب الصومالي في الجنوب من قبضة أمراء الحرب، وجهود الدعوة الإسلامية السابقة التي تمكنت من تصحيح العديد من المفاهيم والعقائد، في خضم هذه الأجواء الملبدة بالخلافات الأيدلوجية التي لم يكن الشعب الصومالي عهد بها من قبل، عقدت جماعة: (الاعتصام بالكتاب والسنة) مؤتمرها العام ولأول مرة منذ ظهور الجماعات الإسلامية المسلحة لتقول كلمتها عن هذا الوضع المأزوم.
ومن المؤكد أن وضوح الموقف من جماعة إسلامية في وزن (الاعتصام) كان ضروريا لبيان بعض المفاهيم الشرعية التي أصابها الغبش في الفترة الأخيرة، لإعادة الهيبة بالدعوة الإسلامية وللعلماء مكانتهم، ورغم أنها لا تملك القوة الإلزامية على الإمارات المتناحرة فإنها تملك شرعية القوة التي يمكن أن تزعزع أركان وقواعد هذه الجماعات، وهذا الذي جعلهم ينزعجون من موقفها المعلن.شرعية العلماءتعد جماعة (الاعتصام) من أكبر الجماعات السلفية في الصومال، ودورها في نشر العقيدة الإسلامية الصحيحة في الساحة الصومالية معروف، ولكن انسحابها من الساحة بعد الخلافات الكبيرة التي عصفت بالجماعة في فترة التسعينيات حجّم دورها وجعل العديد من قواعدها وبعض قياداتها البارزين ينضمون إلى الجماعات القتالية، ورغم ذلك فما تزال الجماعة تملك أكبر كتلة من العلماء البارزين الذين لهم وزنهم في الساحة، ومن المؤكد أن ابتعاد الجماعة عن الأضواء في الفترة السابقة رغم ما له من سلبيات كتشتت أعضائها وضعف موقفها، إلا أنه أبعدها عن المشاركة في الصراعات الدموية، وأبقى لها نوعا من الرصيد الشعبي، ومن هنا يأتي تخوف بعضهم من عودتها إلى الساحة؛ حيث إنه يزعزع أركان الجماعات القتالية ويسحب منها الشرعية؛ نظرا لما لكلمة العلماء من تقدير وقبول لدى الشعب، فضلا عن أن هيبة الجماعات القتالية وقادتها أصبحت مشوهة إلا عند الفئات الأصغر سنا الذين لا يفرقون بين الكلمة والبندقية، ولم يعرفوا الدعوة الإسلامية إلا من خلال الشباب المتحمس في الشرائط المرئية والمسجلة، ولم يفهموا الفرق بين الجهاد وحرب الفتنة، حيث إنهم لم يجدوا من يبين لهم هذه الأمور بسبب انسحاب العلماء من الساحة وعلو صوت الرصاص على صوت الدعوة.وضوح الموقفاستطاعت الجماعة في بيانها أن تلامس أهم الأمور التي تشغل بال الصوماليين، حيث استنكرت إطلاق أحكام الكفر والردة على المخالف المسلم دون مستند شرعي من فتوى لأهل العلم، أو حكم قضائي شرعي، كما استنكرت القيام بأعمال القتل أو الاغتيال أو التفجير أو المحاربة بناء على تلك الأحكام الجائرة، ورفضت جميع أشكال التدخلات الخارجية التي تعمل لمصالحها، وتجعل البلاد مرهونة لأجنداتها الخاصة، ورأت أن هذه التدخلات هي سبب أساسي من أسباب استمرار الوضع المأساوي وتدهوره، وأنها تحول دون اتفاق الصوماليين، ولفتت انتباه الجميع إلى عدم مصادرة حق الشعب الصومالي، أو فرض الحلول الخارجية غير الواقعية عليه، أو استغلال ضعفه الداخلي. كما رأى البيان أن من مصلحة الجميع إعطاء الشعب الصومالى فرصة للمصالحة الداخلية، والحوار بين أطرافه المختلفة، ودعم قيام نظام دولة مستند إلى أرضية صحيحة، ويشكل في داخل البلاد بالحوار والتفاهم بين الأطراف، وأكدت الجماعة رفضها لوجود القوات الأجنبية التي لا يؤدي وجودها إلا إلى تعقيد المشكلة وزيادة معاناة الشعب الصومالي حسب ما جاء في البيان، ووصفت أعمال القرصنة بالجريمة النكراء والأموال المأخوذة عن طريقها بالكسب المحرم، كما نددت بالقوات الأجنبية التي تدعي محاربة القرصنة وسفن الصيد الأجنبية التي تصطاد في المياه الصومالية وتنهب خيراتها بلا مقابل.الأطراف المتحاربة وكان موقفها من الأطراف المتحاربة جريئا؛ حيث حملتهم مسؤولية ما يحدث للشعب الصومالي من قتل وتشريد عندما قالت: إن صراع الأطراف المتقاتلة في الصومال، ومحاولة إقصاء بعضهم لبعض، وسعي كل فريق منهم إلى الانفراد بالنفوذ والسلطة في البلاد دون الآخرين، ورفضهم الصلح، وتنافرهم بدلا من التحاور، وتقاتلهم بدلا من التصالح، هو السبب الأساسي لما حل ببلدهم وشعبهم، وتسلط الأعداء عليهم وعلى بلدهم، وهم يتحملون وحدهم وزر ما يحدث للمسلمين في هذه المناطق من قتل وتشريد وتدمير.وبينت أن ما يحدث في الصومال هو قتال فتنة لا تجوز المشاركة فيه، وأنها تبرأ إلى الله منه، وتناشد جميع الأطراف أن يتقوا الله في أنفسهم وفي بلادهم وأمتهم وأن يصلحوا ذات بينهم.إن اتخاذ مثل هذه المواقف الواضحة من قبل العلماء والدعاة يمكن أن يغير قناعات بعض المغرر بهم الذين حملوا السلاح اعتقادا منهم أنهم ينصرون الله، والمطلوب من العلماء أن يكونوا على مستوى المسؤولية ويبينوا الأخطاء التي ترتكب باسم الدين، وعليهم ألا يقتصروا بإصدار البيانات وعقد اجتماعات سنوية ثم يقولوا: لقد أدينا ما علينا، بل عليهم أن يشاركوا في الحل بجدية، ومن أهم طرق الحل في الوقت الحالي المواجهة العلنية مع الأفكار التكفيرية التي بدأت تنتشر في الساحة، وفتح نقاشات جدية مع المتأثرين بهذه الأفكار في المساجد وعبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، وعقد ندوات ومحاضرات منهجية تبين للناس الفرق بين الجهاد وحرب الفتنة، وكيف تعامل العلماء مع الفتن، ومن المؤكد أنه إن لم تكن هناك مواجهة فكرية مع مثل هذه الأفكار يصعب القضاء عليها، ومن المهم أن تكون مواقفهم من الحكومة واضحة أيضا، حتى لا يتهموا بأنهم أدوات بيد الحكومة الانتقالية؛ حيث إن هذه الحكومة قد أصبحت لا تملك شيئا من أمرها ولا تستطيع عقد مصالحة إلا مع الجماعات المرتبطة بالقوى الخارجية كالجماعة الصوفية التي تسمي نفسها ب(أهل السنة والجماعة).تأثيرات العودة وقد برهن المؤتمر الأخير للجماعة والبيان الذي صدر عنه أن عودة الجماعة يمكن أن تحدث هزة حقيقية في الساحة الصومالية المرتبكة؛ حيث لم تتأخر الردود من قبل الجماعات المقاتلة التي كانت المستفيد الأكبر من غيابها؛ لأن هذه الجماعات التي تعد امتدادا للجماعة تريد أن تخلو لها الساحة وتصبح هي الممثل الوحيد للسلفية في الصومال رغم الانحرافات التي أصابت منهجها؛ ولذلك فإن أي عودة لأصوات العلماء الكبار من جماعة (الاعتصام) وغيرهم تزعجهم؛ مما جعلهم يعقدون ندوة في مقديشو للرد على البيان تحت عنوان: (جماعة الاعتصام.. بين خدمة الأعداء وخذلان المجاهدين) اتهموا فيها الاعتصام بانحرافات منهجية فضلاً عن اتهامها بالإرجاء وغير ذلك من الأمور التي تدل على أنهم لا يستطيعون أن يسكتوا عن مثل هذه المواجهات الفكرية التي يمكن أن تسحب البساط من تحت أقدامهم حيث إن الجميع يدرك أنهم لا يتمتعون بشعبية فضلاً عن عدم وجود علماء معتبرين في صفوفهم؛ ولذلك يجب على العلماء ألا يتهاونوا في مثل هذه الانحرافات قبل استفحالها أكثر مما هي عليه الآن، وعليهم أن يعودوا إلى الساحة ويبينوا للناس المنهج السلفي الصحيح ومخالفه هذه المناهج الوافدة على الساحة الإسلامية له.بقلم/ عبد القادر علي ورسمه
|